روسيا مرغوب فيها وإيران “نان غراتا”

تصريحات أميركية لاذعة ضد وجودها في سورية عمومًا، واتفاق روسي – أردني – أميركي، يسمح لقوات النظام بالانتشار في بعض المناطق الجنوبية، ويحظر نفوذها في تلك المناطق، ومطالبة روسية بانسحاب جميع قواتها؛ هكذا باتت حال إيران في سورية: قوات غير مرغوب فيها، أو كما يُقال باللاتينية “نان غراتا”.

يُمكن استيعاب الرفض الأميركي – الإسرائيلي للوجود الإيراني في سورية، بالركون إلى حجم التهديد الذي تشكله، عبر ميليشياتها، لأمنهما القومي أو مصالحهما ومصالح حلفائهما في المنطقة، لكن قبولهما بروسيا كقوة شرعية يُتفق معها لتسوية الأزمة، ومواجهة نفوذ إيران في سورية، بات أمرًا يُثير التساؤل حول نقاط الخلاف الروسي – الإيراني التي أدت بروسيا إلى دولةٍ تُساير مطالب الفاعلين المنافسين لها ضد من عُرفت بحليفتها لسنوات طويلة.

أولى نقاط الخلاف الأساسية التي دفعت روسيا إلى القبول بوضع الدولة الضامنة المُنسقة مع الفواعل المنافسة ضد إيران، تكمن في الخلاف الجيواقتصادي أو الجيوسياسي بينهما، إذ تسعى روسيا للتحكم في أكبر قدر ممكن من توريدات الطاقة للاتحاد الأوروبي، بينما ترمي إيران إلى تصدير مصادرها من الطاقة وخصوصًا الغاز الطبيعي، مستقبلًا، إلى الاتحاد الأوروبي، عبر الأراضي السورية. ومن المرشح أن يكسر هذا المشروع، إن تم، الاحتكار الروسي لتوريد الغاز الطبيعي على وجه الخصوص، إلى الاتحاد الأوروبي، إذ تحتل إيران المرتبة الثانية عالميًا، بعد روسيا، من حيث حجم احتياطي الغاز الطبيعي. ويكاد يُشكل هذا العنصر النقطة الأساسية للخلاف الروسي – الإيراني الذي بدأت ملامحه تظهر على السطح بوضوح، بعد مطالبة وزارة الخارجية الروسية “القوى الأجنبية” بالخروج من سورية. لكن، قد تؤدي الرغبة الأوروبية في تنويع مصادرها للطاقة إلى الإبقاء على الهدف الإيراني في تصدير الغاز الطبيعي إليها. وهنا يبدو أنه سيكون تحدٍ جديد أمام روسيا، كي تستطيع فرض معادلة تتمكن من خلالها من إدارة عمليات تصدير الطاقة الإيرانية لأوروبا، قدر الإمكان.

وفي السياق ذاته، لا يخفى على متابعٍ حرص الطرفين على الظفر بأكبر قدرٍ ممكن من السيطرة الجيوسياسية التي تتجلى في السيطرة على الموانئ ومصادر الطاقة الطبيعية والقواعد العسكرية، وغيرها من “غنائم” تشكل روابط سببية، بين السياسة الخارجية لكلٍ من روسيا وإيران تجاه الحيز الجغرافي السوري. ولعل رفض موسكو لإنشاء قاعدة جوية في منطقة القلمون وأخرى بحرية في بانياس تحت تصرف إيران، بحسب ما أورد المرصد الاستراتيجي، يأتي في هذا الإطار.

لقد أبدل الطرفان، منذ بداية الأزمة، سياسة التنافس الجيوسياسي بسياستي توزيع الأدوار واحتواء نقاط الخلاف، وقد حان الوقت لتفرض سياسة الحصول على الحصة الأكبر من الكعكة، ذاتها على الواقع، لا سيما بعد هدوء الجبهات القتالية، واتجاه الأزمة نحو التسوية، وانتهاء مهمة الميليشيات الشيعية التي باتت تُشكل عبئًا على روسيا التي ترى في الفصائل المسلحة “المعارضة السورية” جهات يمكن احتوائها لإيجاد حلٍ طويل الأمد، على عكس إيران التي تبدو أنها تؤيد سياسة الأرض المحروقة أو الإبادة ضد هذه الفصائل، انطلاقًا، ربما، من سياسة مذهبية أو عقيدة إقصاء الآخر بالكامل تجنبًا للمتاعب. وهذه نقطة الخلاف الثانية بين الطرفين، حيث تُعقد إيران بذلك التوجه عملية التسوية المرغوب التوصل إليها دوليًا بسرعة، على العكس من روسيا التي تُبدي ليونةً حيال الأطراف السورية كافة. وفيما برز الخلاف بين الطرفين حول هذه النقطة، إبان اتفاق حلب الذي تم نهاية عام 2016، بزغ شعاعه من جديد إبان معركة وادي بردى، حيث قامت الميليشيات الشيعية بقصف المنطقة، بينما سعت روسيا لإنهاء المعركة، عبر التفاوض وعقد اتفاق هدنة.

أما العامل الثالث، فيكمن في التوقيت وتغيّر وجه المعادلة الدولية، إذ مالت المعادلة الدولية لصالح إيران، بعد الاتفاق النووي معها عام 2015، مما فتح أمامها الأبواب للانفتاح الاقتصادي والتمدد الجغرافي، إلا أنها اليوم تميل إلى صالح روسيا التي استغلت القوة الإيرانية “كقوة تهديد” ضد دول الجوار، وترغب اليوم، حسب ما يبدو، في التماشي مع المعادلة الدولية التي باتت ضد إيران، من أجل تسطير صورةٍ تُبيّن أنها قوة أو بالأحرى “شرطي جيد” قادر على كبح جماح “الشرطي الإيراني السيء” المزعزع للاستقرار في المنطقة.

وربما لعب تبلور مشهد تأسيس إيران “طوق دمشق” بشكل شبه كامل، عبر التغييرات الديموغرافية وتوجهها إلى استكماله، بعد خروج فصائل المعارضة من الغوطة، دورًا كبيرًا في إفصاح روسيا عن جنوحها، نسبيًا، للتنسيق مع القوى الأخرى على حساب إيران، كي تقي نفسها من سيطرة إيرانية قد تعيق عملية تنفيذ قراراتها في سورية مستقبلًا.

أيضًا، يبدو أن شخص الأسد محلّ خلاف بين الطرفين، ففي حين تُظهر روسيا ليونةً حول الاستعداد للحد من صلاحيات الأسد أو حتى عزله على المدى البعيد، تتمسك إيران به وبصلاحياته كهدفٍ استراتيجي يخدم مصالحها.

هناك خلاف واضح في رؤية الحل في سورية، فروسيا ترى أن تحويل المنافس إلى “وكيل” أو “شريك”، عبر إشراكها في قواسم مشتركة، يسرع من عملية الحل، وقد اتبعت هذه السياسة مع تركيا، عبر التلويح بملف المحافظة على وحدة الأراضي السورية، وإظهار خطر القوات الكردية على وحدة سورية، وبالتالي على الأمن القومي التركي عبر السماح لتركيا بالتمدد غرب الفرات؛ الأمر الذي أرغم تركيا على التنسيق معها من أجل أمنها القومي والقواسم المشتركة، لحل الأزمة “كشريكٍ” لها، أي لروسيا، حتى انتشرت شمال سورية وصولا إلى بلدة العيس في ريف حلب الغربي. وهو الأمر الذي كاد أن يتسبب في معاركَ بين تركيا والميليشيات الموالية لإيران، لولا التدخل الروسي. وهنا يبرز اختلاف كبير بين الطرفين، إذ ترغب إيران في مواجهة وإقصاء أي قوة أجنبية في سورية؛ ما يجعلها ترغب في قصر أي نفوذ لتركيا في الشمال، ولـ “إسرائيل” في الجنوب، ولأميركا في الشمال الشرقي، وهو ما تراه روسيا أمرًا مكلفًا، على الصعيدين البشري والمالي، ويُطيل فترة الأزمة بلا فائدة.

أيضًا، الخلاف من منطلق العلاقات الدولية، حيث تحاول روسيا موازنة تحركاتها في سورية على نحوٍ يكفل لها، نسبيًا، مصالحها شرقي أوكرانيا وفي البحر الأسود. كما ترغب من خلال مسايرة “إسرائيل” في النظر إلى أفق إبرام صفقة مع واشنطن، تتضمن رفع العقوبات المفروضة عليها، وإصلاح العلاقات الثنائية. وبالطبع يأتي ذلك على حساب إيران في سورية.

ولا يمكن إغفال الرغبة الروسية في اقتطاع أكبر قدر ممكن من استثمارات إعادة الإعمار التي يبدو أنها ستمول بأموالٍ خليجية وربما أوروبية أو دولية “عبر البنك الدولي أو صندوق النقد”، ولكن بتوجيهٍ أميركي يجعل روسيا مضطرةً إلى التنسيق مع الدول الأخرى على حساب إيران. تبلغ كلفة إعادة الإعمار المرصودة 250 مليار دولار، وهو أمرٌ لا يمكن أن يتم إلا من خلال تمويل الجهات المذكورة آنفًا، التي تُدار بشكلٍ كبير من قبل الولايات المتحدة.

لكن على الرغم من جميع ما ذُكر أعلاه، تجدر الإشارة إلى أن روسيا وإيران تمتازان بعقلانية تمنعهما من خوض حالة صراع مباشرة، لكن قد تتبعان سياسة الضرب من أسفل الجدران التي تعتمد على صراع الوكلاء، بطرق استخباراتية تتم من خلال تسليم شركات روسية أمنية إحداثيات تموضع القوات الإيرانية لقوات الحلفاء، أو قيام الميليشيات الإيرانية بضرب القوات الروسية من الخلف أو عبر حرب العصابات كالاغتيالات والتفجيرات، وغيرها، إلى أن تتم تسوية الأزمة.

في العموم، تمتلك إيران قوة ملموسة في سورية، وتعلم القوى التي تريدها تخفيف هذه القوة، أنه لا يمكن رسم معادلة توازن قوى تحفظ مصالحهما على حساب مصالح إيران، لكن في جميع الأحوال لا يعني ذلك انتهاء التحالف الروسي – الإيراني، فالأمر يقتصر على تقاسم النفوذ في سورية، حيث تحاول روسيا اقتطاع أكبر جزء ممكن. أما تخلي روسيا عن إيران بالكامل، فغير مرصود، لجهة حاجتها الدائمة إليها “كيدٍ يُمنى” في المنطقة، ثم للتعاون معها في الحيلولة دون مد خطوط نقل الطاقة من وسط آسيا، إلى شبه القارة الهندية، برعاية أميركية، كما أنها بحاجة إلى تبادل الأدوار مع إيران كحليف إقليمي، يوازن تحرك أذربيجان مع الولايات المتحدة التي تسعى للوصول إلى ثروات بحر قزوين. وبذلك، يأتي تعاونها مع دول التحالف، وهو الذي يجعلها دولة مرغوب فيها، في إطار تحجيم النفوذ الإيراني في سورية، وليس القضاء عليه بالكامل.