مقالات الرأي

احتواء المغلوب للغالب

تحصل الغلبة نتيجة للقوة، وتكون علاقة بين متصارعين اثنين أو أكثر، وتتأثر بزمن الصراع وشروطه الابتدائية وعوامل الجذب والنبذ والتدخل أكثر مما تتأثر بطبيعة المتصارعين أنفسهم. وغالبًا ما تكون علاقة المغلوب بالغالب علاقة تفاضلية؛ يفضّل فيها عموم البشر أن يكونوا في موقع الغالب لا المغلوب.

إن علاقة المغلوب بالغالب من أعقد العلاقات الإنسانية؛ لما فيها من صراع وتنافس وتكاون ودهاء وكر وفر لدرجة الافتراس الحيواني، ولأنها تطال جميع المستويات المختلفة من الإنسان، كالمستوى النفسي والاجتماعي والمعنوي والأخلاقي والجمالي، ناهيك عن العسكري والحربي وحب البقاء، لدرجةٍ بات فيها اعتراف المغلوب بهزيمته أو اعترافه بانتصار الغالب له مرارة وجودية لا تضاهيها مرارة أخرى.

وقد لاحظ ابن خلدون، من خلال دراسته للمجتمعات والدول في عصره، أن من نتائج الغلبة أنْ يتطبع المغلوب بطبع الغالب. ولكن، تبين أن هذا وجه من أوجه هذه العلاقة فحسب؛ فمن ملاحظة المجتمعات الحديثة نجد أن هذه العلاقة تحمل وجهًا آخر أيضًا، وهو أن يحتوي المغلوب الغالب بمرور الزمن العادي وبدون الصراع المباشر، فالأقوى يغلب، ولكن الأنسب يحتوي الغالب. وقد قال أجدادنا قديمًا، في سياق التأكيد على أهمية الغلبة ودور القوة: “لا يفُلّ الحديدَ إلا الحديدُ”، وقد تبين أن الصدأ يفلّ الحديد أكثر من الحديد، وذلك بالأكسدة مع مرور الزمن والرطوبة.

هنا في هذا الوجه الآخر للعلاقة، لا يتطبع المغلوب بطبع الغالب، ولا يتطبع الغالب بطبع المغلوب، وإنما يتكيّف المغلوب مع هزيمته ومع الغالب، يتكيف مع طبائع الأمور غير الإرادية، فيكون هو الأنسب للاستمرار. ومن تكيّفه هذا تبدأ مفاعيل الزمن باحتواء وابتلاع الغالب وبلعمته وقضمه تدريجيًا. ويساعد في تفعيل هذا التكيف ما ينتجه الشغل البشري من تراكم وفائض، وكذلك ما ينتجه العلم وتطبيقاته من محرزات جديدة، يجعلان من الغلبة نفسها والغالب نفسه في موضع تهكم وسخرية؛ أي قابلان للتجاوز. وهذه الحالة من تحول المغلوب إلى غالب هي ما تفسر جدوى بناء استراتيجية عليها، فلكي يطيعنا الواقع يجب أن نطيعه.

أجل، إن الغلبة علاقة بين غالب ومغلوب، تعتمد نسبة موازين القوى أولًا، وتعتمد مفاعيل الزمن في قلب الحق إلى باطل وقلب الباطل إلى حق، وفي تغيير مناظير الرؤية والظروف الدولية والإقليمية ثانيًا، كما تعتمد المصلحة في توجيه وإرشاد هذه العلاقة ثالثًا.

ولكن، كما يمتص البشر العاديون دهشة الفلسفة وألق الفن ومعنى الدين ومجد الأسطورة، ليحولوها إلى ابتذال وتفاهة، كذلك يمتص المغلوب والمجتمع الأهلي وفردية الأفراد النظامَ الغالب وزهوته ويحولانه إلى مغلوب مع الزمن. وهكذا استوعبت سورية الغزاة، فذابوا بين ظهرانيها، وحللت اليابان هزيمتها في الحرب العالمية الثانية، إلى عناصرها الأولية وعادت للمسرح الدولي من بوابة العمل والتكنولوجيا، بعد أن انسدت أبواب الجيش والعتاد العسكري، ومن هنا بالضبط كانت غولدا مائير ترى أن تكلفة الحرب الإسرائيلية على العرب أقلّ من تكلفة السلم معهم؛ لأنها كانت تخشى احتواء العرب لليهود وبلعمتهم بمرور الزمن السلمي.

إننا نلاحظ، عند المجتمعات البشرية فحسب، وجود إمكانية التعاون البناء المرن واسع النطاق بين أفراد المجتمع، وهذا التعاون هو الذي يؤدي إلى تحويل الغالب إلى مغلوب، ويؤدي إلى تجاوز الصعاب والمحن والكوارث، ويحافظ على بقاء المجتمع عبر الزمن كما يحافظ على أمنه بوصفه مجتمعًا لا أفرادًا.

إذًا، من شروط هزيمة المغلوب للغالب:

– على المغلوب تمرير الزمن والرهان عليه.

– على المغلوب التعاون البنّاء المرن واسع النطاق، بوصفه جالبًا للنتائج الإيجابية التي تخص المغلوب.

– على المغلوب المحافظة على حياته وعلى عمله.

– كما أن عليه التطابق مع الواقع والتكيّف معه. ويمكن اعتبار كل هذا من الأفعال الثورية والوطنية أيضًا؛ إذا ما رفضنا اختزال العمل الثوري إلى العسكرة والإغاثة والتظاهر فحسب.

ففي عملية النشوء والتقدم والارتقاء، يبدو للبعض أن “البقاء للأقوى” وهذا خطأ؛ لأن “البقاء للأصلح أو الأنسب”، وعلى المغلوب أن يكون هو الأنسب لا الأقوى بالضرورة، وهذا يتجاوز الأفراد إلى المجتمع. إن الغالب هو الأقوى، ولكن ليس بالضرورة أن يكون الأنسب، فإذا ما كان المغلوب هو الأنسب، فإنه يحتوي الغالب ويذيب زهوة انتصاره.

فالتطور هو فكرة التغير والتحول وانبثاق الجديد، وهو ما يشرح عدم ثبات المغلوب على وضعه بواسطة الضرورة والأعراض، المجتمع والأفراد، الهوية والاختلاف، صراع البقاء والأنسب يبقى، والتراكم الكمي يؤدي إلى تغيّر نوعي… هذا ما يجب علينا تعلمه، لنتعلم كيف ينتقل المغلوب إلى غالب، وهذا ليس البتة طبيعة أصلية تتطور تلقائيًا أو آلية تعمل من دون شغل وكدح هذا المغلوب وتكيّفه؛ فشعب الشغل والكدح والكبح يستوعب شعب الغلبة العسكرية ويهضمه.

ولهذا، وفي ظل غياب الحسم العسكري والسياسي، المحلي والإقليمي والدولي، وبوحي مما أظهره استيعاب المغلوب للغالب في علاقة الغلبة هذه، على السوريين انتهاج استراتيجية جديدة تعتمد على هذه الفكرة وعلى تعميقها بالممارسة والسلوك العياني.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً

إغلاق
إغلاق