النفور المتبادل بين النخب – نموذج حزب العمل الشيوعي

الوطنية الاجتماعية وعيٌ وممارسة لحقوق وواجبات الشخص والجماعة الوطنية، ومن ثم هي وجدان شخصي ملتحم بوجدان الجماعة السورية. وأيًا كان التصور الشخصي عنها، فإنها حرفيًا، بالاستعانة بالمصطلح الديني، “أخوية وطنية”، وربما كان المقابل الحرفي لها مصطلح مواطن أو مواطنة.

لكن الأخوية الوطنية مواطنة أكثر عمقًا، لأنها تتعلق بالوجدان أو الإيمان الوطني بالجماعة أو الإيمان الوجداني بالجماعة، والقناعة والممارسة المؤسستان على الوجدان أو الإيمان أقوى بكثير من الإيمان المؤسس على قناعة سياسية أو أيديولوجية، خصوصًا إذا تعلقت بأفكار قادمة من خارج المجال الثقافي الذي ننتمي إليه، اجتماعيًا أو دينيًا.

تقتضي الوطنية الاجتماعية أو الوجدان الوطني الاجتماعي أن نتعامل مع أساسيات المجتمع الكبير أو الوطن، بعقلانية، أو باحترام ومحبة، إذ لا يمكن أن تقوم وطنية على أسس العبث والاحتقار والكراهية، بل لا يمكن أن يقوم أي انتماء على هذه الأقانيم الشريرة أو السلبية.

لنطبق هذا المحتوى على المجموعات السياسية الفكرية في سورية، تجاه موضوعة أساسية في هذا المجتمع، ألا وهي التقاليد الاجتماعية الدينية، ولنأخذ مثلًا مجموعة سياسية كحزب العمل الشيوعي.

ماذا يمكن القول عن تجربة هذا الحزب مع تقاليد المجتمع السوري وطقوسه الجماعية المؤسسة على الدّينِ بشكل أساسي (دينٍ إسلامي سنّي أو مذهبي علوي أو درزي أو دينٍ مسيحي أو مذهبي إسماعيلي إسلامي…)؛ فالطقس الجماعي، على خلاف العبادة الفردية، يجب النظر إليه كفعل اجتماعي ينبغي التعامل معه بإيجابية أو حياد؛ لأنه جزء من حراك المجتمع أو فئة من المجتمع، وحري بأي حزب سياسي أن يتفاعل مع فعالية اجتماعية متواترة ولها اعتبار عميق في وجدان الناس، بدلًا من أن يتهمها أو ينبذها أو يُقصي نفسه عنها.

يمكن تسجيل ملاحظة عامة على هذا الحزب، من خلال موقف أفراده من الدين ورجال الدين، وتجاه المجتمع السوري عامة، سواء أكان مسلمًا سنيًا أم علويًا… إلخ، وهو موقف الرافض جذريًا للدين الإسلامي، والرافض لرجال الدين جميعهم من كل المذاهب مع فروق بين أعضاء الحزب، بحسب ثقافتهم الشخصية ومنبتهم الديني.

لكن هناك سمة عامة لتلك المواقف تجمعها هي الاحتقار أو التعالي، والبحث عن نقاط الخلاف بين اعتقادات المجتمع السوري، وبين عقيدة الحزب وتوجهاته ومقولاته، باتجاه تثبيت وتضخيم أي خلاف بل اختراع خلافات غير موجودة أصلًا، ولا ننسى ممارسة أعضاء وجمهور الحزب النقد القاسي أو الساخر بحق الأديان وأتباعها على السواء، وهم السواد الأعظم من الشعب السوري.

على خلاف موقف الحزب الشيوعي السوداني الذي كان أعضاؤه يتوجهون إلى الجوامع، ويُشاركون المؤمنين صلواتهم؛ ما يفسح المجال لهم بالاقتراب منهم وفتح نقاش معهم، ينتهي في حالات عديدة إلى اكتساب أعضاء جدد إلى الحزب، وإلى تسويق انطباع عام اجتماعي بأن الشيوعيين ليسوا أعداء الدين والإسلام، كما كانت تُروّج دعاية الأنظمة الديكتاتورية والأحزاب الإسلامية، وهو موقف شعبي لصالح الشيوعيين بالطبع.

حسين مروة -مثلًا- قارب تاريخ الإسلام من موقف ماركسي، مكتشفًا فيه ما يوافق النظرية الماركسية، أي الحركات السياسية الثورية التي تفجرت على أسس اقتصادية أو لخلفية التناقض الطبقي داخل المجتمع العربي الإسلامي.

هل قام حزب العمل بتحليل اقتصادي اجتماعي ثقافي للمجتمع السوري أو للمناطق السورية التي يوجد للحزب حضور أساسي فيها؟ هل حاول فهم مرجعيات الذهنية السورية الدينية الاعتقادية؟ هل اكتشف الحزب نقاط تقارب أو ضعف في المجتمع يمكن له التسرب عبرها إلى وجدان المجتمع، ومن ضمنه الأوساط التقليدية أو المحافِظة؟

سيقول لنا الرفاق -أو الإخوة- أن حزب العمل عمل في أوساط الأقليات غير السنية وغير المسلمة، وأن منبته ومعظم كوادره ليسوا من منبت مسلم سني، وتلك الطوائف أصلًا لديها مشكلة تاريخية مع الإسلام السني، تعود أسبابها إلى صراع سياسي وعسكري، تحوّل عبر الزمن إلى خلاف عقائدي مذهبي عميق، انتهى بالانشقاق عن الإسلام السني.

لكن حتى لو كان الأمر على هذا النحو، فهذا لا يعفي الحزبَ ولا أعضاءه من الصمت وعدم تقديم خطة عمل أو تصور عن الوضع الثقافي الديني للشعب السوري بأغلبيته المسلمة السنية، طالما هو حزب وطني يعمل لخير السوريين.

حين يتم تجاهل عموم السوريين، فهذا يعني أن الحزب لا ينطلق من منطلق واقعي، في معالجته شؤونه الداخلية والفكرية، وفي النظر إلى الشعب السوري، وهذا أمر غريب أن يتم تجاهل المكون الأساس لأي شعب شرقي عربي، أي المكون النفسي الاعتقادي الذي يُحرّك ويستولي على وجدان هذه الشعوب.

فإذا لم يكن حزب العمل يُعبّر عن واقع الشعب السوري، ولا يفهم هذا الواقع، بل يصدر في مرجعيته وأفكاره عن ثقافة لا تمتّ إلى السوريين بصلة، أي الثقافة الشيوعية؛ فكيف يمكن أن ينجح في عمله أو يقبل السوريون أفكاره ويؤيدون نهجه، ومعظم أفكاره معادية للإسلام وللمسيحية عمومًا، وهي أقرب إلى الأفكار العلمانية القسرية أو القهرية الطوباوية.

هل كان حزب العمل الشيوعي حركةَ تحرر علوية أو أقلياتية إذًا؟ ربما كان على هذا النحو في واقع الأمر، دون أن نُغفل أنه كان يريد تحرر السوريين جميعًا من الاستبداد، وبناء مجتمع عادل إنساني للجميع، لكن كيف لحزب سوري أن يفعل وينجح ويُقبل من السوريين، إذا كان كوادره يقفون من الدين والإسلام السني موقفًا عدائيًا، ويتعاملون مع أفكار واعتقادات الناس بطريقة متعالية أو ساخرة؟

ينطبق هذا الموقف المتعالي المحتقر للمختلفين على جموع المعارضة السورية، ولا سيما الإخوان المسلمين وأتباعهم بعد الثورة السورية الذين وقفوا ضد العلويين موقف تكفير وتحقير وإدانة واتهام، فقط لأنهم يعتقدون أن بشار الأسد والنظام السوري هم علويون ويحكمون سورية وينهبونها على هذا الأساس.

لم تفعل المعارضة السورية -جوهرها الإخواني- أي شيء للتقارب مع السوريين غير السنة تقاربًا يمكن وصفه بتقارب وطني اجتماعي، بل تجاهلت حراك الأقليات ضد النظام، وتعاملت مع تظاهرات مدينة السلمية -إسماعيليين وعلويين- بلا مبالاة أو بتجاهل، وتكرر الأمر سنة 2017 حين تعرضت مدينة السلمية للقصف من قبل (داعش) ومجموعات محسوبة على النظام.

في الخلاصة، يمكن القول إن من لم يكن وطنيًا اجتماعيًا قبل الثورة، من الصعب عليه أن يصبح كذلك بعدها، بدلالتها وحدها كنشاط سياسي احتجاجي أو معارض. فالوطنية الاجتماعية تتجاوز الشكل السياسي الإعلامي للثورة، لكونها ذهنية وسلوكًا شخصيًا وعامًا، ويمكن أن تكون حلًا لأزمة السوريين الوجودية، ومعطى لهوية بديلة يبحث عنها الجميع.