بين الثورة البلشفية 1917 وثورة البعث 1963

ليست كل الثورات ثورات، فالثورة الإنكليزية، عندما قامت في منتصف القرن السابع عشر، أنجبت لائحة الحقوق ونظامَ الحكم البرلماني، بينما أنجبت الثورة الأميركية 1775 بيان الاستقلال ثم الدستور الأميركي، في حين استطاعت الثورة الفرنسية 1789 أن تغيّر وجه العالم، لتجتاح مبادئ العدالة وحكم القانون، التي جاءت بها، القارةَ الأوروبية بأكملها، ومثلها كانت أيضًا الثورة الروسية 1917، عندما غيّرت حركة التاريخ، وأعادت رسم خريطة العالم، سياسيًا وعلميًا وجغرافيًا، تمكّنت خلالها روسيا من دحر النازية، وغزو الفضاء وامتلاك الدرع النووي، لتصبح دولة عظمى بامتياز.

بدورها الثورات العربية التحررية التي قامت في النصف الأول من القرن الماضي، تُوجت بطرد المستعمرين، ونيل الاستقلال، أما الثورة الإيرانية على الشاه 1979 فقد جاءت بالدولة الثيوقراطية الدينية، التي على كنفها يقع نصرة جميع المستضعفين في العالم، لذلك ها هي اليوم في كل من العراق ولبنان وسورية واليمن، ومثلها أيضًا الثورة البعثية في سورية آذار/ مارس 1963 التي جاءت بالدولة العسكرية، التي أخذت على كنفها تحقيق المشروع القومي العربي، المتمثل في وحدة الأمة العربية، من محيطها إلى خليجها، إلا أنها قامت في الشام وبقيت في الشام.

منذ آذار/ مارس 1963، أفئدة بعض السوريين تتعلق بالأخ الأكبر موسكو، على اعتبار أنهم إخوة على طريق الاشتراكية، ترنو عيونهم إلى تلك الدولة التي تناهض قوى الإمبريالية والاستعمار، لذلك أخذوا يحجون إليها أفواجًا، دولة تحت الطلب، يرسلون إليها البعثات العسكرية والعلمية، ينفون إليها المغضوب عليهم، يشترون منها السلاح، بمقابل أو من دون مقابل، ينسونها وفق الحاجة، ثم يستنجدون بها عند الحاجة.

السؤال الذي يثور هنا بإلحاح: لماذا لا يستفيد هؤلاء السوريون من التجربة الروسية الناجحة، التي قادها بكل براعة ونجاح حليفهم الأساس فلاديمير بوتين؟ الذي استطاع بحنكته المعهودة النهوض بالأمة الروسية، بعد أن تحولّت في نهاية عهد سلفه يلتسن، إلى قارب سفينة تُبحر على غير هدًى، بلا قبطان.

بوتين الذي بدأ حياته، ضابطًا صغيرًا جاء من الصفر، لم يأت من بين القصور، ولا على ظهر دبابة، جده لأبيه كان طبّاخًا لكل من فلاديمير لينين وجوزيف ستالين، وفق ما قاله بوتين في فيلم تسجيلي، نشر على الإنترنت في وقت سابق، مضيفًا أنه بعد سقوط الاتحاد السوفيتي، كان يفكر جدِّيًا في البحث عن وظيفة كسائق سيارة أجرة، قبل أن ينتقل إلى موسكو عام 1996، أصبح بلا عمل، لذلك لم تكن أمامه خيارات أخرى.

شيوعي تسري الشيوعية في عروقه، باعتباره نشأ وترعرع في كنف جهاز المخابرات السوفيتية، وبات مسؤولًا رفيعًا فيه، بالمناسبة يقول بوتين إنه لا يزال يحتفظ ببطاقة انتسابه، ولا يزال يقدِّر المثل الشيوعية، وعلى الرغم من ذلك، استطاع هذا الرجل بكل اقتدار العمل على تقيِيم سياسات الحزب الشيوعي السابقة، بل الانقلاب عليها وعلى مبادئها بكل نجاح، إلى درجة أنه تمنى لو أن الثورة البلشفية عام 1917 لم تقم، بقوله: “إن روسيا لم تكن بحاجة إلى ثورة عالمية”، لا بل انقلب على مؤسس الاتحاد السوفيتي نفسه: لينين، صاحب النظرية الشيوعية وطروحاتها، من خلال تحميل الشيوعيين مسؤولية تفكك هذا الاتحاد، بقوله: “لقد وضعوا قنبلة نووية تحت مبنى كان اسمه روسيا، سرعان ما انفجرت”.

لا بل إن بوتين ثار على الإرث السياسي الشيوعي برمته، بعد أن قام بإلغاء صبغة العيد الوطني عن ثورة 1917، واستبدلها باسم “يوم الوفاق والمصالحة”. يقول بوتين: “إن مَن لا يأسف على انهيار الاتحاد السوفيتي، فإنه لا قلب له، ومن يريد استعادته فإنما يفتقر إلى العقل”، مُضيفًا: إنه تاريخنا جميعًا يجب احترام ذلك، لكن يجب علينا ألا ننسى أن دروس التاريخ، قبل كل شيء، تساهم في تحقيق المصالحة، وتعزيز الانسجام السياسي والاجتماعي والمدني لا تكريس الانقسامات”.

بل ثار بوتين على كل الرموز، لذلك لم يعد العالم اليوم يرى الروس، وهم يحضرون عنوة إلى الساحة الحمراء، في قلب موسكو، إحياءً لذكرى تلك الثورة، لم يعد يشاهدهم وهم يخشعون أمام جثمان زعيمها، المحنط في تلك الساحة، لقد ذهب زمن تقديس الأشخاص والتسبيح ببركاتهم، إلى درجة أن لينين بات يقبع وحيدًا في الساحة، لم يعد هناك حجيج صاخب يرتاد المكان، بعد مئة عام على قيام تلك الثورة مات لينين، والجميع بانتظار نقل جثمانه إلى مثواه الأخير.

ليس ذلك فحسب، وإنما أعاد بوتين للقيصر ألكساندر الثالث، الذي أطاحت بابنه تلك الثورة الاعتبارَ، حينما أزاح، العام الماضي في احتفال مهيب، الستارَ عن تمثاله البرونزي، وسط شبه جزيرة القرم، حيث توفي هناك، واصفًا إياه بأنه “رجل دولة فذ، وشخصية قوية وشجاع، وصاحب إرادة لا تلين”.

هكذا يريد بوتين روسيا، دولة جديدة بكل المقاييس، لذلك عمل بكل جد وإصرار على نسيان حقبة الماضي وترسباته، بناءً على ذلك غابت كل مظاهر الاحتفالات بذكرى الثورة المئوية لهذا العام، من جميع القنوات التلفزيونية الروسية الرسمية، كذلك عن مختلف وسائل إعلام الدولة، وقد كانت إلى عهدٍ قريب تصفِّق وتسبح باسم الزعيم القائد.

لقد ذهب عهد ثورة أكتوبر العظيمة، ذهب زمن الخوف من سطوة القادة وعنفوانهم إلى الأبد، حينما أصيب ستالين بنزيف دماغي، مات على سريره، ولم يتم اكتشاف موته إلا في اليوم التالي، لأنه ما من أحد كان يجرؤ على أن يدق باب غرفته، كما ورد في دراسة أجراها عدد من الباحثين، بعنوان “الأيام الأخيرة في حياة الديكتاتوريين”.

لا بل ماتت أفكارهم المريضة والهدّامة، كان لينين، إذا اختلف مع رفاقه في الحزب أو في السلطة، ينصحهم بأن يبحثوا لأنفسهم عن علاج، أي أن كل من يختلف معه أو مع توجهات السلطة، كان مريضًا نفسيًا، وهو ما دفع رفاقه البلاشفة إلى الاعتقاد بأن من يقودونهم “هم وحدهم الذين يعلمون، دون سواهم”، وهو ما سرى تمامًا على سائر الأحزاب الشيوعية في العالم، ومن سار على طريقهم الشمولي، كحزب البعث، الذي يرى المنتسبون إليه بأن الحزب وقيادته دومًا على حق، لذلك يبصمون لهم بالعشرة، مما أوجد عمًى فكريًا عامًّا، لم يشذّ عنه أحد، إلا عندما ينسلخ عن بقية الرفاق؟ والقيادة المقصودة بالطبع هنا، إنما هي القيادة القائمة في السلطة، وليست القادة المؤسسون، الذين تم تخوينهم والتخلُّص منهم، منذ قيام تلك الثورة، إما بالنفي أو بالإقامة الجبرية أو بالاعتقال، أو غير ذلك.

قبل ما يُقارب جيلًا من الزمان، كان عدد الشيوعيين في العالم أكثر من مليار ونصف شخص، من أصل 4.4 مليار نسمة، هم تعداد البشرية آنذاك، هؤلاء كانوا ينتسبون إلى سبعة عشر دولة، كانت تأخذ بالنظام الشيوعي، اليوم تقلصت الدول التي ما زالت تحكم بالنظام الشيوعي، من ثم تقلصّت أعداد الشيوعيين.

في حين كان عدد أعضاء حزب البعث، عشية حركة 8 آذار/ مارس 1963 أي يوم استلامه السلطة، لا يتجاوز 400 شخص فقط، وفقًا لما ذكره الأمين العام للحزب الدكتور منيف الرزاز، في كتابه (التجربة المرة)، وهو ما ذكره أيضًا المستشرق الهولندي والسفير السابق في كل من العراق ولبنان نيقولاس فان دام، في رسالته للدكتوراه عام 1995 بعنوان: “الصراع على السلطة في سورية”.

إلى أن وصل عدد البعثيين في عام 1971 إلى 65 ألف، وفقًا لم ذكره حنا بطاطو بكتابه (فلاحو سورية) الصادر في عام 1999، والمفارقة هنا هي أنه كان عدد الشيوعيين في سورية وحدها في عام 1947 أي عام ميلاد حزب البعث 15 ألف عضو، بينما في لبنان 20 ألف عضو، وفقًا لبطاطو نفسه.

وبجميع الأحوال، فإن عدد البعثيين في العالم لم يتجاوز في ذروة مجدهم كحد أقصى 30 مليون شخص، طبعًا إذا ما أخذنا بالاعتبار أن كل سوري وكل عراقي كان بعثيًا منذ الولادة، كان ذلك قبل أن يتم الإطاحة ببعث العراق في عام 2003 من ثم اجتثاثه، وكذلك قبل أن ينقسم البعثيون في سورية على بعضهم البعض، بعد نشوب الأزمة، فضلًا عن الانقسامات الحادة التي كانت تفصل ما بين قيادات وأنصار هذا الحزب في كلا البلدين.

نصل إلى السؤال الأهم: أيهما أهم؟ أفكار عفلق والبيطار والأرسوزي، وعبد القادر قدورة وفايز شكر؟ أم أفكار إنجلز وماركس ولينين، التي غزت ثلث الكرة الأرضية تقريبًا؟ وبالتالي أيهما الأجدر بإعادة النظر بما لديه من أفكار ومضامين، والحاجة إلى مراجعة حقبة الماضي؟ الحزب الشيوعي الروسي العالمي، وما حققه من منجزات عظيمة؟ في مجالات العلم والدفاع ووحدة البلاد؟ أم حزب البعث؟ خصوصًا إذا ما علمنا أن البعث قد أخذ جُلّ أفكاره عن النظرية الماركسية الشيوعية، من علمانية وجدلية ديالكتيكية ثورية، والحزب الشمولي الواحد، فضلًا عن الاشتراكية، غير أنه قام بإلباس هذه الأفكار لبوسًا قوميًا.

ثم الأهم من هذا وذاك: ماذا حقق حزب البعث من منجزات؟ بل ماذا حقق من أهدافه التي صدحت بها حناجر الجماهير صباح مساء، وما تزال، منذ سبعة عقود على تأسيسه، وأكثر من نصف قرن على تبوئه السلطة في قطرين رئيسين متجاورين؟ ثم ماذا حقق من رسالته القومية؟ لقد بدأ البعث نشاطه، منذ ذلك الحين بمقهى الرشيد في وسط دمشق، وبقي بالقرب منه.

ثمة مفارقة غريبة هنا، هل سمعتم بحزب قام على أساس فكرة القومية العربية؟ لم يجتمع منذ 37 عامًا اجتماعًا واحدًا على المستوى القومي، منذ أن عقد مؤتمره القومي الثالث عشر في العام 1980 بالرغم من وجود قيادة قومية، بمقرها وموازنتها الخاصة وأعضائها وحاشيتها ومزارعها، فضلًا عن أنه لم يجتمع على المستوى القطري، منذ عام 2005 تاريخ انعقاد المؤتمر القطري العاشر.

نصل إلى السؤال الأهم: ماذا بقي من حزب البعث اليوم؟ بعد أن فقد الكثير من قيمه الفكرية والروحية، وجزءًا كبيرًا من قواعده التنظيمية، فضلًا عن أنه لم يعد لديه مفكرون، عند قيام ثورة آذار/ مارس التي يحتفل بذكراها السوريون منذ عام 1963 باعتبارها عيدًا وطنيًا، تذرّع قادة الحركة يومها، بأنهم يحاولون حماية الشعب من الأنظمة الرأسمالية والرجعية الفاسدة، وأنهم لا يطمحون للسلطة، بقدر طموحهم وإيمانهم بوحدة الأمة العربية وحريتها وتطبيق الاشتراكية فيها.. ماذا تحقق من كل ذلك؟

كانت النتيجة أن أول ضحاياهم كان الحرية، عندما قاموا بعد أيام فقط بإغلاق مكاتب أكثر من 16 صحيفة سورية بالشمع الأحمر، ومصادرة ممتلكاتها، كان الجيش أداة لحسم الصراعات بين مختلف القوى السياسية المتنافسة، أصبح الجيش هو موضوع الصراع، فضلًا عن حجم الكارثة الاقتصادية التي أودت بالاقتصاد السوري، جرّاء عمليات التأميم، وللتدليل على صحة ذلك، يكفي أن نعلم أنه كان في سورية قبل تلك الحركة ما يزيد عن 70 شركة تأمين، مقابل 4 ملايين نسمة، بينما اليوم لا يتجاوز عدد شركات التأمين أكثر من 13 شركة، مقابل 22 مليون نسمة، وهو ما يؤشر بكل تأكيد على ضعف المؤشر الاقتصادي ليس إلا.

ثم ماذا على الشعب السوري أن يتذكر مما جلبت له تلك الثورة، وما تمخّض عنها؟ غير أنه مع كل تذكار هناك غصة وحرقة، أكثر من نصف قرن كانت المادة الثامنة، ولا زالت مشكلة المشاكل لدى السوريين، أكانت في الدستور أم في المرسوم الذي سبق أن أصدره مجلس قيادة الثورة في شهر حزيران 1963، وقد جاء فيها أن “للمجلس مناقشة وإقرار تسريح الجيش العامل والاحتياطي، وتكوينه وتخفيضه وحله، بناء على اقتراح مجلس الدفاع”، لذلك تم تسريح عدد كبير من الضباط وصف الضباط، فأفرغ الجيش من كفاءاته الوطنية، في حين أفرغت الحياة السياسية والمدنية العامة بمجملها من مقومات بقائها.

يقول الأمين العام للحزب الرزاز في كتابه (التجربة المرة) صفحة 192: إن الثور الأبيض أُكلَ يوم 8 آذار/ مارس، يوم رضي الحزب بأن يُحالف حركة عسكرية غير تابعة له تنظيميًا، ولا عقائديًا، إن “التنظيم العسكري لم يقبل لنفسه أن يُنظم في الحزب قبل (الثورة)، ولم يقبل أن يضع نفسه تحت قيادة الحزب بعدها، كان حريصًا أن يملك الحزب كما ملك (الثورة) التي صنعها باسم الحزب” ص 96.

وبالتالي، فإذا كانت روسيا لم تكن بحاجة إلى ثورة 1917، وفقًا لتصريحات بوتين التي أشرنا إليها، رغم ما حققه الاتحاد السوفيتي من إنجازات وانتصارات كبيرة، حولت روسيا إلى دولة عظمى بامتياز، باتت بموجبها تتحكم بالقرار الأممي، فإن السؤال الذي يطرح نفسه بإلحاح هو: هل كانت سورية بحاجة إلى ثورة آذار/ مارس 1963؟ خصوصًا إذا ما أخذنا بعين الاعتبار مسيرتها الطويلة، وما نتج عنها من إخفاقات؟

وفقًا لهيجل، كل ما هو واقعي هو عقلاني، لماذا لا يتم الاعتراف بأن ثورة 1963 البعثية لم تحقق أيًا من أهدافها المطلوبة، وأنها لم تكن بمستوى تطلعات الشعب السوري وآماله، في العيش بوطنٍ حرٍ مستقل؟ لن نقول فيها ما قاله بوتين في الثورة الشيوعية، بافتقار من يريد استعادتها إلى العقل، إلا أننا نقول إن من يريد البقاء على أحلامها وشعاراتها الطوباوية، فلا شك أنه يمسه شيء ما في العقل.

وبالتالي، فإذا كان الشعب الروسي يتساءل اليوم: ماذا بقي من ثورة أكتوبر 1917، رغم عظمة تلك الثورة، وما حققته من إنجازات متعددة وضخمة؟ إذًا ماذا على السوريين قوله في ما تبقى من ثورة 1963؟ وهو ما يقودنا إلى السؤال الأهم: متى سيعي بعض السوريون حجم التحديات الجسيمة التي يواجهها الوطن والشعب اليوم، فيتحلون بالجدية والواقعية، ويستبدلون أعيادهم بيوم الوفاق الوطني والمصالحة، ليكون يومًا وطنيًا يحتفل به جميع السوريين.