مقالات الرأي

إصرار المعارضة السورية على تأدية الأدوار المخزية

وكأن ليس هناك وجود للسوريين، حتى يدعو المبعوث الدولي ستيفان دي ميستورا إيران وروسيا وتركيا، لإجراء مشاورات في جنيف لمناقشة دستورهم، في يومي 18 و19 من الشهر الجاري.

معروف أن تنظيم الأسد، والموالين له، هم من جعلوا مثل هذه الدول، وغيرها، تُقرر وتتحكم في مصير السوريين، ومع ذلك لا يمكن إغفال الأدوار المخزية التي لعبتها أطراف المعارضة، وآخرها قبول الهيئة العليا للمفاوضات الممثلة لأطياف المعارضة السورية، الانخراط في لجنة تشكيل الدستور، التي لن يكون لها أي دور يُذكر، سوى التوقيع على القرارات المتّخذة، ومنح الدول المغتصبة للأراضي السورية، وقاتلي أهلها ومشرديهم، صكّ غفران. مثل هذه المهازل لم تعد مستغربة لدى السوريين، إذ يكاد يكون فقدان هيبة الكيانات المحسوبة على المعارضة أمرًا بديهيًا، في سياق الأدوار التي لعبتها على مدار سنوات من عمر الثورة السورية.

بالعودة إلى أداء المجلس الوطني السوري الذي تأسس مع بدايات الثورة، في 2 تشرين الأول/ أكتوبر 2011، وما استنسخ عنه كالائتلاف السوري لقوى الثورة والمعارضة في 11 تشرين الثاني/ نوفمبر 2012، ثم الهيئة العليا للمفاوضات المنبثقة عن مؤتمر الرياض الأول للمعارضة في 10 كانون الأول/ ديسمبر 2015، ثم إصدار نسخة جديدة عن هذه الهيئة، خلال مؤتمر الرياض الثاني المنعقد في 22 و23 تشرين الثاني/ نوفمبر 2017، وهي الهيئة العليا للمفاوضات في الوقت الراهن؛ يمكن القول إن جميع تلك التشكيلات كانت في جانب منها، سببًا للخراب الذي ألمّ بالسوريين، تارة بضبابية مواقفها، وصراعاتها الداخلية، وتمثيلها من قبل جهات وأطراف لديها أجندات، لا تلتقي مع أحلام وآمال الشعب السوري، إضافة إلى تماهيها مع فصائل مسلحة لديها توجهات إسلامية، لا يعنيها أي من الأهداف التي لأجلها قامت الثورة، والمتمثلة بالحرية والعدالة والمدنية، ثم خضوعها لمطالب وأوامر الدول، وإيهام الشعب السوري الرازح تحت وطأة القتل والجوع والاعتقال والتهجير، مرات تلو المرات، بأن الخلاص من الطاغية بات قريبًا، بناءً على تأكيدات ووعود من الدول صاحبة الشأن، غير أن الوقائع أثبتت أن تلك الدول لم تكن صادقة مع أعضاء هذه الكيانات، ولم تحترمهم، بل كانت تتخذ منهم مطية لتحقيق مصالحها وأطماعها، بعد أن أدركت سذاجة وهشاشة كياناتهم؛ ما سمح وهيّأ المناخ لها، وللأطراف المحسوبة عليها، بالتحكم بمصاير السوريين، تحت غطاء ما سمي بالمعارضة الوطنية.

الآن، بعد كل هذا الخراب الذي حل بالسوريين، يستمر أعضاء هيئة التفاوض في الرضوخ للأوامر الروسية، وهم يدركون جيدًا أن روسيا هي من أنقذ تنظيم الأسد من السقوط، وهي من ساهمت في تدمير الجزء الأكبر من بلدهم، وهي من حوّلتهم إلى مجرد بهاليل ومهرجين على مسرح الأحداث؛ فساقتهم إلى اجتماع أستانا الأول والثاني والثالث والرابع، حتى التاسع، وكانت في كل مرة، قبل وأثناء وبعد كل أستانا، ترتكب عشرات المذابح والجرائم بحق السوريين، ولا يجد أعضاء التكتلات السورية المعارضة إلا الخضوع لأوامر بوتين. وها هو دي ميستورا، للمرة العشرين أو يزيد، كغيره من مبعوثي الدول السابقين، يسوقهم ليكونوا طرفًا في لجنة مهمتها تأسيس دستور سوري، بإشراف دول تحتل أراضيهم. تمهيدًا لشرعنة تنظيم الأسد، وغسل جرائمه في المحافل الدولية.

طالما أن الوضع السوري بات مكشوفًا تمامًا، وتمت سيطرة عصابات تنظيم الأسد، بمساعدة الطيران الروسي ومرتزقة إيران، على معظم الأراضي، وبعد أن قتل وشرد واعتقل الملايين من السوريين، نتساءل: ترى هل استطاعت مواقف أعضاء الهيئة العليا للمفاوضات، وغيرها من الكيانات السابقة، من خلال تعاطيهم مع المأساة السورية، أن يرفعوا الموت عن سوري واحد، أو أن يَحولوا دون غرق طفل واحد، أو تهجيره؟!

تُشير الوقائع والمعطيات على الأرض إلى أن مواقفهم وحساباتكم، لم تسفر عن إنقاذ دابة واحدة على الأرض السورية؛ ما يعني أنه بات من الأجدر لهم أن ينسحبوا من لعبة الدم السوري، وأن يُعلنوا مسؤوليتهم عن كل الإخفاقات وخيبات الآمال التي جرعوها للسوريين، وأن يعلنوا من جانب آخر رفضَهم المشاركة في اللجنة الدستورية، وليجرّبوا، ولو مرة واحدة، ألا يرضخوا لأوامر بوتين الذي دمّر بيوت أهلهم وقتل وشرد ساكنيها، فعلى ماذا يخشون وقد خسروا جميع معارفهم السياسية والعسكرية والمدنية والإنسانية؟ أما آن لهم أن يستغلوا كراسيهم ومنابرهم ليُعبّروا عن ذواتهم، أم أن ذواتهم قد فُطرت على الرضوخ، وأن الكراسي والمنابر التي يعتلونها لم تكن يومًا إلا باب رزق لهم، على حساب الدم السوري، وتحسبًا من إغلاقها في وجوههم، يستمرون في لعب دور لتسلية من قتل وشرد أهلهم؟

ما الذي يمنعهم من التحرر والتمرد على إرادة بوتين، والتطلع فقط باتجاه مقررات مؤتمر جنيف التي نصّت على الانتقال السياسي كخطوة أولى، وبعدها يتم مناقشة الدستور من خلال السوريين أنفسهم، بينما الحديث عن الدستور في ظل هذه المعطيات، دون انتقال سياسي، ليس إلا شرعنة واعترافًا بالعصابات الأسدية وبالمحتل، وهذا ما اشتغل وما زال يشتغل عليه بوتين. المطلوب هو الخروج من السطوة الروسية، واتخاذ مواقف صريحة تعلن أن روسيا وإيران دولٌ محتلة، في العرف السياسي والأخلاقي، وغير جديرة بقيادة عملية سلمية أو تفاوضية.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

إغلاق