تحقيقات وتقارير سياسية

ملف الساخنات الأربعة في الشأن السوري

أولًا: اللجنة الدستورية

نظام يتلاعب بالأوراق.. والمعارضة: غايتنا دستور جديد

استحوذت قضية تشكيل اللجنة الدستورية (التي خرجت فكرتها من مؤتمر سوتشي، الذي عُقد يوم 30 كانون الثاني من العام الجاري) على الساحة السياسية السورية والدولية، خصوصًا أن مهام هذه اللجنة ما زالت غير واضحة، فالنظام يعتبر أنها ستناقش دستور عام 2012، والمعارضة تؤكد أن هذه اللجنة ستقوم بوضع دستور جديد للبلاد، يحفظ الحقوق ويُعبّد الطريق أمام دولة مدنية ديمقراطية.

قال المبعوث الأممي إلى سورية ستيفان دي ميستورا، أمس الأربعاء: إن اجتماعًا سيعقد في جنيف، الأسبوع المقبل، وسيحضره مسؤولون كبار من روسيا وتركيا وإيران، وذلك من أجل إجراء مشاورات مع الأمم المتحدة، حول تشكيل اللجنة الدستورية الخاصة بسورية.

جاء في البيان الصادر عن مكتب المبعوث الأممي أنه “تم توجيه دعوة إلى مسؤولين إيرانيين وروس وأتراك، لعقد مشاورات في جنيف يومي 18 و19 حزيران الجاري لبحث تشكيل لجنة دستورية”، مشيرًا إلى أنه “ستتم دعوة دول أخرى في الوقت المناسب”، بحسب ما ذكرت وكالة (رويترز).

علمت (جيرون)، من مصادر مطلعة، أن النظام السوري سارع في إرسال لائحة الشخصيات المقترحة من جانبه -من أجل اللجنة الدستورية- إلى المبعوث الأممي بغية تحقيق هدفين: الأول هو إرضاء الجانب الروسي، خصوصًا أن الرئيس الروسي فلاديمير بوتين نقل على لسان الأسد أن الأخير سيتعامل مع الملف بجدية، والهدف الثاني هو ضربة استباقية أمام المجتمع الدولي، تُظهر أنه يولي الملف السياسي دورًا بالغًا في تصوراته.

المعلومات تقول أيضًا إن النظام، مع بدء عمل اللجنة (التي من المتوقع أن تبدأ خلال الشهر القادم) سيقوم بوضع عراقيل “قانونية” في وجهها، أبرزها أن اللجنة ستناقش الدستور السوري الذي يعود إلى عام 2012، وثانيها أن الدستور لا يمكن تشكيله خارج الأراضي السورية، وذلك من باب “السيادة والاستقلالية”، ما يعني أن النظام سيخرج بالقول: الدستور الجديد إن كان هو الحل، فيجب أن يضعه السوريون، على الأراضي السورية.

يقول عضو الهيئة العليا للمفاوضات أحمد العسراوي: إن “اللجنة الدستورية لها طبيعة عمل واحدة، هي تشكيل مجموعة تعمل على إعداد دستور جديد”، موضحًا في تصريحات لـ (جيرون): “قول البعض إن عمل اللجنة هو إجراء تعديل على دستور عام 2012؛ هو كلام غير صحيح”.

تابع: “في الحقيقة، الغاية هي وضع دستور جديد للبلاد يتناسب مع طرفي المسألة السورية”، مؤكدًا أن “ما يتم التصريح حوله من النظام وغيره بأن هذه اللجنة ستتم وفق قاعدة (سوتشي) هو عارٍ عن الصحة، لأنه في الأصل تم التوافق على (سوتشي)، وقلنا إننا ننظر بإيجابية، بعد رؤية مخرجات (سوتشي)، وبعد التصريح المتلفز للأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريس بأن الروس قد التزموا بما تم الاتفاق عليه بين الروس والأمم المتحدة”، وعقّب: “كل هذا يصب في أن اللجنة الدستورية و(سوتشي) تجري في خانة الأمم المتحدة، وبالتالي الحل السياسي يجب أن يعتمد على بيان جنيف والقرارين (2118) عام 2013 و (2254) عام 2015، وعلى قاعدة أن الحل السياسي هو بوتقة متكاملة”.

من جانب آخر، قالت عضو الهيئة العليا للمفاوضات أليس مفرج: إن الهيـئة أكدت على تجاوبها “بالمشاركة في اللجنة الدستورية”، وعدّت أن “هذا ليس اعترافًا بمخرجات سوتشي، لأننا لم نحضره، وإنما استمرار للعملية السياسية لأنها في صلب المفاوضات”.

أضافت مفرج، في تصريحات لـ (جيرون): “قدمنا تصورًا مسبقًا من خلال الإجابة عن النقاط الاثنتي عشرة، وجاءت في إحاطة دي ميستورا في مجلس الأمن الأخيرة عن المفاوضات السورية في (جنيف 8) الفاشلة، بوصفها بُعدًا من أبعاد هيئة الحكم الانتقالي التي تتكامل مع العملية الانتخابية ومكافحة الإرهاب على أرضية تهيئة البيئة الآمنة والمحايدة، بما يؤكد تنفيذ بيان جنيف والقرارات الدولية، وعدم اعتبارها مسارًا مستقلًا، بل جزءًا من العملية الدستورية والأساس القانوني للانتقال السياسي بدستور جديد”.

وأكدت أن اللجنة “تصب نتائجها في المسار التفاوضي في جنيف، باعتماد المبدأ الذي أقرّه بيان القواعد الإجرائية للمبعوث الخاص؛ أنه لا يتم الاتفاق على شيء حتى يتم الاتفاق على كل شيء، ووفق القرار 2254”.

أوضحت مفرج: “تعتبر الهيئة التفاوضية الممثل الرسمي للمعارضة، ومشاركتها اللجنة بخبرات سياسية وقانونية وحقوقية وتمثيل النساء بما لا يقل عن 30 بالمئة، ونرفض أن يتم التفويض لأي دولة كانت بأن تكون المفوض والضامن عن المعارضة السورية”، وعقّبت بالقول: “المبعوث الخاص (دي ميستورا) لم يحدد بعد مرجعية اللجنة وآليات اتخاذ قراراتها، حيث إنه (دي ميستورا) في اجتماعات ماراثونية مع الدول المعنية لاستكمال استراتيجية هذه اللجنة ومهمتها ومرجعيتها وأسمائها، والعدد الذي حدد بـ 45 لثلاثة أثلاث (معارضة ونظام ومستقلين محايدين ومجتمع مدني) وفي جنيف حصرًا”.

غير أن الكاتب السياسي لؤي الصافي يرى أن اللجنة الدستورية هي “مشروع روسي لتحقيق حالة سياسية تكرس النجاحات العسكرية التي حققها التحالف الروسي الإيراني الداعم لنظام الأسد”، موضحًا في حديث إلى (جيرون) أن الروس يسعون “إلى البناء على القرار الأممي رقم (2254) الذي أشار إلى دستور جديد ضمن عملية تفاوضية وصولًا إلى انتقال سياسي، لكن رؤيتهم للحل السياسي تختلف جذريًا عن الرؤية العامة التي قدمتها وثيقة جنيف التي شكلت القاعدة التي استند إليها القرار”.

أضاف: “قرار تشكيل اللجنة الدستورية دفع به الروس، ضمن مفاوضات (أستانا) ثم (سوتشي) الموازية لمفاوضات جنيف، بهدف الالتفاف على وثيقة جنيف والقرارات الأممية الخاصة بسورية”، مشيرًا إلى أن الروس يسعون “إلى جعل الدستور الذي ستفرزه اللجنة الدستورية أساسًا لحل سياسي يبقي على نظام الأسد، ويحوّل عملية التحول السياسي، التي هي أساس مسار جنيف التفاوضي، إلى عملية انتخابية تمنح الشرعية لنظام الأسد، وتفرز حكومة وحدة انتقالية تضم النظام والمعارضة”.

الصافي رأى أيضًا أن “الروس وضعوا، في منتصف العام المنصرم، مشروع دستور جديد وزع على المشاركين في مؤتمر أستانا دون أن تتم مناقشته، وهم يسعون اليوم إلى جعله أساس عمل اللجنة الدستورية. في حين يصر النظام على تحويل النقاش إلى الدستور الحالي، لأن الدستور الذي طرحه الروس يُضعف الحكومة المركزية، ويقوّي صلاحيات حكومات المحافظات أو الأقاليم ضمن نظام اتحادي”.

تابع: “رئاسة الهيئة التفاوضية -من جهتها- تُصر على توسيع دائرة النقاش لتتجاوز الصيغة الدستورية، وتشمل محددات جنيف من خلال المطالبة بتشكيل حكومة انتقالية”، عادًّا أن “قدرة الهيئة التفاوضية على التأثير في سير المفاوضات تراجعت كثيرًا، بسبب عمليات التوسعة المستمرة التي انتهت بتشكيل ما تسميه روسيا والمندوب الأممي باللجنة الدستورية، وهو في حقيقة الأمر مؤتمر دستوري، لكونه يتألف من 150 عضوًا”، معتقدًا أن هذا العدد من الأعضاء “سيكون دورهم التصويت على مشاريع جاهزة تقدم لهم، ولن يتمكنوا من تطوير دستور جديد”.

في الموضوع ذاته، يقول الكاتب السياسي فاروق حاج مصطفى: إن “طبيعة عمل اللجنة الدستورية المتوقعة ما زالت غامضة، حيث ثمة مسارات عدة بهذا الخصوص؛ لم تظهر بعد كيف ستكون اللجنة الدستورية المقبلة، فضلًا عن مآخذ عدة حول من يكتب الدستور وأين، في ظل الرغبة الجامحة للسوريين على كتابة دستورهم في بلدهم”.

أضاف مصطفى، خلال حديثه إلى (جيرون)، أن من “غير المعروف حتى الآن هل اللجنة المتوقعة تتأسس من روحية مؤتمر (سوتشي) أم من روحية وأداء العمل المبعوث الخاص.. الطاغي -حتى اللحظة- هو أن الدستور -ولجنته- سيكون متأثرًا من روحية (سوتشي)، حيث اللجنة تتوزع بناء على اللبنة الذي وضعها (السوتشيون)”.

يعتقد مصطفى أن من “الخطأ الاقترب نحو صياغة دستور، لأن بلادنا في حالة نزاع، وفي هذه الحالة يجب أن تُصاغ اللائحة الدستورية وليس الدستور، وذلك درءًا لاستقتطابات وهيمنات من قبل أطراف ذات قوى، بحكم الفوضى والتدخلات الإقليمية والدولية”.

معلومات حصلت عليها (جيرون)، من مصادر مقربة من مراكز صنع القرار في موسكو، تقول إن الأخيرة تحاول بجدية ودأب أن تُنجح خطواتها في الملف السوري، حتى وإن كان ذلك في موقع مغاير لتصورات النظام وتحركاته.

تشير المعلومات أيضًا إلى أن جانبًا من المعارضات (التي قيل إنها تابعة للنظام) باتت تنظر بعين واضحة نحو الدفع من أجل تغيير رأس النظام في سورية، مرجحة أن ملف اللجنة الدستورية “قد” يؤسس لهذه الخطوة، وإن كانت اللجنة ومهامها ما زالت في درج التخمينات.

 ثانيًا: الشأن الكردي

المعارضة تؤكد حق الأكراد في سورية.. ومسؤول كردي: نأمل أن يكون النظام جديًا في محادثاته

تلعب القوى الإقليمية والدولية من جهة، والقوى الداخلية من جهة أخرى، دورًا فاعلًا في تشابكات الملف الكردي السوري، فالمعارضة -وفق محللين- لم تستطع أن تستقطب القوى الكردية المسلحة إلى جانبها، بل قامت بوضع “القومية الكردية” في قفص الاتهام من خلال إعلامها، في حين أن النظام يتلاعب بالملف كيفما اتفقت تحركاته، تارة يهاجمهم وتارة يعلن عن خطوط تواصل وتفاهمات معهم. وعلاوة على ذلك الواقع، تلعب التغيرات السياسية في الإدارة الأميركية دورًا بارزًا في تأطير مستقبل الملف الكردي.

قال عضو الهيئة الرئاسية في “مجلس سورية الديمقراطية” حكمت حبيب: إن “قوات سورية الديمقراطية (التي تشكل وحدات حماية الشعب عمودها الفقري) مستعدةٌ لفتح باب حوار غير المشروط مع دمشق”، مضيفًا في تصريحات نقلتها وكالة (فرانس برس) قبل أيام، أن “قواتنا العسكرية والسياسية جادة لفتح باب الحوار. وعندما نقول إننا مستعدون للتفاوض، فلا توجد لدينا شروط”، وأضاف: “لا توجد سوى هاتين القوتين من أجل الجلوس على طاولة التفاوض وصياغة حل للأزمة السورية، وفق دستور يتساوى فيه الجميع بالحقوق والواجبات”.

الملفت للنظر أن تصريح القوات جاء بعد نحو أسبوعين من تصريحات “قاسية” أطلقها بشار الأسد، وقال فيها إن “قوات سورية الديمقراطية باتت المشكلة الوحيدة المتبقية”، مشيرًا إلى أن هناك خياران: “الأول أننا بدأنا الآن بفتح الأبواب أمام المفاوضات، إذا لم يحدث ذلك؛ فسنلجأ إلى تحرير تلك المناطق بالقوة.. بوجود الأميركيين أو بعدم وجودهم”.

يقول ألدار خليل، الرئيس المشارك لحركة المجتمع الديمقراطي، وأحد أكثر الشخصيات تأثيرا في السياسات الكردية في سورية: “لا توجد حتى الآن خطوات صوب مفاوضات طرحها الأسد الشهر الماضي”، وعدّ في تصريحات نقلتها وكالة (رويترز)، أمس الأربعاء، أن “أي اتفاق بين الجانبين يجب أن يكون نقطة انعطاف تاريخي”.

تابع: “لا نعلم مدى جديتهم ومدى تحضيرهم بهذا الأمر، ولكن نتمنى أن تكون التصريحات معبرة عن نيّات جدية لديهم… تهديد الأسد باستخدام القوة أمر مؤسف، ولا بد من تركيز جميع الجهود حول كيفية تطوير الخيار السلمي”، وأكد أن “المفاوضات يجب أن تستهدف الوصول إلى سورية ديمقراطية تسع لجميع المكونات… الشعب الكردي والمكونات الأخرى في إطار من الحكم غير المركزي”.

يقول أحمد العسراوي: “علينا أن نستوعب جميعًا أننا نستطيع التوافق مع الجميع على أن يكون هناك نظام مدني ديمقراطي، يشارك فيه كافة نسيج المجتمع السوري ومن ضمنهم الأكراد”، معقّبًا في تصريحات لـ (جيرون) أن هذا التوافق يجب أن يكون “على قاعدة سورية الموحدة أرضًا وشعبًا. نحن لا يمكن -بأي شكل من الأشكال- أن نتوافق مع الآخرين، على نظام حكم ذاتي أو إدارة ذاتية أو ما شابه ذلك، نحن نريد سورية الموحدة أرضًا وشعبًا دون المساس بطبيعة هذه الدولة”.

حول المفاوضات التي يمكن أن تجري بين (قوات سورية الديمقراطية/ قسد) والنظام، يرى العسرواي أن “هذا كان مشروعًا قديمًا، استطاع الأميركان بالتحالف مع (PYD) وما حولها أن يقفزوا بعيدًا.. الآن أعتقد أن الجميع تراجع عن القاعدة، وأعتقد أن ما يجري هو لعب على الحبال بعد أن اتضح لـ (PYD) أن الأميركان لن يعطوهم الشيء الذي يريدونه أو الذي كانوا قد وعدوههم به”.

من جهته، عدّ لؤي الصافي أن “الملف الكردي يشكل وضعًا خاصًا يضاف إلى تعقيدات التحول السياسي في سورية. فأكراد الشمال السوري الذين عانوا من التهميش خلال حكم البعث مهتمون بالمقام الأول بتحقيق صيغة سياسية تعطيهم دورًا أكبر في الحراك السياسي السوري، ويسعى البعض منهم إلى التأسيس لدولة قومية كردية”.

أضاف لـ (جيرون): “هم (الأكراد) أيضًا منقسمون، بين (حزب الاتحاد الديمقراطي) المدعوم عسكريًا من ميليشيات كردية متطرفة، والمجلس الوطني الكردي الذي انضم في عام 2013 إلى الائتلاف السوري المعارض”.

ويرى الصافي أن “(حزب الاتحاد الديمقراطي) الذي يشكل نواة (مجلس سورية الديمقراطي)، تعاونَ مع النظام في السنوات الأولى للثورة، ثم تحول إلى التعاون مع الأميركيين، بعد أن قدمت الولايات المتحدة دعمًا عسكريًا كبيرًا للميليشيات الكردية. وهو يعمل من جديد للعودة إلى حضن النظام، بعد خيبته من الموقف الأميركي الذي أعطى تركيا دورًا أكبر في الشمال الغربي السوري، بعد التفاهمات الأخيرة بين ممثلي الدولتين”.

تابع: “الملف الكردي لا يمكن أن يُحل ضمن المشروع القومي الكردي، أو من خلال المشروع القومي العروبي، بل يتطلب أي حلّ عادل لهذا الملف التمسك بدولة القانون والحريات التي تعطي لجميع السوريين، دون اعتبار لخلفياتهم القومية والدينية والطائفية، حقوق المواطنة التي تضمن مساواتهم أمام القانون”، معربًا عن أسفه من أنه “لا توجد اليوم مساعي دولية حقيقية للانتقال بسورية إلى دولة القانون، بسبب تماهي الإرادة الروسية وإرادة النظام بالاحتفاظ بدولة طائفية تحمل واجهة وطنية، كما كان الحال خلال العقود الخمسة الماضية”.

يقول فاروق حاج مصطفى: “للأسف، حتى الآن، كل ما يتعلق بالدستور يتم التباحث فيه بين المعارضة والنظام في ظل تغييب دور الأكراد في إبداء رأيهم بما يخص الدستور، وتأمين حقوقهم من خلال طرح صيغة مبادئ فوق دستورية، والتي يجب أن تكون جزءًا من الدستور، بخصوص انفتاح الدولة ومسألة العلمانية وحقوق الكرد والمرأة”.

وأشار إلى أن “لدى الكرد رؤى دستورية، ينبغي الأخذ بها واعتبارها مرجعية رؤيوية لصياغة أي دستور في بلادنا، عدا عن الجانب الشكلي، حيث إن المبعوث الأممي إلى سورية لم يحدد بعدُ أهناك أكراد في اللجنة الدستورية أم لا”.

ثالثًا: دور المعارضة السورية

تشرذم يعرقل تحركها وآمال بترتيب أوراقها

تقف المعارضة السورية اليوم على صفيح من نار، وفق ما قال مصدر معارض في الائتلاف لـ (جيرون)، خصوصًا أن تشرذم المعارضة إلى كيانات أدى إلى إضعاف دورها الحقيقي في الشأن السوري السياسي، في الوقت الذي قال فيه أحمد العسراوي: إن دور المعارضة في سورية ليس وليد الثورة فحسب، وإنما هو مشاريع قديمة دفعت بها الثورة السورية إلى الواجهة.

يقول المصدر المعارض: إن الائتلاف اليوم بات خاويًا من أي فعل، وما يبقيه في الواجهة هو ورقة الاعتراف الدولي التي حصل عليها حين تأسيسه، ويضيف أن المجلس الوطني الذي تأسس عام 2012 هو اليوم خلف الكواليس الحقيقية، الفاعل الوحيد في صفوف المعارضة اليوم هو الهيئة العليا للمفاوضات، وفي حال تم التقدم من خلالها في الملف السياسي؛ فستعود جهودها إلى خانة الائتلاف المعترف عليه دوليًا بأنه الممثل للشعب السوري، دون ذلك الدور للائتلاف، ستراه هو الآخر خلف الكواليس إلى جانب المجلس الوطني السوري المعارض.

حول دور المعارضة، تقول أليس مفرج: إنه “لطالما كانت المعارضة السياسية السورية خارج الترتيبات الميدانية الحاسمة، والعلاقة البينية مع الفصائل العسكرية كرّست واقعًا غير متجانس ونتائجه كارثية على المسار السياسي الذي يقوض العملية السياسية المعطلة في جنيف، وينزع الشرعية عنها من خلال خرقه بمسارات بديلة كـ (أستانا) و(سوتشي) تبعدنا عن تنفيذ مضمون القرارات الدولية”.

أضافت لـ (جيرون): “بكل أسف، خرجت المعارضة من دائرة صنع القرار والتأثير بتقرير المصير، من خلال افتقادها لآليات ضاغطة”، مستدركة بالقول إن “هذا لا يعني أن لا دور لها لأنها ستكون في صلب أي تسوية سياسية، إذا حددنا الهيئة التفاوضية كطرف رئيس يمثل الثابت والمتحول في الثورة”.

تابعت: “أعني أن المجتمع الدولي عجز عن القيام بدوره المنوط به وإدارة الاستعصاء، حتى وصلت الدول النافذة على الأرض عسكريًا لتعزيز مناطق النفوذ، بمقايضات لن توصلنا إلى حل سياسي عادل، بل إلى إجهاض مطالب الثورة السورية العادلة، وربطها زورًا بالعمل المسلح. وعليه، تعمل المعارضة سياسيًا لاستثمار تنافرات وتقاطعات الدول ومحاولة برمجة تفكيرها والتأثير فيه من خلال الالتزام الإيجابي بأجندة المفاوضات والمبادرات الدولية”.

نوهت مفرج إلى أن “هناك مسافة ما بين النقاش والاتفاق والعمل على تحديث ملفاتنا التفاوضية، بتوافقات سياسية عربية وكردية لخصوصية القضية الكردية، رغم يقيننا أن نظام الأسد لن يتجاوب على اعتبار أن عرابه الروسي يديرها عسكريًا في (أستانا)، وسياسيًا في (سوتشي). رفضنا حضور (سوتشي) واعتبرناه انتحارًا سياسيًا لجنيف، وأسرها بما يسمى اللجنة الدستورية، وحصرها بما يسمى الدول الضامنة في أستانا، مقابل محور الدول مجموعة الخمس ذات التفكير المتشابه”.

عدّت مفرج أن “سلتي الدستور والانتخابات هما تحد مفصلي، حيث تحتاج العمليتان إلى بيئة آمنة ومحايدة تمهد لانتقال سياسي، وإلا؛ فستساهم المعارضة في أن تكون شاهد زور لتعويم النظام، وهذا يتوقف على موقف جذري موحد وواحد من المعارضة السورية”، موضحة أن “المماطلة بإنهاء الكارثة السورية جعلت من المعارضة هدفًا دوليًا لتبرير عجزهم الملعون، بالتذرع المستمر بأن المعارضة غير موحدة؛ ما استدعى عقد مؤتمر (الرياض 2) لتنفيذ القرار (2254)”.

ترى مفرج أيضًا أن “الاختراقات وُجدت، والمسارات البديلة ما زالت تزيد التعقيد… لكن لا ضير في مشاركة جميع السوريين المعارضين على أساس الاتفاق السياسي بينهم على أساس بيان (جنيف 1) والقرارات الدولية ذات الصلة، لتنظيم وترتيب عملية سياسية حقيقية باستقلالية القرار السوري -وهذا المرجو احترامًا لشهدائنا ومعتقلينا- تُفضي إلى انتقال سياسي وصولًا إلى دولة القانون، وعدم التنازل عن العدالة الانتقالية لجميع الأطراف لتحقيق سلام مستدام”.

من جانبه، عدّ لؤي الصافي أن “انقسام المعارضة وتشرذمها واعتمادها على تحركات (أصدقاء سورية) أدى إلى فقدانها المبادرة الوطنية، ومكّن القوى الدولية والدول الإقليمية من الحكم بمفاصل الحراك السياسي”، مضيفًا لـ (جيرون) أن “كثيرًا من المعارضين تحولوا اليوم إلى نُقاد ومحللين سياسيين يتحركون على هامش الأحداث، طبعًا جزء كبير من مسؤولية وصول المعارضة إلى هذه الحال، يعود إلى الصراع البيني والاختلاف الذي طبع العلاقات بين حلفاء المعارضة، وغياب الدعم السياسي والعسكري الكافي”، وقال أيضًا: إن “سياسات الولايات المتحدة في المنطقة، ورفضها السماح بدعم حقيقي وكامل لقوى المعارضة من قبل حلفائها الإقليميين يمكّنهم من تغيير النظام، كانت حاسمة في إضعاف المعارضة، كذلك أدى تغاضيها الطويل عن تدخل (حزب الله) والميليشيات الشيعية إلى جانب النظام، إلى تراجع المعارضة العسكري بدءا من منتصف عام 2016).

بخصوص الخيارات المتاحة أمام المعارضة اليوم، يعتقد الصافي أن “خيارات المعارضة صعبة حاليًا، وتحتاج إلى استيعاب التطورات المتسارعة التي قادتها روسيا -بمباركة دولية غير معلنة- خلال السنتين الأخيرتين، وإعادة ترتيب صفوفها من جهة، وهي تحتاج في الوقت نفسه إلى تحرك سريع لمنع إعادة توليد النظام وإضفاء الشرعية على جرائمه بحق مئات الآلاف من السوريين”.

تابع: “إعادة ترتيب صفوف المعارضة وإعادة النظر في طرائق تنظيمها وعملها ستستغرق وقتًا، وهو لذلك يتطلب سياقًا آخر للنقاش. ما يجب عمله على المدى القصير يجب أن يمضي وفق مسارين: الأول الاستمرار بالتحرك على المسار التفاوضي للدفع ما أمكن نحو تغيرات حقيقية في المشهد السياسي السوري من خلال العملية التفاوضية، وبالدفع كذلك باتجاه دولة اتحادية تحول دون عودة المركزية السياسية التي منحت النظام القدرة على التحكم الكامل بمفاصل الدولة والمجتمع، وقلصت دائرة الحياة العامة إلى المستوى الخانق الذي أشعل الثورة عام 2011. الدفع باتجاه نظام اتحادي سيخلف أجواء تعاون عربي كردي داخل البلاد، وسيربك النظام، لأنه سيلقى دعمًا روسيًا وغربيًا في آن واحد. هناك أوهام لدى كثير من المعارضين بأن النظام الاتحادي يضعف الوحدة السورية، ومخاوف من أن يؤدي النظام الاتحادي إلى تقوية النزعات الانفصالية. طبعًا هذه المخاوف تقوم على موقف عقدي نظري ولا تدرك أن المصالح الحيوية لمكونات النظام الاتحادي ستدفعه إلى تعاون حقيقي، ويسمح بتطور أسرع عبر التنافس”.

أشار الصافي إلى أن المسار الثاني الذي ينبغي على المعارضة التوجه نحوه “يرتبط بمتابعة الملف القانوني المتعلق بجرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية في المحافل الدولية. حتى إن لم تتمكن المعارضة من النجاح في محاكمة المتورطين من النظام وغيرهم، فإن الملف القانوني يمكن أن يكون رديفًا للعمل السياسي لممارسة ضغوط على النظام ورموزه لمنعهم من المضي في السياسات العدوانية ضد المواطنين”.

ويقول، فاروق حاج مصطفى: إن المعارضة السياسية “في الحقيقة غائبة، ولا نعرف بالضبط من هي هذه المعارضة؛ أهي الائتلاف أم الهيئة العليا للمفاوضات أم المنصات، وهل الأكراد جزء منها وماذا تشكل في مشهد النزاع السوري؟ أم أنها فقط أدوات لدى القوى الإقليمية والدولية من خلال المساحة العسكرية؟”.

رابعًا: الصراع الروسي-الأميركي

صراع القَرنين يؤجج الغبار أمام الانفراجة السورية

يربط كثير من المحللين والسياسيين الانفراجة في سورية بالتوافقات التي يمكن أن تحصل بين الولايات المتحدة الأميركية وروسيا، باعتبارهما أبرز القوى المتصارعة -بالوكالة- على التراب السوري، كما يعتبر آخرون أن هذا الصراع قد يكون بوابة للسوريين، من أجل ضمان مصالحهم ودفع العجلة نحو تحقيق حل سوري يضمن “بعض” أهداف الثورة السورية.

يرى لؤي الصافي أن “الصراع الروسي-الأميركي صراع حقيقي، يعود إلى تضارب المصالح على جملة واسعة من القضايا الدولية، رغم تفاهم قادة الدولتين على إفشال الثورة السورية لأسباب مختلفة”.

أوضح الصافي أن “الصراع بين الدولتين يشمل موقفهما من إيران، ولكن الخلاف هنا ينضوي أيضًا على توافقات؛ فالحلف الروسي-الإيراني حلف استراتيجي في مواجهة السياسات الأميركية في المشرق، ولكن الروس يشاركون الأميركان في ضرورة منع إيران من تأسيس قواعد عسكرية دائمة، ومنع مشروعها الشيعي من التوسع في سورية”، معقبًا أن “هذا المشهد المتناقض والمتداخل يشكل مجالًا للتحرك، من أجل تحقيق مكاسب وطنية وتوظيفه في إضعاف نظام الاستبداد في سورية، ومنح المعارضة مساحة أوسع للتحرك بانتظار ظروف دولية أفضل”.

أضاف: “التحرك في داخل الجغرافية السياسية المتضاربة هذه ليست مسألة سهلة، بل تحتاج إلى قدرات تنظيمية وتخطيطية تفتقدها المعارضة اليوم، ولا بد من امتلاكها وتطويرها لتحقيق هدف الحرية السياسية وإنهاء حالة الاستبداد والفساد المتجذر في البلاد”.

يعتقد الصافي أن “استمرار النظام يعود إلى جملة من الظروف الدولية والإقليمية المؤقتة، وإن الأيام القادمة ستقدم جملة من الظروف المختلفة التي ستعزز مواقع المعارضة وتضعف قدرة النظام على الاستمرار”.

من جهته، يرى أحمد العسراوي أن “التنافسات الدولية، والصراعات الدولية، سيكون لها دور في الملف السوري، شئنا أم أبينا، لكن هذا يجب أن يكون واضحًا لدينا، بأن كافة العلاقات الدولية مبنية على المصالح وليس القيم الأخلاقية”.

قال أيضًا: “الصراع الروسي الأميركي ليس على سورية فقط، وإنما على كثير من مواقع الصراع في العالم، يجب علينا أن نستوعب أن هناك قضية أساسية، وهي أن موقع سورية الجغرافي -المجاور لفلسطين العربية- والمجاور لما يسمى بـ (الكيان الصهيوني) هو أحد الأسباب التي تدفع بالصراع الدولي حول سورية”.

أما فاروق حاج مصطفى، فرأى أن “الصراع بين القطبين الدوليين (الولايات المتحدة وروسيا) ليس أحد معوقات الحل السياسي في سورية، بل على العكس ربما يساهم في تطبيع الأوضاع بسبب حاجة مصالح الطرفين إلى ذلك”.

ارتباط الحلول بتوافق واشنطن وموسكو ليس رؤية معارضة فحسب، بل إن رأس النظام في سورية، بشار الأسد، ربط -هو الآخر- عقدة الجنوب السوري بالتفاهمات الكبرى، حيث قال في مقابلة مع قناة (العالم) الإيرانية، أمس الأربعاء، إن ملف الجنوب السوري لم يُحسم بعد، و”ما زال التواصل مستمرًا ما بين الروس وبين الأميركيين وبين الإسرائيليين”، بحسب وكالة (سانا) التابعة للنظام.

مقالات ذات صلة

إغلاق