ترجمات

هل تستطيع تركيا التغلب على نزعتها الحزبية المريرة؟

الصورة: الرئيس التركي، رجب طيب أردوغان، يواجه انتخابات صعبة في 24 حزيران/ يونيو، حيث تظهر الأحزاب المعارضة وحدةً مدهشة. أردم شاهين/ وكالة الأنباء الأوروبية، عبر شترستوك

في 24 حزيران/ يونيو، ستصوّت تركيا لانتخاب رئيس يتمتع بسلطات موسعة، حيث ستستبدل رجلًا قويا في البلاد بدلًا من الديمقراطية البرلمانية. صممّ الرئيس رجب طيب أردوغان المنصب لنفسه، معتمدًا على ولاء ما يقرب من 50 في المئة من الناخبين الذين وقفوا معه في الانتخابات السابقة.

لقد ابتكرت المعارضة المتعثرة عادة استراتيجية موحدة لوقف قوته الساحقة. حزب العدالة والتنمية الحاكم، والمعروف باسم (أ ك ب)، يستخدم وسائل الإعلام لاستهداف أعداء جدد، واختيار أكباش فداء لإخفاقاته.

ما هي الفرص لوحدةٍ سياسية واجتماعية في بلدٍ ممزق بشكل سيئ؟ منذ محاولة الانقلاب الفاشلة في تموز/ يوليو 2016، احتجزت الحكومة، أو اعتقلت أو فصلت ما يزيد عن 100,000 شخص من وظائفهم. وعادة ما يكون هذا بسبب اتهام محدد بشكل غامض بـ “الإرهاب”، ويمكن أن يرتكز على أضعف الأدلة أو اتهام مجهول من أحد الجيران أو زملاء العمل أو حتى أفراد العائلة.

إن حزب العدالة والتنمية، وكثير من الأتراك، يُحمّلون مسؤولية محاولة الانقلاب لحركة “حزمت”، وهي حركة إسلامية متحفظة واسعة الانتشار تتبع لرجل الدين فتح الله غولن، الذي كان يدير إمبراطورية تعليمية وإعلامية وتجارية. تولى الخريجون من مدارسهم مناصب في مؤسسات الدولة، وتعاونوا سنوات عديدة مع حزب العدالة والتنمية.

افترقوا (العدالة والتنمية وحركة غولن) عام 2013، بعد أن وجهت النيابة التي يعتقد أن أعضاءها هم من شبكة غولن اتهامات بالفساد إلى الدائرة الداخلية للسيد أردوغان. السيد أردوغان بدوره، اتهم الجماعة بإقامة دولة موازية داخل تركيا تهدد نظامه، حيث صنَّف في أيار/ مايو 2016، رسميًا الجماعة كمنظمة إرهابية: منظمة فتح الله الإرهابية.

أصبحت “منظمة فتح الله الإرهابية” تهمةً شاملة في وسائل الإعلام، والمحاكم والخطاب العام، وفي بعض الأحيان، طُبقت بشكل غير معقول على الملحدين المعروفين واليساريين وغيرهم من المعارضين. يمكن أن يُتهم أي شخص بالخيانة.

تكمن جذور هذه المشاكل في مشروع بناء الأمة التركية. منذ تأسيسها في عام 1923، لم تتمكن تركيا من تطوير هوية وطنية موحدة تمثّل جميع مواطنيها، حيث شهدت البلاد انقلابات أو غيرها من الأزمات السياسية الشديدة كل 10 سنوات بالمتوسط، بالتوازي مع فترات طويلة من الحكم الاستثنائي. حالة الطوارئ التي أُعلنت بعد محاولة الانقلاب في عام 2016 لا تزال ساريةً حتى الآن.

في أوقاتٍ مختلفة، انقسمت تركيا على أسسٍ دينية وأيديولوجية وعرقية، كما شهدت مزيدًا من الانقسامات داخل تلك التشكيلات الدينية والأيديولوجية والعرقية أيضًا. وغالبًا ما تتميز العلاقات بين تلك الجماعات بالكراهية العميقة والشيطنة.

عندما كنت طالبةً في أنقرة في السبعينيات من القرن الماضي، راح ضحية قتالٍ عنيف في الشوارع، بين اليساريين واليمينيين، أكثر من 5,000 شخص. تعدُّ تركيا اليوم مكانًا مختلفًا عن المجتمع المنعزل والمغلق في السبعينيات، ومع ذلك فهي لا تزال تعاني من الاستقطاب الشديد.

لماذا هناك الكثير من الفئوية/ التحزب العدوانية؟ تحمي مؤسسات تركيا في المقام الأول مصالح الدولة، وليس مصالح المواطن، لذلك يسعى الناس إلى الحماية وتوفير احتياجاتهم اليومية من خلال عائلاتهم ومجتمعاتهم المحلية، أو الجمعيات، أو الأخويات الدينية، أو الأحزاب السياسية أو غيرها من المجموعات التي تستوعبهم في شبكاتها. توفّر الجماعات أيضًا هويةً اجتماعية غالبًا ما تقوم على التنافس مع الجماعات الأخرى، مما تنتج أو تُولّد أرضية غير مستقرة تولّد بدورها الفئوية أو الحزبوية.

تميل الحياة السياسية التركية إلى أن تكون هشّةً، لأن الذي يجمع الأحزاب معًا ليس الولاء للحزب، أو للحكومة، أو للدولة، أو لأيديولوجية مشتركة، وإنما يلتزم أتباعها بولائهم وطاعتهم لزعيم واحد، وبالتالي يصبح الخلاف مع القائد خيانةً شخصية، تتطلب من الخائن مغادرة الجماعة، وأخذ شبكاته معه، وغالبًا ما يُعاد تشكيلها حول قادةٍ جُدد في عمليةٍ مستمرة من التمزق إلى جماعات معادية لبعضها.

في عام 2001، انفصل أتباع نجم الدين أربكان، السياسي المخضرم ليشكلّوا حزبًا جديدًا بقيادة السيد أردوغان، الذي كان قد صنع اسمًا لنفسه كرئيس بلدية إسطنبول. مؤخرًا، انفصلت ميرال أكشنر، وهي شخصيةٌ سياسية كاريزمية عن حزب الحركة القومية المتطرفة، لتشكل مع شبكتها حزبها.

حزب الحركة القومية متحالف مع حزب العدالة والتنمية في الانتخابات المقبلة. الحزب الجديد، الذي أسسته السيدة أكشنر، واسمه حزب الجيد، ينافس في الانتخابات الرئاسية ضد أردوغان.

الانتخابات التركية المقبلة هي معركة بين أردوغان ومعارضة موحدة على نحو غير متوقع -أحزاب علمانية وإسلامية وقومية وكردية- أقسمت على القتال معًا، رغم عداوتهم السابقة. وقد رشح كلُّ حزب معارض مرشحًا رئاسيًا للجولة الأولى من التصويت في 24 حزيران/ يونيو، وإذا لم يفز أحد بالأغلبية؛ فسيتواجه المرشحان الرئيسان في 8 تموز/ يوليو.

تعهدّت أحزاب المعارضة بإصدار تعليمات لأتباعها بدعم أي مرشح يواجه أردوغان، بحالة عدم فوزه في الجولة الأولى. مع انتخاب نوع جديد من الرئيس، فإن الناخبين أيضًا سينتخبون أعضاء البرلمان التركي. المعارضة تُخطط للجمع بين أصواتها لإفشال رئاسة السيد أردوغان التنفيذية.

إن عقلية المعارضة مركزةٌ بشكل غير عادي، لأن الآثار المترتبة على الديمقراطية التركية هائلة. يتوقع الكثيرون أن يفوز السيد أردوغان برئاسته، لكن المعارضة ستحصل على أغلبية في البرلمان. إلى متى يمكن للمعارضة الموحدة البقاء على قيد الحياة، في ظل هذه الظروف الجديدة وغير المجرّبة؟

تغطي معظم وسائل الإعلام التركية حملة السيد أردوغان، وحزبه، بينما تردُّ المعارضة، من خلال استخدام مُبتكر للإنترنت ووسائل التواصل الاجتماعي. استخدم حزب الجيد تطبيقات من غوغل لإرسال رسائل سياسية ردًا على استفسارات من غوغل. إذا بحثت عبر (غوغل) عن مصطلح “الحرية”؛ فسيظهر لك إعلان يقول: “لم يتم العثور على نتيجة في البحث، حاول مرة أخرى في 25 حزيران/ يونيو”.

محرم إينجه، مرشح أكبر حزب معارض في تركيا للرئاسة، وهو حزب الشعب الجمهوري، أعاد تنشيط مؤيديه. وقد رحب السيد إينجه، وهو مدرس فيزياء سابق ونائب برلماني، بالحشود من خلال خطبه، وحس الفكاهة والكاريزما التي يتمتع بها.

صلاح الدين دميرتاش، من حزب الشعوب الديمقراطي المؤيد للأكراد، يدير حملته كمرشح رئاسي من السجن. وهو في السجن منذ أكثر من عام بتهم غامضة “دعم الإرهاب”. عقد أول اجتماع له عبر الهاتف، وأرسل ملاحظات مكتوبة بخط اليد كردٍّ على أسئلة طُرحت عليه عبر (تويتر). كما انضم حزب السعادة، وهو حزب إسلامي صغير، إلى المعارضة الموحدة.

نصف سكان تركيا تحت سن الثلاثين، وسنُّ التصويت هو 18. في عام 2013، خلال احتجاجات حديقة غيزي، تظاهر طيفٌ واسع من الشباب، علمانيين ومتدينين، سلميًا ضد الحكومة. إنهم جيل القرن الحادي والعشرين يواجهون مستبدين من القرن العشرين. قد يتحول الشباب ليكونوا قوة توحيد أخرى.

لقد أظهر موسم الانتخابات الأحزاب السياسية التركية وأتباعها وسائل أو طرق حاسمة لا رجعة فيها. فالأحزاب التقليدية رمت جانبًا خلافاتها لتوحّد صفوفها ضد عدو مشترك، في مسارٍ شكلّه بالفعل شباب تركيا. السؤال هو هل ستنجح هذه الوحدة في الانتخابات وتحقيق الاستقرار أم أن البيئة السياسية الجديدة، التي تزيد من قوة زعيم واحد، ستعيد ببساطة تعريف العدو.

اسم المقالة الأصلي Can Turkey Overcome Its Bitter Factionalism?
الكاتب* جيني وايت، Jenny White
مكان النشر وتاريخه نيو يورك تايمز، The New York Times، 12/6
رابط المقالة https://www.nytimes.com/2018/06/12/opinion/turkey-election-erdogan-opposition.html?rref=collection%2Fsectioncollection%2Fopinion
عدد الكلمات 1028
ترجمة وحدة الترجمة والتعريب في مركز حرمون
  • جيني أستاذة الأنثروبولوجيا الاجتماعية في جامعة ستوكهولم، للدراسات التركية، ألّفت مؤخرًا كتاب: القومية الإسلامية والأتراك الجدد.

مقالات ذات صلة

إغلاق