مقالات الرأي

إيران تنتظر “المهدي” لينقذها

“انسحاب إيران مقابل بقاء الأسد” هو آخر خيار من خيارات الموت، تمّ وضعه أمام الشعب السوري، بعد خيارات: “الأسد أو نحرق البلد”، ثم “الأسد أو الإرهاب”، وثالثًا “الأسد أو التقسيم”.

إيران التي دخلت وتدخّلت في الشأن السوري، على مرأى ومسمع العالم كله، بشكل مُعلن، أصبحت اليوم العقبةَ في طريق الحل السياسي في سورية، ليس أمام الشعب السوري الثائر فحسب، وإنما في وجه حليفتها روسيا التي تسعى اليوم للخروج من المستنقع السوري، قبل أن تبدأ مرحلة الخسارة على الطريقة الأفغانية؛ فمصلحة روسيا واضحة وتتمثل بوجود قاعدتها العسكرية، إضافةً إلى بعض المصالح الاقتصادية، لا سيّما في النفط والغاز والتحكم في خطوط نقل الطاقة، أما المصالح الإيرانية، فتتمثل بالوجود الدائم في سورية، والاستيلاء على تاريخها واقتصادها ومستقبلها والقرار السيادي فيها، كما هو حال العراق اليوم، وهذا ما ترفضه موسكو أولًا، قبل “إسرائيل” والغرب، لأن موسكو تعي تمامًا أن سورية لن تستقر بوجود العنصر الإيراني على ترابها.

أما “إسرائيل”، فلم تكن بداية الأمر تُعارض الوجود المشروط لإيران في سورية، من حيث أماكن الانتشار ونوع السلاح الذي يمكن أن يكون بيد إيران، بحيث يكون كافيًا لقتل الشعب السوري، وغير قادر على الوصول إلى هضبة الجولان المحتل، لكن الموقف الإسرائيلي تطوّر، بعد الانسحاب الأميركي من الاتفاق النووي، حيث لم تعد “إسرائيل” تقبل بأي شكل من أشكال الوجود الإيراني، في أي بقعة من سورية، وهذا الموقف منسجم مع الموقف الأميركي، ولا يُزعج الحليف الروسي الذي لم يُبدِ أي اعتراض على القصف الإسرائيلي على نقاط التمركز الإيراني في سورية، بل لربما ساعد الإسرائيليين في هذه المهمة، من خلال تبادل المعلومات بين روسيا و”إسرائيل”.

الحديث عن الوجود الإيراني في سورية يتضمن بطبيعة الحال ميليشيا “حزب الله”، وكافة الميليشيات العراقية والأفغانية والباكستانية، كونها جميعًا تتبع الحرس الثوري الإيراني، وتعمل تحت إمرة قاسم سليماني، وتسليحها وتمويلها من إيران، كما صرح حسن نصر الله غير مرة، في أكثر من مناسبة.

تُشير الوقائع على الأرض إلى انسحابٍ وهميٍ لبعض هذه الميليشيات الإيرانية من الجنوب السوري، لتعود مع القوات التابعة لبقايا جيش النظام، بعد أن غيّروا لباسهم العسكري ولبسوا لباس الجيش السوري، وتمّ منحهم الهوية السورية، ورفعوا راية سورية بدلًا من علمهم الأصفر. وهذا يعني أن إيران تحاول المستحيل كي تبقى في سورية، ولذلك ستقوم بكل ما تستطيع من أجل تحقيق هدفها، ولربما ستلجأ قريبًا إلى استهداف قوات جيش النظام والقوات الروسية، كي تقول إنه ما زال هناك إرهاب، وإن وجودها ضروري من أجل استتباب الأمن في سورية.

أميركا و”إسرائيل” والغرب جعلوا من سورية مستنقعًا، يستنزف إيران على حساب الدم السوري، وكي تصل سورية إلى ما وصلت إليه من دمار واسع، وبالفعل تمت عملية الاستنزاف، ماديًا وبشريًا، ولَم تعد الأطراف الدولية بحاجة إلى الدور الإيراني، بعد أن ساهمت إيران في تدمير البنية التحتية، وتهجير الملايين من سورية، دون أن يرف جفن للعالم المتحضر.

تحت الضغط الاقتصادي المتصاعد، لن تجد إيران في نهاية المطاف أمامها إلا الانسحاب من سورية؛ فوضعها الاقتصادي المتهالك لم يعد يسمح لها بإنفاق مئات الملايين من الدولارات على ميليشياتها الممتدة من أفغانستان إلى الضاحية الجنوبية، فالعملة الإيرانية خسرت أكثر من ثلثها، منذ الإعلان الأميركي عن الانسحاب من الاتفاق النووي، إضافة إلى خسائرها المتسارعة في اليمن، حيث يشهد حليفها الحوثي انهيارات واسعة في قواته.

إن انسحاب إيران من الأراضي السورية سيعني حتمًا سقوطًا مدوّيًا لحكم الملالي في طهران، حيث من المستحيل استعادة مبلغ ثلاثين مليار دولار، استثمرها في الحرب على الشعب السوري، وسيكون هذا الانسحاب سببًا إضافيًا للشعب في إيران كي يثور في وجه الملالي الذين جعلوا الشعب الإيراني يعيش على الكفاف سنوات، مقابل الرهان على نجاح مشروعهم الإقليمي، الذي بدأ يتهاوى في اليمن وسورية والعراق، لذلك ستسعى إيران -بكل ما تستطيع من قوة- للبقاء في سورية، وتحسين شروط التفاوض مع الغرب وأميركا و”إسرائيل”، إن استطاعت ذلك، ولكن جميع محاولاتها لن تنجح، ويعتقد الملالي أن “المهدي المنتظر” سيظهر في اللحظة المناسبة، لينقذهم وينقذ بلدهم، ويبدو أن انتظارهم له في طهران سيطول.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

إغلاق