بين الدعاية والحقيقة

تتزامن الحروب باستخدام الحملات الدعائية وبث الإشاعات التي تصب كلها في إطار الحرب النفسية. فإذا كانت الحروب العسكرية استمرارًا للحروب الاقتصادية والسياسية؛ فإن الحروب النفسية والإعلامية تكملها. ونتذكر جيدًا كلمات وزير الإعلام النازي غوبلز الذي كان يقول “اكذبوا اكذبوا اكذبوا، فلا بد أن يصدقكم الناس”.

منذ أن بدأت الثورة السورية، نحن نتعايش مع هذه الحرب الإعلامية والنفسية، وبث الإشاعات المختلفة التي نتمنى حدوث بعضها ونتعوذ من بعضها الآخر. ومن المؤسف أن بعض الأخبار التي تحدثت عن أحداث مثل تفجير خلية الأزمة الأمنية التابعة للنظام في عام 2012، لم يعلن النظام مسؤوليته عنها حتى اليوم، لكن مصادر تابعة للجيش الحر ادّعت كذبًا أنها وراء تفجير تلك الخلية. كل ذلك يجري في أجواء من تخبط إعلامي وتزوير للحقائق وتشويه لها، بغرض تحقيق أهداف معينة للنظام، وخلق بلبلة وفوضى في صفوف الناشطين والمقاومين للنظام.

هناك عشرات الأحداث من تفجيرات واغتيالات، أعلنت (داعش) مسؤوليتها عنها ليس في سورية وحسب بل في مختلف أصقاع الأرض، ولا علاقة لـ “داعش” فعليًا بها، ولكنها تعلن مسؤوليتها عنها، وهي بذلك تغطي على جرائم دول وقوى وحكومات وأجهزة مخابرات. وهنا يتساءل المرء: ما هي هذه القوة الخارقة والعابرة للقارات المتمثلة في (داعش) التي تفجر وتقتل في أي مكان، إذا ما كانت هناك حاجة إلى موقف سياسي معين. واذكر جيدًا كيف أن تفجيرات باريس الشهيرة (تشرين الثاني/ نوفمبر 2015) حدثت عشية لقاء فيينا مع روسيا، فألقى الحدث ظلاله على اللقاء، وهرع الرئيس الفرنسي هولاند ليطلب المساعدة من الرئيسين بوتين وأوباما ضد الإرهاب، وحينها أعلن هولاند أن لا بد من التعاون مع روسيا.

هناك قصص تتعلق باللاجئين السوريين في ألمانيا، مثل قصة الفتاة الروسية الصغيرة ليزا التي ادعى أهلها بأن شبانًا سوريين اختطفوها واغتصبوها لعدة أيام، وقام صحفي روسي، يفتقر إلى أدنى حدود الأخلاق، بتحقيقات وتقارير تُبيّن كم هم مجرمون هؤلاء اللاجئون، وتحدث عن سلوكهم السيئ وكيف يستغلون المجتمع الألماني، وأنهم لم يهربوا من الحرب بقدر ما يريدون تحسين ظروفهم الاقتصادية، وكل ذلك كان بهدف الضغط على ألمانيا، من خلال الربط بين الهجرة المكلفة لألمانيا وضرورة تأييد روسيا في سورية وتقبل النظام الأسدي. وهدفت الحملة المغرضة إلى إظهار أن كل من هرب من النظام هو سيئ وغير أخلاقي ويكذب، ويعتدي على الآخرين ووسخ. هكذا كتبت وسائل الإعلام الروسية وتحدثت قنواتها التلفزيونية. إنهم يحاربون عسكريًا في سورية وإعلاميًا في أوروبا.

النظام، منذ انطلاقة الثورة، اتبع خطة إعلامية ونفسية ودعائية منظمة وخبيثة. ويجب أن نعترف بنجاحها، لأن جعبته مليئة بالأساليب القذرة في التلاعب بمشاعر الناس، واختبار تفكيرها الحقيقي لكي تتخذ لاحقًا الإجراءات التي تريدها.

لقد جرى التخلص من ضباط وشخصيات عسكرية وأمنية سورية، ولا نعرف حتى الآن من الذي قتلهم بالضبط. أغلب الظن أن النظام تخلص منهم لأسباب تتعلق بالصراع على السلطة، أو أن جهات معينة قتلتهم لخلق حالة سياسية معينة. فمثلًا هناك جنرالات إيرانيون قُتلوا في حلب، يقال إن الروس قتلوهم، ولكن فصائل في الجيش الحر قالت إنه هو من قتلهم. والله أعلم.

كم من التنظيمات والفصائل في المعارضة والثورة تمّ اختراقها من قبل شخصيات تعود للنظام ولإيران ولروسيا ودول أخرى، وبثوا إشاعات لخلق بلبلة وفوضى أو لتهيئة الناس لحدثٍ ما. ونحن دائمًا -المعارضة- كنا نتصرف بسذاجة ونفرح لشيء لم يحدث أو حدث، ولكن غيرنا فعله لحساباته الخاصة. وأغلب من ساهم في نشر الفكر الديني المتطرف وتشريع القتل يعودون إلى جهات مرتبطة بإيران والنظام وغيرهم.

كل ذلك يعود لغياب قيادة ثورية تقود العمل الثوري والسياسي والإعلامي، وتتخذ الرد الصحيح على أي حدث أو إشاعة تظهر، وتقرأ ما وراء السطور، لا أن نقوم كل مرة بإضاعة الوقت في ترديد إشاعات صدرت عن مراكز مجهولة قد تكون معادية للثورة. وهذا ما يحدث في أغلب الحالات.

فيما يخص الإشاعات الأخيرة التي أحيت في نفوسنا الأمل بقرب انتهاء نظام الأسد، وقد يكون ليس بعيدًا، حول إجراءات قامت بها روسيا للسيطرة على مقاليد الحكم في سورية، فأقلّ ما يقال عنها إنها ساذجة، علمًا أن الشرطة العسكرية الروسية بالفعل تحتل مواقع كانت بيد ميليشيات “حزب الله” وإيران في دمشق ومناطق أخرى.

حتى لو كانت تلك الإجراءات المزعومة بالتنسيق مع أميركا، فإن إيران لن تسكت على هيمنة روسيا الكاملة على السلطة، فبإمكانها إثارة الشغب وخلق الفتن وإشعال صراعات مسلحة تعرقل حسابات الروس. ولكن من جهة أخرى ماذا لو كان ذلك صفقة بين الروس والإيرانيين والأميركيين بمباركة إسرائيلية، للتمهيد لإجراء ترتيبات في الحكم لفتح مرحلة جديدة ترضي القوى الإقليمية والدولية الفاعلة على الأرض السورية. ويبدو أن السوريين آخر من يُسْأَلوا عن رأيهم في ما يحدث.

لكن هل يمكن لنا أن نضيع أسابيع وأشهرًا، في تتبع إشاعات وأخبار ملفقة يراد منها اختبار نبض الشارع بقواه المختلفة، حول التغييرات العسكرية والسياسية المحتملة. ومن هو المؤهل أكثر من غيره لقيادة هذه التغيرات غير الجانب الروسي، نظرًا إلى هيمنته عسكريًا وتحكّمه في رأس العصابة.

علينا أن نفكر بما علينا فعله أمام التحديات المصيرية التي يراد من خلالها تقرير مستقبل بلادنا، ونحن نتخبط وتجرنا الأمواج يمينًا وشمالًا. فالأحداث والمواقف لها وجه ظاهر ولها حقيقة كامنة، لا يعرفها إلا من يقرأ الأحداث جيدًا ويفهم لمصلحة من هذا الحدث أو ذاك، ومن هي القوى الفعلية المؤهلة لذلك. وهناك استراتيجيات ومصالح كبرى للدول يجب فهمها، فلا يمكن للدول أن تُغيّر مواقفها بين ليلة وضحاها.

الحقيقة السياسية اليوم هي أن روسيا تريد الانتهاء من العمليات العسكرية، وتهدئة الأوضاع والاستقرار، لكي تبدأ مرحلة إعادة إعمار البلاد، لكي تأتـي شركاتها وتجني الأرباح التي كانت أحد أسباب تورطها في سورية. وللأسف فهي حتى اليوم لا تقوم باتخاذ خطوات تخدم مصلحتها الحقيقية لتشمل مصالحها المستقبلية، وأول هذه الخطوات هو حسم وضع عصابة الإجرام الأسدية وتحقيق مطالب الشعب السوري، عندئذ فقط سيكون هناك استقرار يناسب روسيا أيضًا، ولكنه لا يناسب إيران.

من أجل ذلك، وضمن حملة ترامب ضد إيران، التي نصدقها بتحفظ، فإن روسيا بالفعل تريد تقليص الدور الإيراني وتحجيمه؛ لأن الأجندة الإيرانية ليست فقط اقتصادية أو جيوسياسية بل هي دينية وقومية، ويجري صراع حول تقسيم الكعكة السورية. وهذا ما يحدث عمليًا على الأرض: شرقي البلاد بيد أميركا وأتباعها من القوات “الكردية”، وشمال سورية بيد تركيا ومن يساعدها من فصائل “الجيش الحر”، وجنوبي سورية بيد فصائل “الجيش الحر”، تتحكم فيها الأردن وأميركا بالتنسيق أحيانًا مع روسيا، أما باقي المناطق التي سماها بشار الأسد “سورية المفيدة” فهي بيد إيران وروسيا واتباعهما. إذًا فالتقسيم حاصل على الأرض السورية. بالرغم من أن روسيا وأميركا وغيرها يرددون، ليل نهار، أنهم مع وحدة الأراضي السورية! كيف يستوي هذا الكلام مع سلوكهم على الأرض. كلهم يكذبون ويقولون ما لا يفعلون.

الإشاعات الأخيرة تصبّ في خدمة أهداف روسية وأسدية وإيرانية. أما نحن بما أننا لسنا صانعي الحدث، فيجب ألا نعوّل عليه، وأن نلتزم الهدوء ونتخذ موقفًا عقلانيًا حذرًا، ولا نتسرع في إظهار الفرحة، ونبقى نصرّ على أهداف الثورة، وأهمها رحيل المجرم بشار وعصابته وجلاء كل القوات الأجنبية عن أرضنا الطاهرة.

على كل من تهمّه سورية ومستقبلها الحر، أن يفكر بما يجب فعله، وليس انتظار الإشاعات والأقاويل التي لا تغني ولا تسمن، والتي قد تروق لنا وقد تكون لصالح عدونا.