مقالات الرأي

سورية بين هويتين

في استطلاع للرأي، جرى مؤخرًا في كوريا الجنوبية، أظهرت عيّنة الشباب الذين استُطلعت آراؤهم فتورًا كبيرًا، في تقبل فكرة الانفتاح على كوريا الشمالية، ونفورًا من طرح فكرة الوحدة معها. سبعون عامًا كانت كفيلة بتشكل هويتين مختلفتين تمامًا، بحيث لم تعد اللغة الواحدة التي يتكلمها الشعب الواحد قادرة على ردم الفجوة بينهما، بعد أن تشكل فضاءان تخييليان متناقضان، بفعل الرموز التي خلقتها لغة الخطاب السياسي لدى الكوريين على طرفي الحدود.

هذه الحادثة ينبغي أن تدفعنا إلى النظر بجدية إلى ما يتهدد وحدة التراب السوري. ففي مجتمع انفرط فيه العقد الاجتماعي، وظهرت فيه كل عوامل التشظي والانقسام: طائفية وعرقية ومناطقية، فإن النزوع نحو تشكيل هويات جديدة، تتماهى فيها الحدود السياسية أو خطوط الاشتباك مع الحساسيات المناطقية، يغدو أمرًا واردًا، بل إنه في الحالة الكورية المشار إليها أعلاه خلق، عبر أجيال متعاقبة، هويتين من الصعب أن تتعايشا معًا، وأن تتقبلا فكرة الدولة المشتركة الواحدة.

في الوضع السوري الآخذ نحو الهدوء على جبهات القتال، بين الثوار والميليشيات الإيرانية، علينا أن ننظر بكثير من الريبة إلى خطوط الاشتباك الحالية، فهي قد تتطور لتصبح حدودًا محتملة لكيانات سياسية قادمة، ربما لن تصل إلى مرتبة الاعتراف الدولي بها بوصفها دولًا ذات سيادة، ولكنها ستكون على الأقل مناطق نفوذ للدول التي تحكمها، أو على الأقل تهيمن على القرار السياسي والعسكري فيها. بيد أن استمرار الوضع فترة طويلة من الزمن سيؤدي إلى تكريس الحالة الاستثنائية لتصبح حالة دائمة.

منذ موجة النزوح الكبير التي بدأت عام 2012 تقريبًا، غدا النموذج التركي المثال الذي يرى فيه طيف واسع من المجتمع السوري الصورة التي يريدها لبناء الدولة الجديدة القادمة. لقد خرج جزء كبير من المجتمع السوري من القمقم الذي كان يضعه فيه النظام، وهاله الفارق الكبير بين تركيا وسورية، فارق لم يكن اتساعه نتيجة لعجز الشعب السوري، ولا لتقاعسه وكسله، ولكنه كان نتيجة حتمية لسلطة لم يكن في ذهنها قط بناء دولة، ولا تطوير المجتمع، وإنما وضعت نصب عينيها هدفًا واحدًا هو البقاء في السلطة، بكل السبل والأدوات التي تمتلكها، حتى وصل بها الأمر إلى استدعاء أكثر من احتلال أجنبي للبلد الذي يفترض بها الحفاظ على سلامته ووحدة أراضيه.

في مقابل النموذج التركي، بدأ النموذج الروسي يفرض حضوره على الأرض. وفي هذا النموذج تهيمن على مفاصل النشاط الاقتصادي شركات يملكها ويديرها أشخاص موالون للسلطة، ويترافق هذا مع عمليات نهب وفساد واسعة النطاق. ولكي لا نغالي في تأثير النموذج الروسي، فإن هذا النموذج هو ما يطبقه النظام بحذافيره، وبخاصة منذ بداية الألفية الحالية مع تدمير القطاع العام، والانفتاح الاقتصادي الذي أدى إلى تخلي الدولة عن دورها في حماية الفئات الاجتماعية الأكثر تضررًا. أما الجديد فهو أن الشركات الروسية هي التي ستحظى بالنصيب الأكبر من هذه العقود، في مقابل إخراج البرجوازية السورية التقليدية من الامتيازات التي كانت من نصيبها، منذ بداية لبرلة الاقتصاد مع مجيء الأسد الابن إلى السلطة. وفي الجانب السياسي، الأساس هو المحافظة على النظام الحالي مع وضع بعض الرتوش والتحسينات التي لا تغير من جوهره على الإطلاق، إلا من الناحية الشكلية، في حين تبقى النواة الصلبة كما كانت من قبل، وهذه الرؤية تتماهى كليًا مع الرؤية الروسية لطبيعة الدولة.

تتشكل في سورية الخارجة على سلطة النظام هوية جديدة مغايرة كليًا للعالم الحديدي الشبيه بالعالم الاشتراكي إبان الحرب الباردة. هذا الفارق بين “سورية الشمالية” و”سورية الجنوبية” سيزداد اتساعًا مع التفاهمات الأخيرة التي يبدو أنها ثبتت حدود الصراع، بحيث لم يعد من الممكن لأي من أطراف الصراع أن يقوم بعمل عسكري ضد أراضي الطرف الآخر، فالمعادلة العسكرية خرجت كليًا من أيدي الفصائل الثورية ومن أيدي النظام، وهذا ما سيدفع إلى برودة في الجبهات ستتكرس مع الزمن، لتصبح خطوطًا شبيهة بخطوط الهدنة بين الكوريتين.

لا ينبغي أن يهون من هذا الخطر الحديث عن إخراج إيران من سورية –وهو أمر بات في حكم المتفق عليه بين القوى الدولية واللاعبين الإقليميين- فالحضور العسكري لإيران هو المظهر المادي الواضح لنفوذها وهيمنتها، ذلك أن قدرة إيران لا تتجلى في قوتها العسكرية، وإنما بميليشياتها التي تتشكل في الظل منها جماعات وشبكات ولاء تتغلغل في قلب أجهزة الدولة، فتفرغها من مضمونها الحقوقي، وتنفي عنها الصبغة الوطنية. وأي حديث عن إخراج إيران من سورية، دون إزاحة رأس النظام وقياداته -وهو أمر يبدو مستبعدًا في الأفق المنظور- لن يكون له تأثير كبير في الحضور الإيراني، فالعلاقة التي تربط النظام بإيران علاقة عضوية بكل معنى الكلمة، ولهذا فمن المحتمل أن ترضخ إيران للشروط القاضية بإبعادها عن بعض المناطق، لأنها ستكون حاضرة فيها عبر طرق وأدوات كثيرة، تجيد القيادة الإيرانية اللعب فيها واستثمارها جيدًا. والحالة العراقية مثال صارخ على تقويض الدولة من داخلها، عبر الهيمنة على مؤسساتها وتجييرها لصالح إيران.

من الواضح أن النظام الرأسمالي الدولي هو الذي حمى النظام الأسدي من السقوط، وأن الهاجس الأكبر لهذا النظام كان “أمن إسرائيل”، ويبدو أن المعادلة التي وصلت إليها الأطراف الدولية هي في قيام نظام هجين في سورية، بحيث يكون النظام الأسدي -بوصفه نظامًا أثبت فاعليته في احترام خطوط “إسرائيل” الحمراء- هو النظام المسيطر على مناطق من الممكن أن تشكل خطرًا على أمن “إسرائيل”، في حال سيطرت عليها فصائل الثورة التي سيبقى الجانب الإسرائيلي حذرًا من نيّاتها وخططها المستقبلية، وهذا ما يفسر إبعاد هذه الفصائل إلى أقصى الشمال السوري، كي لا تشكل تهديدًا للكيان الإسرائيلي، في أي لحظة قد يتعرض فيها نظام مهزوز كالنظام الأسدي لخطر السقوط، بفعل عوامل داخلية أو خارجية.

في هذه الحالة، ستتحول عائلة الأسد في “سورية الجنوبية” إلى حالة مماثلة للعائلة الحاكمة في كوريا الشمالية، بحيث تشكل حاجزًا بين “إسرائيل” والقوى الثورية، مثلما كانت عائلة كيم إيل جونغ سدًا، وضعه العالم الشيوعي السابق في مواجهة العالم الرأسمالي، إبان الحرب الباردة بين الطرفين.

لا مخرج من حالة التشظي والانقسام الآخذة في الاتساع، إلا عبر التأكيد مجددًا على أن المخرج الوطني القائم على دولة الحقوق والمساواة بين المواطنين هو الطريق الوحيد، قبل أن نصل إلى نقطة اللاعودة التي تقترب كثيرًا. ومن البدهي أن المخرج الوطني لا يبدأ إلا بإسقاط النظام.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

إغلاق