مقالات الرأي

هل تنجح روسيا في فرض دستور سوتشي؟

أكّد الرئيس فلاديمير بوتين أنّه غير مهتم بـ (الشعوب السورية)، كما أطلق على السوريين عشية مؤتمر سوتشي الأخير، فهم بالنسبة إليه إمّا دمًى يحركها الأسد الذي هو دمية لديه أيضًا، أو دمى تحركها تركيا أو دول عربية بخيوط أميركية، وهو على ذلك يمضي في خطته لفرض الأمر الواقع الذي صنعه على الأرض بالقوة الغاشمة، مستمدًا عزيمته السياسية من موقف أميركا وأوروبا الذي لم يتجاوز حتى اللحظة التصريحات المواربة التي لا تترجمها الأفعال، ومن موقف الأمم المتحدة العاجز، ممثلًا بأمينها العام أنطونيو غوتيريس ومبعوثه إلى سورية ستيفان دي ميستورا الذي سيتولى تشكيل لجنة وضع دستور جديد للبلاد وفق مخرجات سوتشي؛ ما يعني أن الأمم المتحدة تخلت بطريقة دبلوماسية عن قرارات مؤتمر جنيف (رغم نفيها لذلك)، وبخاصة القرار 2254، وباتت تساهم بشكل فعال في خطة موسكو لإخضاع سورية مرةً أخرى لنظام الأسد، بعد كل الويلات التي أنزلها بالشعب السوري، والدمار الذي خلفه السلاح الروسي الفتاك في معظم أنحاء البلاد، وتحولت تلك القرارات إلى الأرشيف تحت عنوان زائف اسمه: مرجعية جنيف.

هكذا تستغلّ روسيا هذا الوضع، وتستعجل إقرار الدستور السوري الذي طرحته في مؤتمر سوتشي الأخير، باعتباره المقدمة اللازمة لخطوات إعادة تأهيل النظام للسيطرة على سورية كلها، حتى المناطق التي تسيطر عليها فصائل المعارضة في محافظة إدلب وريف حلب وريف حماة ودرعا والجولان وغيرها، وكذلك مناطق سيطرة الأكراد في القامشلي والرقة، وسيطرة تركيا على جرابلس وعفرين ومحيطيهما.

الملفت في المشهد أن معظم الشعب السوري، من معارضي النظام أو من مواليه، ومن ضمنهم الأكراد، عبّروا عن رفضهم لأي دستور تفرضه روسيا أو حتى الأمم المتحدة، لكن روسيا تحتال على الأمر بالقول: حسنًا، ليناقش السوريون الدستور المقترح، وليعدلوه بالتوافق بين مندوبين عن النظام وعن المعارضة، تحت إشراف الأمم المتحدة. وهي تعلم سلفًا أن النظام لا يملك سوى خيار الإذعان المذل لها، وتعرف ارتهان المعارضة لداعميها من تركيا أردوغان ودول من الخليج العربي، الذين لا يملكون بدورهم الحرية الكافية لتغيير مهم في ذلك الدستور يلبي أهداف الثورة في إزاحة نظام الأسد بكل رموزه، وإقامة دولة الحرية والعدالة والمواطنة المتساوية وتبادل السلطة.

الذي حدث حتى الآن أن سلّم النظام السوري قائمة المرشحين الخاصة به لعضوية اللجنة الدستورية للأمم المتحدة، التي تم الاتفاق على تشكيلها في مؤتمر سوتشي، وذكرت صحيفة “الشرق الأوسط”، الثلاثاء 29 أيار/ مايو، أن تركيبة القائمة التي سلمها النظام إلى موسكو وطهران والمبعوث الدولي ستيفان دي ميستورا تدلّ على معركة محتملة مع مندوبي المعارضة حول صلاحيات الرئيس، وسط رفض معظم أعضاء قائمة النظام المس بها، وقال الناطق باسم دي ميستورا، مايكل كونتي، قبل أيام: “يمكنني التأكيد أن مكتب الممثل الخاص تسلم من الحكومة السورية قائمة بأسماء المرشحين للجنة الدستورية”، وبحسب ما اتفقت الدول الضامنة الثلاث لسوتشي، وهي روسيا وإيران وتركيا، فإن هذه الدول ستقدم قائمتي أتباعها التي تضم حكومة النظام والمعارضة، على أن يختار دي ميستورا ثلثين منهما، ويضيف ثلثًا من المستقلين. فيما تتضارب الأنباء حول موقف الهيئة العليا للمفاوضات، ففي حين رفضت بشكل رسمي حضور مؤتمر سوتشي الأخير، كما رفضت ما تمخّض عنه وخصوصًا مشروع الدستور الروسي، فإن تصريحات بعض أعضائها تؤشر إلى أن هناك تراجعًا عن تلك المواقف.

قال أحمد العسراوي، عضو المكتب التنفيذي في هيئة التنسيق، في تصريح لـ (جيرون): “هناك توافق تام بين هيئة التنسيق الوطنية لقوى التغيير الديمقراطي، وشركائنا في مكونات هيئة التفاوض السورية، على أن الحل السياسي الفعلي يعتمد على بيان جنيف لعام 2012، والقرارات الدولية ذات الصلة بالمسألة السورية، وبخاصة القرارين (2118) لعام 2013 والقرار (2254) لعام 2015″، وأضاف: “لم نوافق على المشاركة في مؤتمر الحوار الوطني السوري (سوتشي)، لأنه كان يحمل غموضًا شبه تام حول طبيعته ومعطياته وبالتالي مخرجاته، لكننا بعد أن صدر البيان الختامي له، وبعد المؤتمر الصحفي المعلن من قبل السيد الأمين العام للأمم المتحدة حول المؤتمر ومخرجاته، قلنا: إننا سننظر بإيجابية إلى نتائج المؤتمر وخاصة منها اللجنة الدستورية”، وختم: “نعمل -كمكونات لهيئة التفاوض السورية- على تسمية قائمة لمّا ننته من إعدادها بعد، وأؤكد أنها ستكون جاهزة خلال فترة قصيرة جدًا”.

في هذا المناخ من التردي والضعف والانكفاء عن أهداف الثورة من أعلى مستوى يمثلها، وهو هيئة التفاوض العليا المعترف بها دوليًا، يتسارع نشاط قوى وطنية مستقلة عن أي تبعية خارجية والتي أصبحت جزءً مهمًا ومؤثرًا في مشهد المخاض السوري، مثل حزب الجمهورية واللقاء الديمقراطي اللذين اتفقا على رؤى مشتركة تفصيلية تجاوزت الخلافات وسوء الفهم الواسعين بين السوريين، مثقفين وقوى سياسية وناشطين، خصوصًا أن معظم أعضاء حزب الجمهورية هم من السوريين العرب، وأن معظم أعضاء اللقاء الوطني الديمقراطي هم من السوريين الأكراد، ومثل (حركة ضمير) التي استقطبت معظم أطياف المثقفين السوريين داخل سورية وحول العالم، ومثل ندوة وطن التي ترصد الأحداث اليومية وتتفاعل معها تحليلًا ونقدًا وموقفًا من خلال كوكبة واسعة من المفكرين السياسيين السوريين، وكذلك لجنة حكماء السوريين الناشئة التي تضم خبراء متمرسين في العمل السياسي والقانوني، وتمثل مرجعية بالغة الأهمية عند اتخاذ مواقف مصيرية تتعلق بمستقبل السوريين، وغير ذلك من منظمات مدنية تنشط في المجتمعات المحلية حول العالم، لفضح نظام الأسد وإظهار الصورة الحقيقية لشعب سورية الذي دفع أغلى ما يملكه في سبيل حريته، وترتيبًا على ذلك؛ فإنه من غير المتوقع على المدى البعيد أن تنجح روسيا في فرص دستورها، وفي تعويم نظام الأسد المتوحش من جديد.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

إغلاق