حول المتغيّرات السياسية وأبعادها في المنطقة

تعرضت منطقتنا لاستنزاف كبير منذ بدايات ثورات الربيع العربي، وذلك بفعل ما ترتب عليها من تداخلات وتعقيدات، وتحولات في سلم الأولويات والتحالفات، وقد أدى كل ذلك إلى شبه تعطيل للدور العربي، في ميدان التأثير في رسم معالم السياسات الإقليمية، وبلورة ماهية المعادلات التي من شأنها استعادة التوازن في المنطقة، بعد سلسلة الزلازل السياسية التي ما زالت ارتداداتها تثير المخاوف، وتستوجب التحسّب لكل الاحتمالات.

وفي مقابل ذلك، تنامى الدور الإيراني، ومن ثم التركي. أما الدور الإسرائيلي، فقد ظل لاعتبارات كثيرة بعيدًا عن الأضواء، رغم معرفة الجميع بأهميته، ومدى قدرته على التأثير الكبير في مواقف مختلف الأطراف، لا سيّما مواقف كل من الولايات المتحدة الأميركية وروسيا.

وكما نعلم جميعًا، كانت تركيا إلى جانب الدول التي أعلنت مساندتها لثورة الشعب السوري. واتبعت على مدى سنوات سياسة العمل من أجل تمكين الشعب السوري من الانتقال إلى مرحلة جديدة، يقطع فيها مع سلطة الاستبداد، التي تُعد أساس كل الشرور التي طالما أرهقت السوريين والمنطقة بأسرها بممارساتها وتدخلاتها، وذلك تحت غطاء جملة من شعارات تضليلية ادّعت مقاومة زائفة، وممانعة لا وجود ولا أساس لها.

وكان السوريون المناهضون لحكم بشار الأسد، التواقون لمستقبل يليق بسورية وأجيالها المقبلة، يعوّلون كثيرًا على تفاهم تركي – سعودي، لاعتقادهم أن تفاهمًا كهذا من شأنه كبح جماح الاندفاع الإيراني، والمحافظة على صيغة من صيغ التوازن بين القوى الإقليمية، والحيلولة دون استفراد القوى الدولية بالمنطقة في محاولة لإعادة هيكلة مناطق النفوذ فيها وفق الحسابات الخاصة بها، وهي حسابات لا تعطي عادة أي اعتبار لحاجات المنطقة وتطلعات شعوبها.

مع الوقت، تغيّرت الأولويات كما هو معروف، وانشغلت السعودية بالساحة اليمنية، بينما كان التركيز التركي منصبًا على الأوضاع السورية، لا سيما بعد تفاقم تفاعلات إسقاط الطائرة الروسية، والعقوبات الاقتصادية التي فرضها بوتين على تركيا. ومن ثم تبني الولايات المتحدة لقوات حزب الاتحاد الديمقراطي التي تم تسويقها لاحقًا تحت اسم “قوات سورية الديمقراطية”.

أدركت تركيا أن وضعها قد بات حرجًا، فسارعت إلى تطبيع العلاقات مع كل من “إسرائيل” وروسيا. ومن ثم كان التقارب التركي-الإيراني برعاية روسية، هذا التقارب المبني أصلًا على حجم كبير من المصالح الاقتصادية المتبادلة.

لكن بالتزامن مع مجيء الإدارة الأميركية الجديدة برئاسة ترامب، برزت مؤشرات عدة تؤكد أن الامتيازات التي كانت ممنوحة للنظام الإيراني في ظل إدارة أوباما لم تعد فاعلة، بل تعالت الأصوات من جانب العديد من مسؤولي الإدارة الجديدة، تطالب بوضع حدٍ للتخريب الإيراني في المنطقة. ودخلت “إسرائيل” بنفسها على الخط قصفًا وتهديدًا ووعيدًا. هذا في حين أن الروس أكدوا، عبر تصريحاتهم وممارساتهم وتحركاتهم، تفهمهم للمخاوف الإسرائيلية، وقد ترجموا ذلك عمليًا بإعطاء إجازات مؤقتة لراداراتهم ومنظومات صواريخهم المضادة في سورية، التي من المفروض أنها قادرة على رصد كل الأهداف والتصدي لها.

لكن يبدو أن قواعد اللعبة تلزمهم بذلك، مثلما يبدو أن النظام الإيراني من جانبه يستوعب القواعد المعنية، ومستعد للتكيّف معها. أما الشعارات والمزاودات، فهي جزء من الحملة التضليلية التي أتقنها هذا النظام على مدى عقود من حكمه المثير للجدل.

إلا أنه رغم كل شيء، هناك حسابات استراتيجية تأخذها الأطراف الدولية والإقليمية بعين الاعتبار، وهي حسابات لا تخضع لمنطق العواطف والمجاملات. فأن تكون تركيا وإيران في محور واحد مع روسيا، أمرٌ يقلق الولايات المتحدة الأميركية والغرب عمومًا، و”إسرائيل” بطبيعة الحال، إلى جانب الدول العربية والسعودية على وجه التحديد.

ولهذا كان من المتوقع حدوث تفاهم أميركي-تركي، يصادر إمكانية تحوّل التنسيق الروسي – الإيراني – التركي، إلى محور مستقر مؤثر في الإقليم.

لبلوغ هذا الأمر، كان من المطلوب من الأميركان طمأنة الجانب التركي، من جهة مستقبل التعامل مع الفرع السوري لحزب العمال الكردستاني، ويبدو أن الاتفاق الأميركي – التركي الأخير حول منبج يُجسّد توجهًا من هذا القبيل.

ما يستشف من المعطيات هو أن الأمور لن تتوقف عند هذا الحد، هذا في حال وجود رغبة أميركية أكيدة تستهدف تحجيم النفوذ الإيراني في سورية والمنطقة، وهذا مؤداه أننا سنشهد تحوّلات على صعيد تعامل الأميركان مع القوات العسكرية التابعة فعليًا لحزب العمال الكردستاني تحت مسمياته المختلفة، وهي التي تعمل حاليًا ضمن (قسد) في منطقة شرقي الفرات وشماله، وصولًا إلى الحدود العراقية.

غير أن الاستقرار التام في هذه المنطقة، حتى في إقليم كردستان العراق، وفي الداخل التركي نفسه، لن يكون من دون إيجاد حل عادل للقضية الكردية في تركيا. وهي قضية كبيرة كما نعلم، ولها تأثيرات فعلية على الاستقرار الداخلي التركي، والاستقرار الإقليمي، فضلًا عن الاستقرار الداخلي في كل من سورية والعراق.

استقرار كهذا لا يريده النظام الإيراني الذي لا يجد لنفسه أي مصلحة فيه، بل قد استثمر على مدى عقود في ورقة حزب العمال الكردستاني، واستخدمها بالتنسيق مع النظام السوري في المنافسة غير المعلنة مع تركيا، وابتزها باستمرار.

ما نعتقده، في هذا السياق، هو أن الأمور بعد الانتخابات البرلمانية والرئاسية التركية في الرابع والعشرين من الشهر الجاري، ستكون مهيأة لفتح ملف العملية السلمية من جديد. ولعله من المفيد هذه المرة ألا يكون حزب العمال الكردستاني هو الطرف الوحيد الذي يمثّل الجانب الكردي، بل لا بد من إشراك الآخرين من أحزاب ومنظمات مجتمع مدني، وشخصيات أكاديمية واجتماعية ودينية لها وزنها. فالقضية هي قضية عامة، تستوجب وفدًا عامًا يمثّل المجتمع الكردي تمثيلًا حقيقيًا، بعيدًا من أي تهديد أو ابتزاز.

في مثل هذه الحالة، سيكون على حزب العمال بواجهاته المختلفة أن يختار بين أحد الأمرين: إما الاستمرار في العملية السياسية السلمية لصالح الأكراد والأتراك، وسائر مواطني الدولة التركية، أو الثبات في تبعيته للمحور الإيراني، وهذا مؤداه إضعاف دوره إلى حدٍ كبير في الساحة الكردية في تركيا.

الولايات المتحدة الأميركية، بحكم وزنها ودورها وانفتاحها الجديد على تركيا، تستطيع القيام بتحريك هذا الملف ورعايته، وسيكون هناك تأييد أوروبي كبير لتوجه كهذا. كما أن من مصلحة الدول العربية، لاسيما الخليجية منها، أن تساند أمرًا من هذا القبيل، لأنه يمثل ركيزة أساسية من ركائز الاستقرار الإقليمي الذي ستكون له تبعاته الإيجابية في منطقة الخليج. أما سوريًا فمن الطبيعي أن تكون الفائدة بالنسبة مزدوجة، وذلك على صعيد الاستقرار الوطني الداخلي من جهة، وعلى صعيد استقرار الجار التركي، هذا الجار الذي تلزمنا المعطيات السكانية والجغرافية والمصالح الاقتصادية بإيجاد صيغة من التكامل المفيد معه من جهة ثانية.