أحوال الحركة السياسية السورية

تراجعَ النقاش في أحوال الحركة السياسية المعارضة. النقاشُ الراهن يتناول انتصار النظام، وليس ضعفه، كما يسود، وهذا وهمٌ كبيرٌ لدى تيارات في المعارضة والموالاة! عكس ذلك هناك ما يشبه الإجماع على أن سورية أصبحت دولةً لتقاسم النفوذ للدول الإقليمية والدولية، ولم يعد للسوريين، نظامًا ومعارضة، دورٌ يساهمون عبره في تشكيل مستقبل دولتهم.

من قال إن النظام انتصر! فها هي روسيا تضغط عليه ليفكك كل الميليشيات التي شكلها على الأساس الطائفي أو المنفعي، ولتعود للجيش “هيبته”، ويتم ذلك بتدخلٍ روسي وحصارٍ للدور الإيراني. القصد هنا أن روسيا هي من تعيد إنتاج النظام، ولكن هل هي قادرة على ذلك فعلًا؟ المجزرة السورية الكبرى لم تقتل نصف مليون من الثوار فحسب، بل استهلكت أغلبية جيش النظام، ولم يعد يجد كثيرٌ من الشباب السوري مستقبلهم في الجيش. نعم هناك من تجبره الظروف على التطوع في الجيش، بسبب الأوضاع الاقتصادية الكارثية أو للتخلص من الملاحقة الأمنية، ولكن الأعداد قليلة، وهناك صرخات مؤلمة يُطلقها موالو النظام، ويؤكدون فيها أنهم أعطوا النظام أولادهم، ولكنه لم ينتصر، ولم يعطهم شيئًا. وقبالة ذلك يعود النظام إلى سياساته السابقة في تطييف المجتمع، وبالتالي يكرس مجددًا البعبع الذي دفعنا لموالاته، فإذا به، يعيد صناعة البعبع “الإسلامي خاصة” بنفسه، وذلك عبر فتح المجال واسعًا للمؤسسات الدينية بالنشاط الإعلامي والعام، وبالتالي هناك عزوفٌ كبيرٌ عن النظام. يضاف إلى ذلك أن كل قيادات النظام الأمنية والعسكرية والمالية لم تتأثر، بينما أولاد الناس فرمتهم الحرب.

حال النظام، كما حاولت توصيفه، هو كذلك بفضل دعم الإيرانيين والروس. هذا الوضع تغيّر بسبب فرض النفوذ الخارجي، فهناك الآن الأميركان والأتراك والروس، وبالتالي ليس مسموحًا للنظام أن يكون أكثر من أداة بيد الروس؛ فهم من يضمن اتفاقيات وقف التصعيد والاتفاقيات مع تركيا وأميركا و”إسرائيل”، ومن يعقد أستانا وسوتشي وجنيف، وبالتالي هم من يتحكم به في المرحلة الراهنة، والسؤال عن أي انتصارٍ يثرثر البعض هنا؟

فكرة المقال هي عن أحوال المعارضة، واستطردنا لنوضح ضعف النظام وانفضاض قسم من مواليه عنه وتحكّم الخارج فيه. وبالتالي هناك دور أكيد للسوريين، ولكن ذلك يَحول دونه، فضلًا عن مسؤولية النظام المركزية، وضعُ المعارضة والحركة السياسية المأزوم؛ فما هو وضعها هذا؟

هناك حزب (ب ي د)، وقد نسق مع النظام لمواجهة الثورة، ولاحقًا نسق مع الأميركان لمواجهة فصائل (الجيش الحر) ولمحاربة (داعش). وعكس (ب ي د) هناك تيارات كردية رافضة لكل ذلك، وتنسق، رغم المشكلات والخلافات، مع المعارضة الرافضة للنظام. الأخيرة شكّلت المجلس الوطني، وهي جزء أساسي من الائتلاف الوطني، ولاحقًا دخلت في الهيئة العليا للتفاوض. تلك المعارضة ورغم الإجماع الدولي عليها، والعلاقات القوية مع الداخل السوري لم تستطيع أن تشكل قيادة للثورة، وخضعت للدولة الإقليمية والعالمية وأصبحت لعبة بيد الخارج؛ وهذا أفقدها أي علاقة قوية مع الداخل. ولكن الثورة أيضًا لم تستطع تشكيل قيادة موحدة لها. لدينا أيضًا، المعارضة الإسلامية والفصائل المسلحة الإسلامية؛ في هذه النقطة حاول الإخوان المسلمون السيطرة على الهيئات المذكورة أعلاه، وأنشؤوا فصائل عسكرية خاصة بهم تحت اسم الدروع، ودعموا مجموعات أخرى، وما زالوا يقومون بهذه الأعمال لصالح حركتهم، مستفيدين من مظلومية صادقة وكاذبة في آن واحد، ولكنهم لم يستطيعوا أن يكونوا الفصيل الأقوى. ظهرت في السنوات السبع الماضية قوًى إسلامية أشدّ بأسًا، ومنها “جيش الإسلام” و”حركة أحرار الشام” وهناك “النصرة” وأخيرًا (داعش). طبعًا لا يمكن اعتبار كل هذه الفصائل من الثورة، والأمر ينطبق على الإخوان أيضًا؛ فهي جميعها صعدت على جثة الثورة، وتحكمت فيها بشكل كبير بدءًا من العام الثالث لها. كون هذه الفصائل ليست من الثورة لم يمنع من تمدّدها بسبب قتل وتهجير الثوار الأوائل وضعف المعارضة وصمتها إزاءهم بل تأييدهم، وكذلك بسبب التطييف وانجراف قطاعات شعبية نحوه. مشكلتنا الآن مع هذه الفصائل في أنها غير وطنية وتابعة للخارج، وأغلبيتها الآن، باستثناء من انتهى وانهار كأحرار الشام، يعملون تحت القيادة التركية، وتوظّفهم الأخيرة في مساوماتها مع الروس والأميركان والإيرانيين، وكذلك في حربها ضد المشروع الكردي الأوجلاني في شمال سورية. هم بذلك لا ينتمون إلى الثورة، ويفرضون أنفسهم سلطة عليها وعلى الشعب. إشكاليتنا هنا أن تركيا توظّفهم وتسلمهم الحكم في المناطق التي تحتلها، ويتحولون بذلك إلى أداة تعزّز احتلالهم، وبذلك يسهّلون لتركيا “اقتسام” أجزاء من سورية بحجة الوحدة الإسلامية. الأسوأ أنهم يقدّمون تجارب سيئة في الحكم والإدارة والتعليم والعلاقات الاجتماعية، بل مارست قطاعات منهم قتلًا بالأكراد ونهبًا لعفرين وقراها، وسكنوا في بيوتٍ للكرد بشكل غير شرعي وليس عبر الاستئجار. رفض مشروعِ (ب ي د) في شمال سورية، ونزعته العنصرية ضد العرب، لا يسمح لنا بقبول ممارسات تلك الفصائل، التي تبدأ من توظيف تركيا لهم لقتال (ب ي د)، ولا تنتهي بسرقة بيوت الأكراد، مع التأكيد على أن عفرين كأي مدينة سورية ويمكن للمهجرين أن يذهبوا إليها، ويسكنوا فيها في ظل مأساة التهجير والقتل والدمار، ولكن عبر الاستئجار والعلاقات الطبيعية مع الأهالي فيها.

هناك تيارات في المعارضة، كهيئة التنسيق والمجموعات المنفصلة عنها، وهي تكاد تنقرض، وما بقي منها هي قيادات محمولة على دول إقليمية. بعض الأحزاب الصغيرة، التي تؤيد جيش النظام وتعمل بالتنسيق مع الروس، لا يمكن اعتبارها من المعارضة، فهي مجموعات مُشكّلة لهذه الغاية، وتتحرك في إطار تشويه المعارضة، وستتلاشى حينما تنتهي الغاية منها، وقد يتم تسليم بعض قياداتها مناصب حكومية في إطار تسوية سياسية قادمة.

هناك مجموعات سياسة معارضة، ومتعددة الرؤى، ماركسية وليبرالية ووطنية وقومية وإسلامية متنورة، ولكنها لم تستطع تشكيل اتحاد تنسيقي طيلة عمر الثورة؛ وبعضها تلاشى، وبعضها يحاول البقاء ولو بالحدود الدنيا.. ربما يعود تشتتها لأسبابٍ فكرية وسياسية وشخصية.

هناك شللٌ ثقافية متخاصمة ومتعارضة، وهي شلل قريبة من تيارات المعارضة التاريخية، التي بدورها متخاصمة و”متقاتلة”. المخجل في الأمر أن كل الكارثة السورية لم تدفعها إلى البحث عن شكل ائتلافي لتنسيق العمل الثقافي، الذي يحفظ ويصون شللها وشخصياتها، ولكنه يسمح بالنقاش الفكري عن أحوالنا. طبعًا هذه الشلل تستقي أفكارها من الحداثة واللبرلة والديمقراطية والمواطنة، وهو ما يُلغي أيّ مبررات موضوعية للشللية الرديئة هذه.

رداءة المعارضة توضحها حال السوريين، فهم بين مهجر ومحكوم بسلطات شمولية وإسلامية وتحت احتلالات متعددة. والسؤال الآن: هل من مخرجٍ مما آلت إليه الأوضاع؟