مقالات الرأي

هزيمة حزيران وانتصارات الأسد

تمر اليوم الذكرى 51 لهزيمة حزيران/ يونيو 1967 أمام العدو الإسرائيلي، التي كُتب عنها الكثير خلال تلك السنوات، بحيث لم يبق شيء كثير مما يقال في هذه المناسبة، إلا أنني رغبت في استعادة هذه الذكرى من زاوية النقيض لأغلب ما كُتب، وبشكل خاص نقيض البروباغندا الرسمية التي حاولت، بشكل خاص في سورية وبدرجة أقل في مصر، أن تسوقها كانتصار لهذه الأنظمة!

فكيف يمكن للهزيمة أن تصبح انتصارًا؟

أعتقد أن ذلك الأمر يصعب تخيله بالنسبة لمن لا ينتمي إلى جيل الهزيمة التي عشناها، وما زلنا -باعتقادي- ندفع ثمنها حتى الآن، أفرادًا وشعوبًا ومجتمعات مقهورة تحت نير الاستبداد الوطني، استبداد أنظمة تدّعي أنها تقدمية، وأنها جزء من معسكر حركات التحرر العالمي، التي كانت موسكو تتعهده بالرعاية والدعم زمن الاتحاد السوفيتي، دون أن يعني هذا التحرر إلا مزيدًا من القمع والاضطهاد، وسلب الحريات العامة والخاصة، على طريقة ما هو سائد في المعسكر السوفيتي الحاضن لتلك الأنظمة.

هزيمة حزيران/ يونيو 1967، تُدعى في “إسرائيل” (حرب الأيام الستة)، كمؤشر اعتزاز لقوتها العسكرية التي استطاعت في ستة أيام فقط، أن تهزم ثلاثة أنظمة مجاورة: مصر والأردن وسورية، واستولت على كل من سيناء والضفة الغربية وجزء كبير من الجولان، أي ما مجموعه ثلاثة أضعاف ونصف من مساحة “إسرائيل” التي أُقيمت إثر النكبة الفلسطينية عام 1948.

فيما رفضت الأنظمة التقدمية، في مصر وسورية بشكل خاص، الإقرار بواقع الهزيمة، وابتكرت بديلًا منه مصطلح “النكسة”، بمعنى أنها نكسة يمكن تجاوزها، على الرغم من يقيننا نحن -جيل تلك الهزيمة- أنه لم يتم تجاوزها بعد، بل ربما يمكننا القول إنّ بعضًا مما نعيشه اليوم هو استمرار لتك الهزيمة، باستمرار نكرانها من قبل تلك الأنظمة التقدمية.

وإن كان عبد الناصر قد امتلك الجرأة على تقديم استقالته، ولو خطابيًا، كاعتراف منه بالمسؤولية عن تلك الهزيمة، فيما انتحر أو نُحر لاحقًا نائبه ووزير دفاعه المشير عبد الحكيم عامر، فإن نظام البعث أتخمَنا ضجيجًا وديماغوجيا إعلامية عن الانتصار، لأن “إسرائيل” كانت تهدف من وراء تلك الحرب إلى إسقاط النظام التقدمي في دمشق، وفشلت في ذلك رغم كل مكاسبها العسكرية والسياسية، فالنتيجة تكون انتصارًا لحزب البعث وجيشه العقائدي المهزوم بقيادة وزير الدفاع حافظ الأسد!

بعيدًا من حيثيات المعارك العسكرية ويوميات تلك الحرب، وبعيدًا حتى من نتائجها العسكرية، والسياسية، سأتوقف مع تفصيل صغير تتجاهله بروباغندا النظام، فحواه إعلان إذاعة دمشق عن سقوط مدينة “القنيطرة”، قبل ثلاث ساعات من استيلاء القوات الإسرائيلية عليها، إذ أذيع البلاغ رقم (66) من إذاعة دمشق في الساعة التاسعة والنصف صباحًا، يوم العاشر من حزيران/ يونيو، وهو يحمل توقيع وزير الدفاع حافظ الأسد.

وقد ذكرت مجلة (تايم) الأميركية في ذلك الحين هذه المعلومة، كما أكّد كل من رئيس الأركان اللواء أحمد السويداني، وقائد قطاع الجولان العقيد أحمد المير ملحم، أنهما كان في الجبهة لحظة سماع بلاغ الانسحاب من القنيطرة، وأنهما لم يُستشارا به، وإنما سمعاه من إذاعة دمشق كغيرهما من المواطنين.

المقدم خليل مصطفى بريّز -ابن الجولان- كان الوحيد الذي وثق تفاصيل هذه الحرب سوريًا، وهو يؤكد في كتابه (سقوط الجولان) تلك المعلومة، ويُحمّل وزير الدفاع آنذاك (حافظ أسد) مسؤولية قرار الانسحاب، مضيفًا أن البلاغ تضمن “أمرًا بالانسحاب الكيفي”، أي دون أي خطة معينة، بمعنى التخلي عن السلاح الخفيف والثقيل، وعن كل شيء في أرض المعركة، مع أن ميزان المعركة حتى تلك اللحظة، كان من وجهة نظره يعطي إمكانية للصمود، أو التفاوض من موقع القوة وليس من موقع الهزيمة.

وقد دفع بريّز حياته ثمنًا لهذا الموقف، إذ تمّ اختطافه لاحقًا من لبنان وتخديره، ليُنقل في الصندوق الخلفي لإحدى سيارات الأمن إلى سورية، حيث أحيل -كضابط سابق- إلى المحكمة العسكرية، وأنهى الحكم الصادر بحقه 15 سنة، لكنه استمر أكثر من 25 سنة في السجن.

كما تؤكد أغلب الأبحاث المختصة أن الهزيمة كانت تتعلق بالمستوى السياسي لتلك الأنظمة وفساد قياداتها، وانعدام الكفاءة الإدارية وسوء التخطيط في دولة كليانية كسورية، دولة محكومة بأيديولوجيا قومية شمولية، صنعت من سقوط الجولان انتصارًا، كي تحتفظ بسلطتها المستبدة.

فماذا عن بطولات التحرير؟!

في هزيمة حزيران/ يونيو 67، خسرت سورية 1158 كم مربع من إجمالي هضبة الجولان البالغة 1860 كم مربع، وفي حرب تشرين الأول/ أكتوبر 1973 التي دخلت قواميس الاستبداد الوطني باسم “الحرب التحريرية”، استرجع الجيش السوري مساحة قدرها 684 كم مربع من أراضي الهضبة المحتلة لأيام قليلة، حيث أعاد الجيش الإسرائيلي احتلالها بسرعة.

ولاحقًا في إطار اتفاقية “فك الاشتباك”، قبلت “إسرائيل”، بضغط أميركي عام 1974، التخلي عن مساحة 60 كم مربع فقط من الجولان لنظام الأسد، تضم مدينة القنيطرة المدمرة بالكامل وجوارها، ويحظر إعادة إسكان مدينة القنيطرة حتى الآن، ولا يزال الدخول إلى المناطق السورية المجاورة لخط الهدنة ممنوعًا، حسب تعليمات النظام السوري إلا بتصريح خاص، لأن اتفاق “فك الاشتباك” تضمن منطقة محايدة، وأخرى منزوعة السلاح، وثالثة محدودة السلاح، تخضع كلها لرقابة “قوات الأمم المتحدة/ أندوف” أو “القبعات الزرق”، وهذه المناطق الثلاث تقع على الجانب السوري الخاضع للتحرير، وتحت السيادة السورية التي ما زال بقايا النظام في دمشق يتغنى بها حتى الآن.

بالمقابل، قرر الكنيست الإسرائيلي، في كانون الأول/ ديسمبر 1981، ضمّ الجزء المحتل من الجولان، الواقع غربي خط الهدنة بحسب اتفاقية “فك الاشتباك” إلى “إسرائيل”، بشكل أحادي الجانب ومعارض للقرارات الدولية، ومع ذلك ظلت أجيال في سورية تدرس لعقود خلت بطولات قائد التحرير!

وعلى هذه الأجيال أن تربط الآن بين تلك البطولات ومغزاها بالانتصار والتحرير، وبين بطولات الأسد الصغير في مواجهة شعبه الذي طالب بالحرية منذ سبع سنوات ونيف، حيث نجح الأسد الصغير في تدمير 70 بالمئة من مساحة سورية، وأعداد القتلى والمفقودين باتت تقارب المليون، وضعفهم من ذوي الإعاقات الدائمة، وأكثر من نصف الشعب السوري مشرد بين نازح ولاجئ، ونحو 80 بالمئة من السوريين أضحوا تحت خط الفقر، ولذلك يرى الأسد الصغير نفسه كأبيه منتصرًا!

فبعد أن خرج السوريون، نظامًا ومعارضة، من أطر الفاعلية في تقرير مصيرهم أو مصير البلد، حتى إنه لم يعد مهمًا استدعاؤهم إلى موائد التفاوض، بشأن الحل السياسي أو الهدن العسكرية؛ نجد أن الأسد الصغير ووزير خارجيته الكبير، يأخذون دور المعلق على الأحداث، دون أن يسمح لهم بالمشاركة في لعب دور فيها، أو حتى بالتواجد ضمن ملعب هذه الأحداث، وليست تهديدات رأس النظام للولايات المتحدة، في حواره الأخير مع قناة (روسيا اليوم)، غير نموذج من هذه التعليقات التي حاولت قاعدة حميميم العسكرية أن تضع حدًا لها، في تعليق على صفحتها على (فيسبوك)، فالأمر لا يحتاج إلى جهد أو بروتوكول أكثر من ذلك.

ربما لم يدرك النظام السوري بعد أن أقصى طموحات المفاوض الروسي تكمن في استعادة انتصارات الأسد الأب بخصوص الجولان وجنوب سورية، أي استعادة اتفاق “فك الاشتباك” لعام 74 مع “إسرائيل”، ولكن بشروط إسرائيلية جديدة، لا تتوقف عند مطالب إبعاد كل الميليشيات الإيرانية عن حدودها، إلى غرب أوتوستراد درعا السويداء الواصل إلى دمشق فحسب، بل تمنحها أي “إسرائيل” حق توجيه ضربات داخل سورية.

ومن الطريف أن رأس النظام منح نفسه، في اللقاء مع القناة الروسية، فضيلة “التعفف” عن الرد على الرئيس الأميركي دونالد ترامب الذي يُصر على نعته بلقب “الحيوان”، قائلًا: “هذه ليسَت لغتي ولا أستطيع أن استخدم لغته”، ناسيًا أنه هو من وصف الشعب السوري الذي طالب بالحرية بـ “الجراثيم”!

أعتقد أن رئيسًا يصف شعبه بـ “الجراثيم”، قليلٌ عليه قول ترامب، لأنه أكثر من ذلك: رئيس يكذب، كما يكذب في كل انتصاراته وانتصارات هذه السلالة المهزومة.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

إغلاق