الاستبداد بالدولة: من العناية الإلهية إلى تأليه الطغاة

لقد طور الطغاة أساليبهم لتناسب المراحل التاريخية المتعاقبة، وطوعوا حتى الديانات السماوية عن طريق الكهنة، وبعد المسيحية بنحو سبعة قرون، ظهر الإسلام على يد النبي العربي محمد بن عبد الله (ص)، وفي مجال بحثنا نقول: “إن القرآن قد أنهى الاستبداد بأن كان دستورًا مكتوبًا مُلزمًا للناس كافة حاكمين ومحكومين، وهذا هو ما يعنيه على وجه الدقة التعبيرُ الحديث (المساواة أمام القانون) أو (سيادة القانون). وجاء في البيّنات من آياته أن محمد بن عبد الله، الصادق، الأمين، مأمور، مثله مثل غيره من عامة المسلمين، بالتزام الدستور القرآني، ليس مباحًا لأحد، ولو كان الرسول نفسه، أن يستعلي، أو يُستثني، أو يخرج عن القواعد العامة التي تحكم العلاقات بين الناس كافة”(1). لكن ظهر الكهنة مرة أخرى بلبوس جديد تحت مسميات مختلفة: فقهاء، أئمة معصومون، شيوخ مذاهب… يفتون للطغاة، وينافقون.

أشار الفقيه جورج بوردو، في موسوعته عن العلوم السياسية، “إلى الآية الكريمة [والذين استجابوا لربهم وأقاموا الصلاة وأمرهم شورى بينهم ومما رزقناهم ينفقون]. ليقول بوردو: (إن رئيس الدولة في الإسلام مأمور بأن يشاور الشعب)، ويستشهد بهذا كدليل على موقف الإسلام ضد الاستبداد”(2).

هنا لا بد أن نقارن بين نظرية (العناية الإلهية) التي “توجّه ولكنها لا تختار، والتي انتقلت من المجال اللاهوتي إلى المجال السياسي؛ فكان ذلك إيذانًا بانتهاء مرحلة الاستبداد الكنسي. فليس ثمة ما يحول، استنادًا إلى النظرية الجديدة، دون أن يكون الملك، وليس (البابا) هو الذي اتجهت عناية الله إلى إقامته ملكًا معبرًا عن إرادته”(3). وبين (الفلسفة الجبرية) “التي برّر بها معاوية بن أبى سفيان اختصاصه بالخلافة. ثم تحويل الخلافة عن طريق الشورى، أو الانتخاب، إلى ملكية وراثية، كان معاوية يقول (لو لم يرني ربي أهلًا لهذا الأمر؛ ما تركني وأياه، ولو كره الله ما نحن فيه لغيّره، وأنا خازن من خزان الله تعالى، أعطي ما أعطاه الله، وأمنع ما منعه، ولو كره الله أمرًا لغيّره) (4).

وهكذا، فإن الاستبداد فتح الباب واسعًا لتدمير المجتمع (جماعات وأفرادًا)، ذلك المجتمع الذي بُني على أساس (الدستور) و(الشورى) و(الاجتهاد). قد يقول قائل إن الدولة العربية الإسلامية ازدهرت في ظل (البيت الأموي). نعم، لقد ازدهرت الدولة واتسعت رقعتها، لكن ذلك حصل استمرارًا لتلك الاندفاعة العظمى التي حققتها الرسالة (العادلة)، وحققها أولئك الرجال العظماء الذين شكلوّا (الخلايا الثورية) حول محمد بن عبد الله، تآخوا فيها، وتعاهدوا على حمل الرسالة، وتحولت تلك الخلايا لتصبح هي أسرهم الحقيقية تجاوزًا للنسب العائلي والقبلي، وانتسابًا إلى (الدستور)، هؤلاء الصحابة والتابعون وتابعوهم كانوا يولون وجوههم شطر الجهاد شرقًا وغربًا، للنأي بالنفس عن العودة إلى الصراعات القبلية والأسرية التي كانت قد بدأت تطلّ برأسها.

لكن تلك (الدولة الأموية) كانت قد بدأت بتدمير (دولة الخلافة)، بالعودة من دولة المجتمع كله إلى دولة الأسرة، وعندما يُفتح هذا الباب، فإن أحدًا لا يستطيع أن يغلقه على نفسه. فإذا كان يحق للبيت الأموي أن يقيم دولة، فهل يستطيع أحد أن ينكر هذا على أسرة آل البيت النبوي مثلًا، أو على البيت العباسي، مثل هذا الحق؟ ثم ألم تتوالى (دول الأسر) بعد ذلك في التاريخ العربي، إلى بيوت الفاطميين والحمدانيين والبويهيين، وصولًا إلى (الأسر) التي ما زالت حتى الآن تقيم دولًا على أرض الأمة العربية وشعبها، وتدمر بنيانها وهويتها ووحدتها.

لقد كان معاوية بن أبي سفيان رجل دولة، وكان عمرو بن العاص رجل دولة، وهما في التاريخ الإنساني من عظماء رجال السياسة، بالمعنى الذي يتحدث به التاريخ عادة عن الدهاء والتكتيك والقدرة على الوصول إلى الهدف عبر طرق مختلفة، وقد بنيت الدولة الأموية لتصبح مماثلة لدول عصرها، وأراد المؤسسون لها (بغض النظر عن الأسباب الشخصية) أن يضاهوا دول عصرهم، فنظموا الجيوش ونظموا البلاط، واستطاعوا أن يدافعوا عن دولتهم، وأن يوسعوها، وأن تكون نموذجًا من (الدولة الإمبراطورية) المعاصرة لهم، وكانوا يميزون بين الصراع الداخلي، والتبعية للدول الأجنبية، وهذا هو التاريخ ينقل عن معاوية بن أبي سفيان قوله إلى عظيم الروم، عندما عرض عليه المساعدة في صراعه على الخلافة مع علي بن أبى طالب: “والله لو فعلتَها؛ لقابلتك بجيش أوله علي، وآخره معاوية”(5).

لقد أرادوا أن يؤسسوا دولة على شاكلة الدول الإمبراطورية الوراثية التي كانت سائدة في عصرهم، ونجحوا في هذه الحدود. لكن هذا كان على حساب (أنموذج) دولة (الرسالة) و(الخلفاء الراشدين)، حيث النموذج هو خضوع الحاكمين والمحكومين (للدستور) و(الشورى) و(الاجتهاد) حيث العائلية، والقبلية، والشعوبية، ليست مُكسبة للحقوق، والامتيازات، وحيث (الخليفة) أقلّ المواطنين أكلًا، وأبسطهم لباسًا، وأكثرهم تقشّفًا على نفسه وعلى أهل بيته، وحيث الحرص على الهدف الاستراتيجي فوق أي اعتبار شخصي. فهذا علي بن أبي طالب يخفّ لمبايعة الخليفة الأول للرسول (أبو بكر الصديق) تحديًا لأولئك الذين أرادوا اختلاق الفتنة بين المواطنين. وليترك لنا بذلك تلك القاعدة (القدوة) أن وحدة الأمة فوق أي اعتبار، وأنه لا يحق لأحد، لا بدافع (أحقية)، ولا بدافع (قرابة)، ولا بدافع (الأكثر قوة)، ولا بدافع الأكثر جدارة، ولا بأي دافع شخصي، أو عقائدي أن يفتت المجتمع. وفي الوقت ذاته، فإن الخليفة الأول لم يستغل موقعه للاستبداد بالمجتمع، والانتقام من (الرأي الآخر)، فتمّت دولة الخلافة قوية (بالشورى)، والاجتهاد، وإبداء الرأي، والرأي الآخر دون خوف، ثم يأتي الخليفة الثاني عمر بن الخطاب، ويوظف كافة الطاقات في التشريع والتجييش، والتنظيم، لتطوير الدولة خطوة أخرى، فلا يتهرّب أحد من المسؤولية الاجتماعية بدافع الاختلاف، وإنما يتسابق الجميع ويتنافسون في ميدان الجهاد، والتشريع، والتنظيم، وهكذا لم يشعر الخليفة بأنه يحط من قدر نفسه، عندما يُصرّح “لولا علي لهلك عمر”، وهذا عليّ لم يشعر أنه يحط من قدر نفسه، وهو يشرّع ويقضي للدولة في ظل خلافة عمر. لقد استند أولئك الرجال (المؤسسون) إلى دستور بالغ الدلالة والدقة في التأكيد، والإعادة في التأكيد، على إلغاء ومحاربة كل مستند للاستبداد، فالله -سبحانه وتعالى- مُجرّد عن أي رسم، أو صورة، أو تشبيه، وبالتالي، فإن تجسيده بأي صورة يصل إلى مستوى (الحرام)، وهو منزّه عن أي علاقة خاصة مع أي من بني البشر باستثناء رسائل النبوة. وبالتالي فإن ادعاء مثل تلك العلاقة من قبل أي أحد، كائنًا من كان، يصل إلى مستوى الكفر، والتقرب إليه لا يتم بالأنساب والمكانة، وإنما بالعمل والتقوى، ولا وسطاء بينه وبين البشر، ولا كهنة، و(كلكم راع، وكلكم مسؤول عن رعيته) و(إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم)، فالتغيّر يعود إلى (القوم) وهم مسؤولون عن أفكارهم وسلوكياتهم وممارساتهم، والحساب لا مفرّ منه للجميع (المساواة أمام القانون)، والذي يفلت من الحساب في الدنيا يكتمل حسابه في الآخرة، ثوابًا أو عقابًا، والمساواة تلحق بالبشر إلى ما بعد الموت. فالجثة بعد الموت تتحلل وفق القوانين التي تحكم مادتها، وبالتالي فإن (خير القبور الدوارس)، وهكذا عالجت الرسالة مشكلة الصنمية، والتصنيم بشكل حاسم لقطع دابر الاستبداد بشكل حاسم أيضًا. وكان الرواد الأوائل يختلفون ويتجادلون ويتنافسون في الانتساب إلى البعد الاستراتيجي لتلك الأفكار العظيمة، ونسجوا هذا النسيج العظيم للعدل والحرية والمساواة الذي صمد، ويصمد إلى الآن في وجه عتاة المستبدين، والغزاة من كافة الاتجاهات.

ونحن نبحث هذا الموضوع من زاوية (تأسيس الدولة)، وحسب، لتتبّع أسباب الخلل، وأثره في حالة عدم المعالجة الحاسمة. فدولة البيت الأموي، من منظور الدولة الإمبراطورية المعاصرة لها، هي الدولة الأكثر عدلًا، والأغنى حضارة، والأكثر تنظيمًا، لكن تلك الدولة الأموية، من منظور دولة الرسول والخلفاء الراشدين، هي التي بذرت بذرة الاستبداد والعائلية، في جسم الدولة العربية، تلك البذرة التي نمت بعد ذلك، فضربت عصب المجتمع العربي، وأنبتت بيوتًا مستبدة أخرى، وأسرًا مستبدة أيضًا، وأوضاعًا قبلية شديدة الخطورة، وعطّلت تطور المجتمع، وأدت إلى عطالة الدولة، وضعفت القدرة على الاستقلال، والمقاومة، فجاء الغزاة من الغرب، والشرق للثأر من كل شيء، وما زالوا إلى الآن، بشكل مباشر وغير مباشر، يمارسون هذا الثأر بأساليب وحشية لا مثيل لها.

فقد تداعت الأفعال، واستدعت ردّات أفعال من ذات نسيجها، وأسس المستبدون دولًا كانت تتداعى الواحدة تلو الأخرى، واستعار المستبدون من ثقافات الاستبداد العالمية ما يسترون به عورات استبدادهم، واقتسموا تاريخ الأيام المنتصرة (إنجازات، وأفراد) لا للدفاع عن أحد، ولكن لتبرير الاستبداد الحاضر، وعاد الحكام (المتألهون) للظهور، وعاد التصنيم يأخذ دوره، وظهرت طبقة (رجال الدين) على غرار (الكهنة)، يشوهوّن الرسالة، وينسبون إليها ما لا يمكن أن يُنسب إليها، ويبررّون الاستبداد بالفتاوى التي تلزم بطاعة (ولي الأمر)، والاستبداد يؤدي إلى شلل المجتمع، حيث يشكل المستبدون طبقة من المرضى، ويقول عالم النفس الشهير ألفريد أدلر: “إن الاستبداد ذاته انتقامٌ من الآخرين المتميزين من المستبدين لأنهم ليسوا مثلهم، أو لأنهم يسخرون منهم، أو لأنهم يحتقرونهم . فالضعفاء، والأغنياء، والفاشلون يحاولون التخلص من شعورهم بالنقص، عن طريق إذلال الآخرين وإخضاعهم”(6).

وحيث المُستبَد بهم يشلّهم الخوف، والرعب، والاستبداد، فيلجؤون مذعورين إلى الاختباء داخل نفوسهم، والانطواء على ذواتهم، واللجوء إلى الخرافات، والأوهام. وهكذا يُصبح المجتمع كله مصابًا بمرض (نقص المناعة)، وبالتالي يتنافس الطامعون في احتلاله داخليًا، وخارجيًا.

وهكذا تطورت نظريات الحق الإلهي، والعناية الإلهية، والتأليهية، إلى أن تجاوزتها البشرية في بعض المواقع، لكن لا بد من الاعتراف بأنه لا يزال لتلك النظريات وجود فعلي، في أكثر من مكان من العالم، ونجد أثرها في دساتير بعض الدول، أو في شخصيات بعض الحكام، والمؤسسين لدول معاصرة. وهذه مقدمة دستور 1923 في مصر، حيث نجد فيها أثرًا لنظرية التطور العائلي، وأثرًا لنظريات الحق الإلهي، وأثرًا للنظريات “الليبرالية” جاء في المقدمة: “أمر ملكي رقم 42 لسنة 1923: نحن -ملك مصر- نطلب الخير دائمًا لأمتنا بكل ما في وسعنا. ولما كان ذلك لا يتم على الوجه الصحيح إلا إذا كان لها نظام دستوري كأحدث الأنظمة الدستورية في العالم؛ أمرنا بما هو آت: مادة (1) مصر دولة مستقلة ذات سيادة، وهي حرة مستقلة مُلكها لا يُجزّأ، ولا يُنزل عن شيء منه، وحكومتها ملكية وراثية، وشكلها نيابي”(7).

وعندما بات الدفاع عن نظريات “الحق الإلهي”، و”العناية الإلهية”، و”الدولة العائلية”؛ ظهرت “نظرية القوة”. وهي تستند إلى أن القوة هي التي تصنع الدول، “فالسلطة أساسها القوة، وأن الدولة من صنع القوة، وتقوم على أساس حق الأقوى، أي أنها نظام فرضه بطريق العنف صاحب القوة الأكبر على فئة مغلوبة”(8).

يقول ثروت بدوي: “لا شك أن الجماعة التي تستند إلى القوة، تفقد مقومات وجودها القانونية والمعنوية معًا. فهي جماعة غير مشروعة قانونًا، تقوم على الغصب والعدوان، إذ تجمع الأفراد رغمًا عن إرادتهم جميعًا، أو رغمًا عن إرادة الأكثرية منهم، ومن ثم تكون سلطتها غير مُلزمة، وقوانينها باطلة لا يُعمل بها، وهي جماعة غير جديرة بالاحترام، لأنها تنكر على الأفراد الحرية وحق الاختيار، وبالتالي تهدر القيم والمعنويات”(9).

ويضيف: “إن القوة المادية للحكام لا تكفي لتأسيس سلطانهم. بل يمكن القول إن السلطة، حينما تلجأ إلى القوة لتفرض وجودها على أفراد الجماعة، إنما تبرهن عن أنها تترنح من أساسها، وأنها في سبيلها إلى السقوط والانهيار”(10).

فالسلطة المشروعة تتحقق “حيثما تستند السلطة إلى رضاء المحكومين وقبولهم، سواء أكان هذا الرضا مبعثه الاعتقاد في المصدر الإلهي للسلطة، أم في كونها تنبع من إرادة الجماعة، واختيارها الحر”(11).

ويقول هارولد لاسكي: “لكي يكون القانون قانونًا يجب أن يتطابق مع شيء أكثر شرعية من إرادة السلطة التي تطالب الناس باحترامها لمجرد تملكها سلطة القسر، ويجب أن تكون المساواة في إرضاء الرغبات هي القاعدة في أي جماعة سياسية”(12).

بينما يقول ن. هـ جرين: “الدولة هيئة من الأشخاص يعترف كل واحد منهم للآخر بأن له حقوقًا، وأنه يملك مؤسسات معنية للمحافظة على هذه الحقوق”(13).

هوامش:

(1) و(2) و(3) و(4) و(5) و(6) “الاستبداد الديموقراطي”، د. عصمت سيف الدولة، صفحة (30) وما بعد.

(7) و(8) و(9) و(10) و(11) د. ثروت بدوي، النظام الدستوري العربي، المصدر السابق صفحة (106) وما بعد.

(12) هارولد لاسكي، الدولة في النظرية والتطبيق، صفحة (50).

(13) المصدر السابق صفحة (78).