احتمال أخير للصمود

شهدت الأشهر الأخيرة تسارعًا غير مسبوق على الساحة السورية، فطرأت تطورات لم تكن متوقعة ربما، وبدأ نظام دمشق في الظهور، حتى في الجهة المعارضة، كطرف منتصر، في صراع دامٍ أفقد سورية ثلاثة أرباع قدرتها البشرية والاقتصادية، طبعًا ذلك “الانتصار” المزعوم جاء مشفوعًا بتدخل روسي كبير، ومن قبله تدخل إيراني، لكن ذلك لن يعني شيئًا بطبيعة الحال، كما لن يعني تمزيق الجغرافية السورية، إذ يظهر في الصورة رأس نظام دمشق متفاخرًا بما حققه، ويكرر رغبته الدائمة في الاستمرار في محاربة “الإرهاب”، وإنقاذ سورية من المؤامرة الكونية التي كانت تستهدفها، وسوف يجد في كل خطوة يخطوها زيادة في أعداد مؤيديه، لا حبًا بطبيعة الحال، ولكن خوفًا من عودة قبضته الأمنية، التي كانت أحد أهم أسباب الثورة، وعلى الرغم مما أصابها من وهن خلال السنوات السابقة، فإنها ظلت محافظة على قوتها، وعلى قدرتها على التحطيم، ولعل احتفاظها بعشرات آلاف المعتقلين خير دليل على أنها ما زالت مصدر الرعب الأول للسوريين. في المقابل فإن جمهور الثورة يتراجع شيئًا فشيئًا، فالثورة قُدِّر لها أن تواجه جميع تلك الجيوش والميليشيات وحيدة، وأن تبقى صامدة ومحافظة على كينونتها، وهذا أقرب إلى المستحيل، كما لن يكون مستغربًا رد كثيرين ممن كانوا في “الصفوف الأولى” للثورة، وتلميحهم بإمكانية الوصول إلى حل سياسي، يجنب سورية مزيدًا من الانزلاق، ولعل الحديث المسهب عن صناعة السلام في البلاد المنهكة والذي تسوّق له جهات دولية، لن يخرج عن مسار إعادة تأهيل النظام، وجعل من يقبل من معارضيه بصناعة حل سياسي معه جزءًا من نظام جديد، في تنفيذ لإشارة قائد جيش الاحتلال الروسي فلاديمير بوتين الذي قال مؤخرًا إن الأرض السورية باتت مهيَّأة للشروع في حل سياسي، والحل السياسي الذي قصده بوتين لا يُقصي رأس نظام دمشق، إذ لم تجد موسكو على ما يبدو من ينفذ أوامرها ويحافظ على مصالحها أكثر منه، ولهذا فإن الذاهبين إلى ذلك الحل لا بد أن يكونوا قد وضعوا في حساباتهم أن يتخلوا عن فكرة “إسقاط النظام”، وهم قد يكونون مساهمين في كتابة دستور جديد لبلادٍ، آخرُ ما يعنيها في حالتها هو دستور ينظم حياتها المفككة، وهي بحاجة ماسة إلى عمل جراحي دقيق، يكون كفيلًا بإنقاذ شيء مما تبقى، فهل يمثل الحل السياسي خلاصًا للسوريين؟ وما هو ذلك الحل السياسي؟

من المؤكد الآن أن تنحي بشار الأسد مختارًا مستبعدٌ تمامًا، وأن بقاءه على رأس السلطة، على الأقل حتى نهاية ولايته الحالية عام 2021، هو الأقرب إلى الواقع، إن لم يطرأ طارئ في الحسبان، لكن ذلك لا يعني أيضًا أنه سيكون رئيسًا؛ إذ حولته السنوات الفائتة إلى ألعوبة أممية بيد مشغليه: الإيرانيين والروس، القادرين على تحديد كيف سيكون شكل نظامه، وما هي التركيبة الأكثر مناسبة لهم، دون أن نسقط من حساباتنا التفاهمات الإقليمية والدولية التي سيكون لها دور كبير في ذلك الحل السياسي، وعلى ذلك؛ فإننا سنكون أمام شكل جديد من أشكال الحكم الرخو، الهش، القابل للسقوط، ربما أكثر مما كان عليه قبل سبع سنوات، لكن هذا الأمر سيتوقف بكل تأكيد على مدى قدرة الطرف الآخر في المعادلة، الطرف الذي يمثل الثورة لا المعارضة، على إعادة تنظيم صفوفه، والتخلص من شوائبه ومن الخلل الكبير الذي ضربه، لخوض صراع من نوع مختلف، فالثورة -وإن بدا أنها لفظت أنفاسها الأخيرة، نظريًا- ما زالت وفق كل المعطيات قادرة على استعادة توازنها، ليس بالزخم نفسه الذي كانت عليه من قبل، لكن بوسائل وأساليب جديدة، من خلال إعادة قراءة التجربة وتلافي الأخطاء، سواء من خلال نبذ العسكرة والاتجاه إلى نضال سلمي، كما يطالب الكثيرون، أم حتى من خلال نوع مختلف من أنواع الكفاح المسلح، وتجنب الوقوع في حبائل التيارات الجهادية، والخضوع لشروط الممولين والداعمين، وبمقدار ما قد يبدو هذا الكلام نظريًا، ولا يمت بصلة إلى ما وصلت إليه الأمور، لكن من المؤكد أن الأمر لم يحسم بعد، وأن ثمة جولات مقبلة، وسيكون لزامًا على جمهور الثورة إثبات حقه ومشروعية مطالبه، التي خرج باحثًا عنها وتكبد في سبيلها نزيفًا ربما لم تشهد له الأمم المعاصرة مثيلًا.

كل شيء تغيّر في المعادلة السورية: لا النظام هو نفسه النظام، ولا الثورة هي نفسها الثورة، وهذا ما يستوجب عملًا من نوع مختلف كليًا، احتماله الأول هو الصمود والتمسك بفكرة الثورة خيارًا لا يقبل القسمة على اثنين، وإذا كان لا بد من السياسة، فلتكن سياسة من نوع مختلف أيضًا، سياسة لا تقوم على التبعية، وتنفيذ أجندات دول أخرى، لكن سياسة تؤسس لمشروع سوري، من خلال مؤتمر سوري جامع طال انتظاره، يسقط من حساباته التجاذبات القومية والطائفية، والأهم أن يكون بعيدًا من مؤسسات المعارضة التي نخر الفساد أركانها، وهو الشيء الوحيد الذي لم يحدث حتى الآن، فهل نشهد حدوثه قريبًا، لعلنا نستطيع الصمود في وجه ما ينتظرنا؟