نظرة سريعة لعلاقة روسيا مع التعفيش

ضجت المحطات الإعلامية ومواقع التواصل الاجتماعي في الأيام الماضية ببعض المقاطع والصور المسجلة، عن تصدي عناصر الشرطة العسكرية الروسية لجنود وعناصر تابعة لقوات الأسد، أثناء محاولتهم سرقة ونهب ممتلكات المواطنين السوريين، من داخل البلدات التي استعاد النظام السيطرة عليها مؤخرًا جنوبي دمشق، وتحديدًا من بلدة ببيلا، وهو ما يعرف في سورية باسم التعفيش. حيث تعكس هذه الصور، بالنظرة الأولى، مدى دونية وإجرامية ودناءة القوات المحسوبة على الأسد، كما تعكس مدى توق السوريين بغالبية انتماءاتهم إلى محاسبة ومعاقبة المعفشين والشبيحة الظاهرين والمستترين، فوجدنا أنفسنا أمام حدث يراد منه إعطاء انطباع عام عن مدى انضباط وعدالة القوات الروسية، وكأنهم حراس الحرية والعدالة والحقوق، فهم وحدهم من وقف في وجه عصابات الأسد الرسمية وربما غير الرسمية، دون اعتبار لمكانة الأسد ومكانة قواته وشبيحته، من أجل حماية حقوق ومصالح المدنيين المستضعفين، العاجزين عن التصدي لمغول العصر من السوريين.

على الرغم من جمالية مشهد كسر عنجهية وتكبّر وسطوة العناصر الأسدية، فإن التدقيق في مجمل الحدث يفتح أعيننا إلى كم التضليل والتسويف الذي يحمله في طياته، وهو ما يدفعنا إلى الاعتقاد بأنه مجرد تمثيلية هزلية، تهدف إلى إخفاء حقيقة الاحتلال الروسي وطبيعته الإجرامية والنهبية، وبصورة تعيد إلى الأذهان بداية حكم الرئيس السوري الحالي بشار الأسد، الذي اختار في ذلك الحين خطاب مكافحة الفساد والمفسدين، كمدخل لانتزاع شرعيته الشعبية، والتي كشفت الأيام والسنوات اللاحقة مدى تناقضها مع حقيقة توجهاته وسياساته، الموغلة في الفساد والإجرام، حتى أضحت سنوات حكمه واحدة من أسوأ المراحل في تاريخ سورية والعالم المعاصر والماضي.

لذا لا بد من التدقيق في طبيعة وحقيقة الوجود الروسي في سورية اليوم، بعيدًا عن التضليل الذي يحاول المقطع المصوّر تعميمه، وهو ما يعيدنا إلى النصوص القانونية التي تشرعن الوجود الروسي في سورية، وتحيط الروس بأعلى درجات الحماية، مهما مارسوا من جرائم ومن عمليات تنكيل داخل سورية، وهو ما يعني حماية المافيا الروسية، وحماية جميع عمليات النهب والتنكيل والإجرام الروسي بحق سورية والسوريين. كما تكفل هذه المعاهدات للروس شرعنة احتلال سورية 50 عامًا قادمة مع إمكانية تمديدها 50 أخرى، فضلًا عما توثقه من نفوذ وتحكم في جميع أو غالبية الثروات السورية الباطنية واللوجستية، مثل التحكم الروسي في حركة النقل البحري.

إذن؛ تتواجد القوات الروسية في سورية، كخطوة ضرورية من أجل حماية المافيا التابعة لها، التي أصبحت متحكمة في جميع الثروات السورية، وبالتالي فهي لا تكترث بأي عمليات نهب وسلب وسرقة تحدث هنا أو هناك، إن لم تكن تتعارض مع عمليات النهب الخاصة بها، وعليه فإن حادثة إيقاف ومعاقبة الجنود الروس لنظرائهم السوريين، إما أن تكون قائمة على رغبة الجنود الروس في ممارسة نهبهم الشخصي، كنظرائهم من عناصر الحرس الجمهوري السوري، وأسوة بالمافيا الروسية التي يحمونها، أو هي حادثة معدة مسبقًا، أشرف أو أعطى لافروف التعليمات لإخراجها، من أجل تقديم روسيا للسوريين والعالم أجمع بصورة جديدة، تمحي وقائع النهب والإجرام الروسي في سورية.

صورة يعتقد الدب الروسي بأنها قادرة على محو آثار قصفه، الذي أسفر حتى اليوم عن قتل آلاف المدنيين والأطفال والنساء السوريين داخل منازلهم، بذريعة مكافحة الإرهاب، كما يأمل في دفع السوريين إلى نسيان حيثيات الاتفاقات الموقعة مع الجانب السوري، والتي تظهر -كما أسلفنا- تخلي النظام السوري عن الحد الأدنى من السيادة الوطنية، في الوقت الذي يتخلى فيه عن ثروات وإمكانات سورية الطبيعية والجغرافية، وكأن الأسد وعصاباته التي كانت تحكم سورية بمثابة الوصي الشرعي لها، ويحق لهم التخلي عنها متى شاؤوا ولمن شاؤوا.

وهو ما يعيدنا بصورة دراماتيكية إلى تناقض جانبي، لكنه مهم في صورة التصدي الروسي لظاهرة التعفيش، والذي يختزل جانبًا من الجوانب العديدة التي دفعت السوريين إلى الثورة من أجل إسقاط نظام الأسد، الجانب الذي يكشف حقيقة النظام النهبية والتسلطية والجبروتية، التي تحول أي عنصر من عناصره، مهما صغرت مرتبته، إلى حاكم باسم الله أو الشيطان على سورية والسوريين، يستحل ما شاء من أملاكهم وأرزاقهم، ويعفشها متى شاء، من أجل الاستفادة المباشرة منها أو من أجل التربح من بيعها.

لقد تحولت سورية، في ظل هذا النظام، إلى ما يشبه الأدوات الكهربائية كالغسالة والبراد تمامًا، يعفشها عناصر النظام ذوي الرتب الصغيرة ويتربح منها قادتهم، بعد أن يتقاسموا الحصص والمناطق والتخصصات، فمنهم من يعفش البرادات ومنهم من يعفش النحاس ومنهم من يعفش الحقول النفطية، والقائمة تطول حتى تشمل كل شيء في سورية، وها نحن اليوم نعيش مرحلة نقل ملكية سورية من نظام الأسد وحاشيته الفاسدة، إلى ملكية المافيا الروسية، التي يحق لها الآن توزيع الأدوار وترتيبها وفقًا لرغباتها الشخصية دون قيد أو شرط. فهي وحدها من تسمح لشبيحة الأسد بتعفيش مخيم اليرموك اليوم وداريّا والسبينة في الماضي القريب، وهي وحدها من تملك صلاحية منع تعفيش ببيلا من قبل عناصر الحرس الجمهوري، والتي قد تمنح صلاحية تعفيشها إلى عناصر الفرقة الرابعة أو الجوية أو “حزب الله”، أو ربما إلى عناصر شركة (فاغنر) الخاصة.

سوف تكشف الأيام القليلة القادمة عن آلية النهب والتعفيش الروسية، وبالتالي سوف تكشف عن أدوار من سيبقى من العصابات الأسدية، فالتعفيش الروسي يتجاوز لهاث رعاع الأسد خلف مخلفات النحاس والألمنيوم المدفونة ضمن مخلفات المعارك الحربية، أو خلف أملاك السوريين البسطاء من برادات وغسالات وغرف نوم وباقي الأثاث المنزلي وأحيانًا الصناعي، فالتعفيش الروسي يستهدف نهب الثروات النفطية والباطنية السورية، دون أي استثناء، كما يستهدف التحكم في خط النقل والتصدير البحري عبر السيطرة على الموانئ السورية، وأخيرًا يستهدف نهب المال العام والخاص عبر التحكم وإدارة عملية إعمار سورية.

وعلى ذلك؛ لا بد من تجنب الترويج للدعاية الروسية المعنية من نشر صور إذلال الروس لجنود الأسد، رغم احتوائها على جزء بسيط من حقوق السوريين، لصالح تعميم صورة التواجد الروسي الحقيقية في سورية، والتي تظهر حجم التشابه والتطابق بين شبيحة وعناصر الأسد من جهة، وبين مرتزقة وعناصر روسيا من جهة أخرى، من حيث الإجرام والنهب والتسلط والجبروت، وإن اختلفوا من حيث تراتبية القوى والنفوذ والتحكم، وربما اختلفوا في قدرة الروس أو غيرهم من القوى المحتلة لسورية اليوم على تمويه إجرامهم وتعفيشهم الذي يطال كل بقعة من سورية.