سورية وسوق “الحرب على الإرهاب”

روى الصديق مصعب حمود، في تجربته عن السجون السورية، آليات صناعة الإرهاب داخل تلك السجون؛ حيث كان يُترك المجال لـ “دعاة” لكي يخطبوا بصغار المعتقلين، عن ابن تيمية والكفرة وضرورة قتل الكفار، ليخرج هؤلاء معبّئين بأيديولوجيا الكراهية المشبعة بسادية السجانين، ويضعوا خطواتهم على درب الإرهاب الطويل، إذ يتحدث مصعب عن معرفته باثنين انضموا فور خروجهم من المعتقل إلى “جبهة النصرة”، وقاتلوا في صفوفها.

إن طرق وأساليب النظام السوري باتت معروفة في هذا المجال، مذ سرّبت (ويكيليكس) عن مسؤول سوري قوله لمسؤول أميركي بما معناه: طريقتكم غير ناجعة في محاربة الإرهاب، أنتم تقتلون الإرهابيين فيما نحن نخترقهم ونوظفهم لحسابنا بطريقة أو بأخرى!

إن تأمّل الدروب التي سلكتها المسألة السورية يوضّح، بما لا يدع مجالًا للشك، دور النظام السوري في صناعة الإرهاب وتوليده واستغلاله لاحقًا، دون أن يقتصر الأمر عليه، بل يتشارك الأمر مع سلطات إقليمية ودولية، تتقاطع مصالحه معها حول الأمر.

ما كان للنظام السوري أن يتقن صناعة تلك البضاعة، لولا وجود مشترين كثر لها من جهة، ووجود صنّاع آخرين لها أيضًا من جهة أخرى، يبيعون ويشترون في تلك السوق، بحثًا عن مكاسب وأرباح، أي إننا إزاء سوق اسمها عمليًا “الحرب على الإرهاب”، تلك الحرب التي تولّد الإرهاب فيما تدعي محاربته، وتلك الحرب التي باتت تتقنها الأنظمة الاستبدادية لإعادة تأهيل نفسها، لإدراكها أن الجانب الأمني بات يحتل الهاجس الأكبر لصنّاع القرار العالميين، على حساب مسائل الديمقراطية والحرية وحقوق الإنسان التي ما عاد أحد يتحدث عنها، بعد سبع سنوات من ربيع العرب. أليس هذا أيضًا أحد أهداف هذه السوق: أن يطغى الحديث عن الأمن على حديث الحريات!

كما أن تأمّل خطاب السيسي وسياسة النظام المصري، منذ بدء التحضير للانتخابات الرئاسية، يبيّن لنا كيفية استخدام خطاب الإرهاب عبر اتهام كل مرشح ضد السيسي به (الإرهاب)، بعد أن كان سابقًا يقتصر على الإخوان. ولم يقف الأمر هنا، بل لاحظنا، سابقًا، أن “الحرب على الإرهاب” في سيناء تجددت مع الحملة الانتخابية للسيسي، وذلك بهدف رفع مستوى الخوف من انحدار الأمن عند المصريين، ليقبلوا بالسيسي؛ ما يعني أننا إزاء أنظمة باتت مستعدة لشن حرب ضد مدن بأكملها من أجل أن تفوز بالسلطة. والأمر نفسه يتكرر مع كل أزمة تواجه نظامًا ما، إذ نتذكر ظهور “شاكر العبسي” في مخيم نهر البارد، حين اشتد الضغط على نظام دمشق بعد اغتيال الحريري.

لكن من جهة أخرى، مَن هم صنّاع الإرهاب العالميون، وبالتالي شركاء الأنظمة الاستبدادية في منطقتنا؟

يكفي تأمّل المسار الذي أخذته سورية اليوم، لإدراك أن كل المستثمرين في الحرب على (داعش) كانوا في حقيقة الأمر، بطريقة أو بأخرى، صنّاعًا لـ (داعش) بهدف استغلالها، إذ كان لكل منهم “داعشه” التي يحركها بناء على ما تقتضيه مصالحه. مثلًا إن النظر إلى ما جرى في الغوطة الشرقية في سورية، يبيّن لنا آليات توظيف التطرف في خدمة الأهداف الروسية، إذ كان يكفي وجود عناصر من (داعش) أو جبهة النصرة أو تنظيمات جهادية (وهم الذين يتواجدون بدعم وتسهيل روسي غالبًا)، ليتم قصف الغوطة، لأنّ الهدف الأساس لروسيا إعادة الغوطة إلى “حضن الوطن”؛ ما يعني أننا إزاء لعبة تديرها روسيا من الطرفين: إطلاق الإرهابيين من جهة، ومحاربتهم من جهة أخرى، ليكونوا الأداة التي تبرر حربهم الوحشية تلك. الأمر نفسه تفعله واشنطن، التي منعت ووقفت بوجه تسليح القوى المعتدلة في الثورة السورية، حتى بعد أن بدأ خطر الإرهابيين يظهر في سورية، إذ كان المراد أن يعبر كل الإرهابيين إلى سورية، ليتم إعلان الحرب عليهم، وتتمكن واشنطن تحت إطار هذه الحرب من احتلال شمال سورية.

وراء هذا الأمر كان ثمة أجهزة إعلام ومراكز بحثية عملت على جعل خطر (داعش) أولًا، حين كان يراد تسليط الضوء على الأمر لأجل وأد التغيير وتخريب الثورات أولًا، وكي تكون (داعش) مطية لتحقيق مصالحهم. وحين هُزمت (داعش)، لاحظنا أن الحديث عنها اختفى من وسائل الإعلام ومراكز الأبحاث تلك، لأن تلك الدول حققت مصالحها وانتهى الأمر؛ فغاب الحديث عن الإرهاب و(داعش) وغيرها، لتبدأ أجندة أخرى؛ ما يبيّن لنا في نهاية المطاف أن خلف هذا الإرهاب الذي يظهر فجأة صنّاعًا مجرمين وقتَلة محترفين يديرون تلك السوق المسماة “الحرب على الإرهاب”، دون أن يعني ذلك أبدًا أن ليس لـ (داعش) جذور أو تربة حاضنة في بلادنا، فنحن نملك المنتج الخام الذي يتم تصنيعه والبناء عليه، للأسف.