نازحو الغوطة الشرقية والعودة إلى المجهول

في ظلّ توارد أنباء عن عودة عدد من أهالي الغوطة الشرقية إلى منازلهم، بعد مرور شهرين على تهجيرهم إثر حملة عسكرية شنها النظام بدعم من القوات الروسية، يبقى المشهد على الأرض ضبابيًا ويعكس صورة مغايرة للواقع.

بحسب معلومات ذكرتها الأمم المتحدة أول أمس الأربعاء، “عاد نحو 7000 مدني إلى منازلهم في الغوطة الشرقية، من المناطق التي نزحوا إليها”. داعيةً جميع الأطراف النشطة على الأرض إلى السماح للعائدين بحرية التنقل، وضمان عودتهم بأمن وكرامة.

المهندس أحمد طه، ممثل محافظة ريف دمشق، تحدث إلى (جيرون) قائلًا: “ليس لدينا تأكيدات حول عدد المدنيين العائدين. تمّ إدخال دفعتين من مخيم الإيواء في منطقة (الدوير) إلى مدينة دوما، وهم عائلات فقط (نساء وأطفال) دون وجود رجال أو شباب”.

أكد طه أن دخول أهالي الغوطة الشرقية من القاطنين في دمشق وضواحيها ممنوع حتى الآن. وأضاف: “الدخول يتم فقط بالواسطة وعبر دفع الرشى للحواجز. ووصلت قيمة هذه الرشى إلى نحو 50 ألف ليرة سورية للشخص الواحد. وهناك معلومات تفيد أن الرشوة التي يأخذها عناصر الحواجز عند مدينة حرستا، أرخص من تلك المتواجدة عند مدينة دوما”.

وبعيدًا من أعداد العائدين للغوطة الشرقية، تتوارد أنباء عن ارتكاب النظام لعدد من الانتهاكات كالاعتقالات والسرقات بحق الموجودين في المنطقة أو الراغبين في الدخول إليها.

محمد منير الفقير، الباحث في مركز (عمران) للدراسات، يرى أن الأخبار التي تتحدث عن انتهاكات النظام في الغوطة باتت عادية جدًا، ولا تحمل أي جديد. وأوضح في تصريح لـ (جيرون): “هناك ممارسات سيئة تتم على كافة المستويات، فاليوم لدينا معلومات عن اعتقالات كبيرة، يمكن تصنيفها إلى نوعية وعشوائية: النوعية تستهدف أشخاصًا محددين كان لهم دور خلال الثورة، أما العشوائية فيتم خلالها اعتقال عدد كبير من الناس، ثمّ يتم الإفراج عن الأشخاص غير المطلوبين”.

بالرغم من وجود الشرطة العسكرية الروسية، التي لعبت دور “الضامن” خلال اتفاقات التهجير، فإن الفقير يعتقد أن “التجاوزات والانتهاكات التي تشهدها الغوطة الشرقية حاليًا هي أمر متوقع؛ لأن الاتفاقات التي تم إبرامها لخروج المعارضة من المنطقة طُبخت على عجل”. وأضاف: “بعد شهر أو أكثر من المعارك وصمود الأهالي تحديدًا وليس الفصائل؛ تمّ الاتفاق على التفاوض الذي جرى خلال يوم واحد فقط. لذلك أعتقد أن قضية الضمانات والضامنين، ومراقبة الوضع الأمني، كانت هشة بل غير موجودة أصلًا؛ لأن الاتفاق كان فقط حول كيفية إخراج المقاتلين والناشطين، أما الأهالي الذين بقوا في الغوطة، فلم يكن هناك أي حديث عن ضمان أمنهم وحمايتهم”.

يرى الفقير أن هناك حالة من الاستهتار عند الروس بقضايا الأمن، وأشار إلى أن خريطة الغوطة الشرقية متداخلة من حيث السيطرة الأمنية؛ فهناك مناطق يكون فيها الروس أكثر سيطرة على الوضع الأمني من النظام، وأخرى تكون خالية نهائيًا من التواجد الروسي، مثل منطقة عربين الواقعة تحت سيطرة المخابرات الجوية والفرقة الرابعة و”حزب الله”.

وأوضح: “بالرغم من سيطرة الشرطة الروسية على بعض المناطق، فإن هناك انفلاتًا أمنيًا؛ فالمخابرات الجوية تدخل منطقة دوما التي يسيطر عليها الروس، ويعتقلون الشباب. وهذا معاكس تمامًا للبروباغندا التي يسوقها الإعلام الروسي، بأن هناك ممانعة ورفضًا لقيام النظام بحملات اعتقالات”.

يعتقد الفقير أن “الروس والنظام حققوا ما يريدونه، ولا يوجد أي شيء يلزمهم بعدم حدوث هذه الانتهاكات، والدليل هو حدوث اعتقالات بحق عدد من رؤساء المجالس المحلية في مدينة دوما وعين ترما. كما طالت الاعتقالات ثلاث مدرّسات فقط، لأنهن عملن في التدريس عندما كانت المنطقة تحت سيطرة المعارضة”.

ما يصل من معلومات، حول ما يحصل في الغوطة الشرقية حاليًا، شحيح جدًا؛ وذلك لأسباب أوضحها الناشط آرام الصالح خلال حديثه إلى (جيرون) قائلًا: “حاليًا، تأتي الأخبار من هناك بشكل صعب جدًا، وذلك بسبب سوء خدمة الإنترنت وخوف الناس من الحديث مع الصحفيين والناشطين في الخارج، نتيجة الكثافة الأمنية المهيمنة على المنطقة، حيث انقطعت أخبار عدد كبير من الناس الذين كنت على تواصل معهم. وهناك أشخاص لجؤوا إلى تغيير حساباتهم على مواقع التواصل الاجتماعي، فنحن كناشطين لا نسمع ولا نرى إلا ما تبثه وسائل إعلام النظام”.

أضاف الصالح: “سُمح في الفترة الأخيرة بزيارات لأهالي الغوطة الساكنين في دمشق لساعات محدودة، وقد روى لنا من دخلوا أنهم وجدوا صعوبة في معرفة معالم المنطقة وشوارعها، بسبب الدمار الكثيف، إضافة إلى سرقة أغلب بيوت المدنيين وإفراغها من محتوياتها”.

بخصوص ما بات يُعرف بظاهرة (التعفيش) قال الباحث الفقير:” تعرضت الغوطة بكاملها، خلال الأيام الأولى للسيطرة عليها، لعمليات سرقة ونهب، لكن وتيرتها تراجعت حاليًا، بسبب الانتقال إلى ما يمكن أن نسميه بـ (التعفيش الانتقائي)، حيث يقوم بعض المتعاونين مع النظام بإخبارهم عن بيوت محددة، ومن ثم يقوم الأمن السوري بسرقتها على مرأى جميع الناس”.

على الصعيد الإنساني، ذكرت الأمم المتحدة مؤخرًا أن الحالة الإنسانية داخل الغوطة الشرقية ما تزال مروّعة. وأن معظم الناس يعتمدون على المساعدات الإنسانية لتلبية احتياجاتهم. وأن هناك حاجة ماسة إلى تدخلات لتوفير المأوى وغير ذلك من المساعدات الإنسانية غير الغذائية لدعم العائدين ومن لم يغادروا الغوطة الشرقية.