في سورية: الطائفية تكتسب قيمتها من حاجة المأزوم إلى القوة

باتت الطائفية السياسية ظاهرة بادية للعيان في الواقع السوري، وربما بات الارتداد إلى الطائفة مسألةً قابلةً للمضي فيها، في كثير من مناحي الممارسة الحياتية، لا سيّما أن النظام بذل كثيرًا من الجهد في تعميم الطائفية، وإلصاق هذه التهمة بكل من خرج لإسقاطه، كما عمل مع مستشاريه الإيرانيين على إذكاء الروح الطائفية.

يقول أستاذ الاقتصاد عارف دليلة: “الطائفية ظاهرة اجتماعية مفتعلة لأسباب ومصالح اقتصادية وسياسية، وهي ليست من المنتجات الاجتماعية الموضوعية.. الطائفية المفعلة سلبيًا هي أحد مظاهر الأزمة الاقتصادية الاجتماعية السياسية، ولا وجود لها خارج الأزمة وأطرافها المأزومة، حيث لا حاجة إليها. كل من كان مأزومًا، قاهرًا أو مقهورًا، هو في حاجة إلى الاستقواء بأي شيء ليتدعم به، ليثبت وجوده اللاشرعي. فالطائفية لا تكتسب قيمتها من ذاتها، وإنما من خارجها، من حاجة المأزوم إلى تحويلها إلى قوة مادية لتحقيق أغراضه غير الشرعية”.

أضاف دليلة، خلال حديثه إلى (جيرون): “عندما تمثل السلطة قيادة عملية النهوض الاجتماعي العام؛ تختفي الطائفية كقيمة وكقوة خاصة، ولا يتمايز الناس فيما بينهم، كما بالنسبة إليها، إلا بقدراتهم على خدمة التقدم العام، هذا وهم يعملون لخدمة أنفسهم، ودون تناقض بين الاثنتين، وتتراجع إلى الخلف كل انتماءاتهم الأخرى، التي تكون بلا حاجة إليها. كانت مشروعية السلطة، المنعدمة شكليًا وقانونيًا من الأساس، بأمس الحاجة إلى التدعيم، ولكن السلطة لم تأبه لذلك، ولم تحاول ولا لحظة، على مدى عقود، تعويض هذا الانعدام من خلال إثبات وجودها اجتماعيًا، عبر تحقيق التقدم الاقتصادي الاجتماعي طلبًا للرضى العام، وعبر تكريس سيادة القانون والعدالة والمساواة بين الجميع، على أساسه في السراء والضراء، وفي تمكين الإنسان من الترقي والتفتح وحمل المسؤولية والمحاسبة عليها، وتوفير الحريات الضرورية لتحقيق ذلك”.

تابع: “السلطة العامة هي المسؤول الأول عن خلق الظروف المساعدة في انتشار الوعي الطائفي وانفجار الطائفية، والمساعدة للاستغلال الخارجي لها في تخريب الحياة الاجتماعية الوطنية، أو على العكس، عن حرمانها من مسببات الانفجار وحرمان الخارج المعادي من إمكانية استغلالها. كانت فئات أصحاب المصالح الخاصة، وكذلك القوى الخارجية ذات المصلحة في منع تقدم سورية، في حالة استنفار دائم للتخريب في الداخل السوري، ليس بالضرورة لتدمير السلطة الحاكمة، وإنما لتدمير سورية دولة واقتصادًا ومجتمعًا، كإمكانية معيقة لاستراتيجياتها التوسعية الإقليمية والعالمية، ولكن ما كان بإمكانها فعل ذلك، لو كانت الأرضية الداخلية غير مهيأة لاستقبالها وتوغلها”.

عدّ دليلة أن “التدخل الخارجي قام بزج الإمكانات الهائلة التي يمتلكها للمشاركة في صبّ الزيوت على النيران، للوصول إلى الغاية المرسومة، ألا وهي تدمير سورية بجميع الأسلحة الفعالة، ومن بينها سلاح الطائفية، ومن المهم جدًا التأكيد أن سلاح الطائفية فشل فشلًا ذريعًا في تحويل الصراع، بين السلطة وخصومها، من صراع مسلح بين متقاتلين إلى حرب أهلية بين طوائف اجتماعية. فلم يحدث صراع جماعي مسلح بين السكان لأسباب طائفية، في أي منطقة في سورية، على الرغم من الافتعال المريع عنفيًا والحشد الطائفي الهائل إعلاميًا”، ورأى أن “ما حدث من اصطدامات بين أفراد هنا أو هناك كان مخططًا ومفتعلًا، ولم يتجاوز حدود الصراعات الشخصية. أما على المستوى الجماعي العام، فعلى العكس، ازداد الاختلاط في معظم المناطق بين الناس من الطوائف المتعددة، بسبب عمليات النزوح والحراك السكاني المأساوي الضخم الناتج عن العمليات العسكرية التدميرية”.

من جهة ثانية، قال أستاذ علم الاجتماع والباحث الأردني فواز رطروط، في حديث إلى (جيرون): إن “الطائفية موجودة موضوعيًا، ويستغلها أصحاب المصالح لتحقيق أهدافهم، ولمنع المستعمرين وأصحاب المصالح الضيقة من اللعب بالورقة الطائفية، يجب التركيز على المواطنة، بوصفها العلاج السحري لعلل المجتمعات المتخلفة. نعم المواطنة أولًا”.

كما أكد المعارض السوري وليد كرداس أن “سورية بلد الطوائف والإثنيات، لكنها بلد الشعور الوطني والوحدة الوطنية، والحقيقة أننا نعتقد أن النظام السوري، منذ مجيء البعث، يحاول إذكاء الشعور الطائفي؛ للهيمنة على المجتمع والدولة في سورية، من قِبل بعض المجموعات في الجيش والدولة، ضمن ممارسات مفرطة في الاستعداء للدين؛ ما يثير الرد المعاكس من الطوائف الأخرى، عبر التركيز على بعض الطوائف في الجيش والأمن”.

أضاف لـ (جيرون) أن النظام “عمل على إذكاء الشعور الطائفي والممارسات الطائفية داخل سورية، واستعان بميليشيات طائفية، وبالمقابل حدث التدخل من الدول الإقليمية، عبر ردات فعل مغرقة في الطائفية، بذريعة مقاتلة الطائفية والإفراط والتطرف الديني داخل بلدانها، لكنها كانت تدعمه في سورية، لكنها لم تكن تقاتل ميليشيات النظام، ولم تواجه النظام، وإنما واجهت الحسّ الوطني والتشكيلات الوطنية، وواجهت الحراك الشعبي الوطني الديمقراطي الشعبي، والهدف الأساس من كل ذلك الطائفية والطائفية المقابلة، وساهمت أوروبا فيها في دعم (داعش) و(النصرة) وغيرها، مقابل الحراك الطائفي الشيعي من قبل الدول الأخرى، وما نراه هو مخطط دولي وإقليمي، والنظام جزء من هذا المخطط، و له الدور الأكبر”.

تابع: “لقد استخدم النظام السوري (لإذكاء الطائفية) المذابح المريعة التي قام بها ضد المدنيين والنساء والأطفال، في مناطق سورية.. ولعل استهداف بعض المناطق ذات الأغلبية السنية، وتحييد المناطق الأخرى، يشير إلى أن الطوائف محمية من النظام، وأن التطرف هو سمة الطائفة السنية، ويجب علينا قتالها، وكلنا يعلم أن (النصرة) و(داعش) لعبتا دورًا في دعم النظام وتسليمه المناطق التي قامت بالاستيلاء عليها، والهجوم على طائفة واحدة، وإظهارها بوجود فصائل متطرفة داخل تلك المناطق”.

أشار كرداس إلى أن هناك “تشكيلات وطنية تحاول إعادة انتاج ذاتها، تشكيلات جديدة تعمل وفق أطر ونظم جديدة لإحياء الحالة الوطنية في سورية والشتات، ولدعم الحراك الوطني، وإعادة الحراك الوطني للشعب وكافة السوريين داخل سورية، وإعادة العمل وإعادة تنظيم الأمور”.

أما الباحث السوري فراس مصري، فيرى أن “النظام السوري بدأ، منذ منتصف 2011، رفع شعار لا للطائفية، وكانت رسالة واضحة جدًا لطائفته بأن الثورة تستهدفهم، ومن أدوات إعادة إحيائها تسليط المرتزقة من طائفته، وإطلاق يدهم لاستهداف السنة تحديدًا، وهذا واضح من وسائل التواصل الاجتماعي، والنظام عبر هتافات وشعارات جنوده والميليشيات الشيعية ضد السنة، يشحن -بطريقة أو بأخرى- أهلَ السنة ضد الطائفة العلوية، حيث يريهم أن الظلم ليس ظلم مستبد بل ظلم عشيرة وطائفة”.

عدّ مصري، خلال حديثه مع (جيرون)، أن “التباكي لمصلحة الأقليات في المحافل الدولية يشجع على فرض الدول أجندة تقسيمية طائفية على غرار لبنان، بحيث نسمع تصريحات من قبيل بقاء الجيش بيد الأقلية، وتوزيع المناصب على غرار العراق أو لبنان، ولا أعتقد أن موجة التجييش الطائفي ستنتهي مع التسوية السياسية وانتهاء الحرب، فقد أصبحت جزءًا من ضمير منتسبي أغلب الطوائف والأعراق، وفي ضمير الأكثرية السنية”.