مقالات الرأي

الفوضى الخلاقة مرة أخرى

ظهر مصطلح “الفوضى الخلاقة” أول مرة في كتابات المؤرخ الأميركي تاير ماهان عام 1902، وبعد مئة عام تقريبًا، عاد للظهور والتطور إثرَ أحداث أيلول/ سبتمبر عام 2001، على يد مايكل ليدين ليأخذَ اسم الفوضى البنّاءة أو الهدم البنّاء.
لقد كانت الظروف العامة مناسبة لنشوء هذا التطرف الفكري ونموه، فحالة النشوة الأميركية بسقوط الاتحاد السوفيتي قبل عقد من الزمن، وما ولّده من فراغٍ كبيرٍ ترَكَه غياب قطبٍ تشاركَ الهيمنة نصف قرن على الساحة الدولية، وضرورة وجود عدو افتراضي كطواحين الهواء التي طالما حاربها ألفونسو سيرفانتس بسيف فارسه المهووس دون كيشوت، ورخاوة منطقة الشرق الأوسط المحكومة بالديكتاتوريات العسكرية والملكيات الأوليغارشية المفتوحة على احتمالات العبث وإعادة التشكيل، مهّدت لتصعيد صامويل هنتغتون من نظرته الفوقية لشكل العلاقة بين الغرب والشرق، حتى لدرجة ما بين الشمال والجنوب، في نظريته “صراع الحضارات”.
تمثّل التجسيد السياسي لهذا التراكم النظري وفائض الإحساس بالقوة والتفوق في تبنّي وزيرة الخارجية الأميركية، ومستشارة الأمن القومي قبلها كونداليزا رايس، لمفهوم “الفوضى الخلاقة”، كوسيلة لتغيير الشرق الأوسط وإعادة بنائه من جديد، تحت عناوين نشر الديمقراطية كهدية لشعوب المنطقة.
قامت الفكرة أساسًا على اعتبار أن العبث أو التدمير طريقٌ مناسبٌ لبدء عمليات التغيير في هذه المنطقة، فبعد قلب أنظمة الحكم الدكتاتورية بالقوة؛ يمكن مساعدة الشعوب على بدء مسيرة “البناء الديمقراطي” من جديد، بإرشاد ورعاية القيادة الجديدة المنفردة للعالم الحر.
وتتويجًا لهذا الفكر، بدأت الحرب على أفغانستان، وتبعتها الحرب على العراق، وكادت أن تكون سورية ثالثةُ الأثافي؛ لولا أن تدخّل رئيس الوزراء الإسرائيلي في ذلك الوقت أريئيل شارون لدى الإدارة الأميركية طالبًا تغيير “سلوك النظام السوري” لا تغيير النظام ذاته.
راوحت المنطقة من بعد ذلك في صراعات بينية وداخلية، كان من نتيجتها اغتيال رئيس الوزراء اللبناني الأسبق رفيق الحريري، وانتفاضة الأرز التي فجّرها اللبنانيون الأحرار في وجه وصاية النظام الأمني السوري إثر ذلك، وخروج الجيش السوري ذليلًا من لبنان، وحرب تموز/ يوليو من عام 2006، وسيطرة إيران على مقاليد الحكم في العراق، من خلال مندوبها نوري المالكي.
بقي الحال على ما هو عليه إلى أن جاء ربيع طهران القصير، وانتفاضة الشباب بوجه نظام الملالي، فكان فاتحة عهدٍ جديدٍ من التغييرات اللامتوقّعة في المنطقة العربية ومحيطها. وعلى الرغم من أن النظام الإيراني كان قد استطاع إخماد ربيع طهران، فإنّ النار شبت هذه المرة من تونس، وتبعتها مصر ثم ليبيا واليمن، وأخيرًا جاء دور سورية.
كانت مجمل الظروف المحيطة تدعو إلى الثورة على أنظمةٍ استبداديةٍ، فشلت في ميادين الاقتصاد والتنمية والبناء، فاستثمرت في تفتيت الأوطان دينيًا وطائفيًا وقوميًا، فكان مُنتجُها الوحيد العنف العاري المنفلت من أي ضوابط.
حسب دراسات العديد من مراكز البحث الرصينة، ومقالات الصحف العالمية الكبرى، واعترافات بعض أجهزة الاستخبارات الغربية؛ كان الربيع العربي مفاجئًا للجميع، فلم يكن في الحسبان أن يتحول هذا السبات العميق لشعوب المنطقة إلى بركانٍ ثائرٍ هدّار.
لم يكن لتونس هذا الثقل في المنطقة من جهة، وكانت قد أنهت سريعًا المسألة، بهروب بن علي وباصطفاف الجيش الوطني مع الناس من جهة ثانية، فكان مسار الأحداث شبه مميّزٍ ومستقلٍ في تلك البلاد الخضراء، عمّا سواها من البلدان العربية التي اكتوت بنيران التدخلات الخارجية بشكلٍ فاقعٍ وقاتل.
تخبّطَت بداية سياسة الإدارة الأميركية في تعاملها مع ثورة مصر، لكن سرعان ما حسمت أمرها بالتضحية بحليفها الديكتاتور، مقابل الإبقاء على النظام العسكري والدولة العميقة المرتبطة عضويًا بأميركا و”إسرائيل”، منذ معاهدة كامب ديفيد.
في ليبيا، سارت الأمور -أميركيًا- وفق مبدأ “القيادة من الخلف”؛ فكان الأوروبيون رأس الحربة في إنهاء القذافي كشخصٍ إشكالي وتفكيك نظامه العجائبي، وبعدها دخلت البلاد في صراع القبائل والمصالح الجهوية والفئوية.
في اليمن السعيد، تمّ إسناد الأمر إلى الشقيق الأكبر؛ فدخل البلد في موجة العنف التي ما فتئت تكبر ككرة الثلج، بعد أن كان أهله قاب قوسين أو أدنى من إنهاء احتكار علي عبد الله صالح للحكم.
عقدة المنشار كانت –وما زالت- في سورية، في هذا البلد المسوّر بالحديد والنار المتدثر بعباءة المقاومة والممانعة المهترئة، فهنا تعارض الغضب الشعبي المنفجر مع المصالح الإقليمية والدولية في المنطقة، فلا مصلحة لأحد في انتصار موجة التغيير الديمقراطي في المنطقة عمومًا، وفي سورية خصوصًا، والمسألة لا تتعلق بعدالة المطلب أو بأحقيته، فالموضوع مختلف كلّيةً والأولويات متنافرة تمامًا، إنها المصالح والتوازنات المرسومة بدقّةٍ منذ عقود.
قد يتراءى للناظر سريعًا أن لا سياسة أميركية في منطقة الشرق الأوسط عمومًا، وفي سورية خصوصًا، ويعزّز وجهةَ النظر هذه حالةُ التردد التي وسمتْ عهدَ الرئيس الأميركي باراك أوباما، خلالَ ثمان سنوات قضاها يرسم خطوطًا حمراء ويمحوها، ويضع حدودًا للأسد ويقفز عنها، لكن الأمر في العمق يبدو غير ذلك.
هل كان عبثًا حلّ الجيش العراقي وتسريح آلاف الضباط وصف الضباط والجنود بعد احتلال العراق؟ هل كان قانون اجتثاث البعث الذي صدر عن سلطة الائتلاف المؤقتة، برئاسة بول بريمر بتاريخ 16 نيسان/ أبريل 2003، مجرّد صدفةٍ أو خطأ في التقدير ارتكبه الحاكم بأمر أميركا؟ هل كان القفز على نتائج الانتخابات البرلمانية العراقية عام 2010 التي فازت بها القائمة العراقية برئاسة إياد علّاوي خرّيج جامعة لندن، وإحلال نوري المالكي خريج معاهد قُم مصادفة؟
الوضع نفسُه كان يجري في لبنان من غضّ الطرف عن تمدّد النفوذ الإيراني، عبر الوكيل المحلي (حزب الله) الذي ملأ الفراغ الناتج عن انسحاب الجيش السوري، كذلك كان الوضع في غزّة شبيهًا بالوضع في لبنان إلى حدٍّ ما.
يقودنا هذا التحليل، ضمن سياق تسلسل الأحداث المذكور آنفًا، إلى تصور وجود سياسةٍ واضحةٍ في أدراج الإدارة الأمريكية، تنفّذها الأحزاب المتعاقبة على الحكم بكل دقة وهدوء.
تعمل هذه السياسة ما في وسعها للإبقاء على رحى الحرب دائرة ونار الصراع مشتعلة، في كل بلدٍ على حدة، وفي ما بين البلدان المتجاورة، وهذا الأمر ليس عبثًا لمجرد العبث، بل هو تصريف لفائض السلاح المُصنّع، واستثمارٌ في خوف الحكام من الديمقراطية، وفي خوف العرب من المشروع الفارسي، وفي خوف الفُرس من المشرع التركي، وفي خوف الترك من حلم الدولة الكردية، وفي رهبة الجميع من المارد التكنولوجي الإسرائيلي.
تتعدّى المسألة نظرية المؤامرة المحببةَ إلى عقول شعوب المنطقة من كافة الشرائح الثقافية، لتصل إلى ساحة الفعل والتنفيذ الذي نلمس نتائجه المباشرة لمس اليد، يومًا بعد يوم.
هذا لا يعني بتاتًا أن أميركا كلّية القدرة مطلقة الإرادة، تفعل ما تشاء وأنّى تشاء، بالتأكيد هناك فاعلون أساسيون أُخر، وهناك عوامل متشابكة ومعقدة كثيرة تدخل في صنع وتشكيل مصاير المنطقة وأهلها، وأهمُّ الفاعلين شعوب المنطقة التي ثارت في لحظة غضب قد تتكرر رغم المآسي التي جلبتها عليها ثورتها السابقة.
يبقى أن نقول إن إرادة الشعوب التي ما فتئ الشعراء يتغنّون بانتصارها في نهاية المطاف، باتت بلا حولٍ ولا قوة، كما باتت الشعوب ذاتها كالأيتام على موائد اللئام، تنتظر الفرج الذي سيأتي على ما يبدو عندما تتحقّق نبوءة والدي كرونوس، بقدوم ولدٍ من صُلبه ينتزع الحكم من بين يديه، وبانتظار زيوس المُخلّص يبقى الأمل حاضرًا في القلوب والمُقل.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

إغلاق