مقالات الرأي

“ضيعة ضايعة”

في منتصف الطريق الجبلي، بين مدينة ماردين التركية ودير الزعفران السرياني، تقع قرية، نصف بيوتها مهدم، والنصف الآخر بناؤه قديم، من حيث نمط العمارة، وبعض البيوت الحديثة نسبيًا. في المرتين اللتين عبرنا فيهما القرية التي تحمل لوحة التعريف بها اسم “أسكيكالي”، وترجمته “القلعة القديمة أو قلعة أسك”، أما اسمها القديم فهو “قلعة البنات”. في عام 1915 كان يسكنها، حسب أحد المصادر، نحو مئة عائلة سريانية، وسكانها الآن بالكامل من الأكراد. طلبت من صديقي السائق، وهو أستاذ جامعي من أصول كردية سورية، التوقف لالتقاط بعض الصور. عثرت أثناء السير غير السريع، على كائنين حيين؛ هما دجاجة وديك فقط، ورأيت بعض قناطر البيوت التي تدل على العمارة السريانية، وعلى كنيسة في حالة جيدة في أعلى القرية، يحيط بها سور لحمايتها، ربما من عبث الأطفال، يقابلها جامع حديث البناء من حيث الأسلوب.

حاولتُ تخيل القرية قبل وصول الطريق إليها، والعزلة التي كانت تعيشها، وتذكرت، قبل الوصل إلى ماردين، المسلسل السوري “ضيعة ضايعة”، الذي رأيت بعض حلقاته، وأحزنتني، رغم المفارقات المضحكة، أو ربما لأنها مأساوية بقالب مضحك. فكونها “ضائعة” لم تستطع الهرب من “السلطة المستبدة” متمثلة في المخفر، ومن الناس الذين يصفقون للاستبداد ويتعاملون معه، ومن البسطاء الذين يدفعون الثمن الكبير نتيجة صمتهم وقبولهم بالأمر الواقع.

وكون صفة “ضائعة” هنا قد جاءت بعد كلمة “ضيعة”، فهذا لا يعني أنه لا توجد مدن ضائعة كحلب وحمص مثلًا، أو مئات القرى التي قام “نظام الاستبداد” بتدميرها، بعد أن عجز عن “محيها” من الخريطة السورية، بل، لقد برهنت سبع سنوات من الدم السوري، أن بلدًا كاملًا كسورية، يمكن تصنيفه ضمن البلدان “الضايعة”، لأن الدول التي تدعي حماية حقوق الإنسان، وعلى رأسها حق الحياة، لم تستطع رؤية ما جرى ويجري في بلد “ضائع”، يموت فيه كل يوم العشرات قتلًا، بشكل مباشر بالأسلحة التقليدية، أو بالأسلحة الكيمياوية، أو الأسلحة الأكثر “حداثة” وهي البراميل المتفجرة، أو القنابل البشرية. كان الخوف من عبور فكرة “الحرية” السورية الحدود، قد أصاب الآخرين؛ كل الآخرين بالخوف والعمى والطرش.

قبل مئة عام، لم تستطع قرية “قلعة البنات” السريانية الضائعة في جبال ماردين، البقاء في الزمن “الضائع”، رغم أن الوصول إليها، في ذلك الزمن، كان يحتاج إلى بغال مدربة أو حمير قوية، تحمل المشتريات من طعام وسلاح، فالرصاصة أو السكين، كانت قد نقلت القرية من الزمن “المنسي” إلى عصر “الحداثة”، الذي أدى إلى تهجير من بقي حيًّا من سكانها إلى سورية، وتعرّف السوريون بعدها إلى لهجة عربية جديدة اسمها “الماردينلية” نسبة إلى ماردين المدينة أو المنطقة.

بعد مئة عام تقريبًا، أعاد الاستبداد تهجير الناس، من مدنهم وقراهم، بعد أن فشل في ترويضهم، ولكن هذه المرة لم يتركهم ينتقلون مشيًا على الأقدام، ليس حبًا بسلامتهم، وإنما للتأكد من عدم تسربهم إلى مناطق “سورية الآمنة”، التي يهمه أن تبقى “مستقرة”، تصفق للمذبحة التي يقوم بها، لذلك تمّ نقل الناس بباصات فخمة ومكيفة، وقبل ذلك كان قد هجّر نصف سكان سورية. وكان نصيب تركيا منهم نحو ثلاثة ملايين، وصل بعضهم إلى ماردين واستقر فيها.

ما أريد الإشارة إليه أن التهجير يعني أن آخرين سيأتون، فحسب نظرية الأواني المستطرقة، لا بدّ من ملء الفراغ، في مثال قرية “قلعة البنات” السريانية، كان القادم كرديًا، في الغوطتين الشرقية والغربية، وأماكن أخرى، قد يكون القادم سوريًا آخر أو إيرانيًا أو عراقيًا، أو أي شخص آخر يبحث عن بيت وأرض من دون أن يدفع ثمنهما بشكل مباشر، أو قد تكون هي مكافأته عن خدماته للمستبد، وسيبقى، ربما، إلى أن تتراكم من جديد أسباب تدعو إلى تهجيره أو تهجير أمثاله إلى أماكن أو بلدان جديدة.

في نهاية الدرس، قد يذهب الوطن وتبقى الذاكرة والذكريات، كحالة تعويض عن الوطن والأرض والبيت والأصدقاء، وكل شيء قبل التهجير. ولكن من شبه المؤكد، وآمل أن أكون مخطئًا، أن الغالبية من المهجرين لن تتاح لهم العودة إلى أمكنتهم القديمة، التي تتحول إلى مجرد ذكريات، وذاكرة تشيخ مع الزمن.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

إغلاق