تحذيرات دي ميستورا

في إفادته أمام مجلس الأمن الدولي، حول تطورات الوضع في سورية، قدّم ممثل الأمين العام إلى سورية ستيفان دي ميستورا تحذيراته للمجتمع الدولي، من تكرار سيناريو الغوطة الشرقية، في مناطق الشمال السوري، وتحديدًا في مدينة إدلب.

تأتي إفادة المبعوث الدولي، بعد يوم واحد من انتهاء جولة أستانا التاسعة، التي يفترض أن يكون نقاشها عن تثبيت مناطق “خفض التصعيد” لا التحذير من مخاطر قادمة على مناطق أخرى. على أي حال، قال المسؤول الأممي: “إذا شهدنا سيناريو الغوطة الشرقية يتكرر مرة أخرى في إدلب؛ فسوف يكون الوضع أسوأ ست مرات لأكثر من 2.3 مليون شخص، نصفهم من النازحين داخليًا”.

يُقدّم دي ميستورا تحذيراته لأعضاء مجلس الأمن، عقب انتهاء جولة أستانا، التي شارك فيها مبعوثًا عن المجتمع الدولي، وقد فاته أن تلك التحذيرات لم تمنع تهجير ملايين السوريين، حين كانت تُطلق منذ سبعة أعوام؛ لأنها لم تحدد المسؤول، ولم تقم على محاصرة النظام ومحاكمته على جرائمه، ولم تقدم التحذيرات، تهديدًا قويًا وحاسمًا يلجم جرائم الأسد.

اللغة السياسية المستخدمة مع النظام، إضافة إلى الخطوات الأخرى، جعلته يحظى بحرية متابعة الجريمة؛ إذ لم يخبر دي ميستورا أعضاء مجلس الأمن بأن سيناريوهات النظام، التي اتُّبعت في كل المناطق، هي جرائم حرب، يجب الوقوف أمامها، وتقديم رأس النظام للعدالة الدولية، على الأقل حتى لا تتكرر جرائم الإبادة والتهجير.

الملفت في تحذير دي ميستورا أنه يستند إلى معلومات، من الممكن أن تكون قدّمت له من الجانب الروسي أو التركي، لمستقبل منطقة إدلب المشمولة بخفض التصعيد، والتي يتعرض ريفها -يوميًا- لعشرات الغارات. بمعنى أن بيان جولة أستانا الأخير أكّد على “استمرار عمل مناطق خفض التصعيد وحمايتها، وحماية نظام وقف إطلاق النار في سورية”. كلام نظري تبدده مخاوف دي ميستورا وتحذيراته، لأن كل مناطق خفض التصعيد تمّ الانقلاب عليها بالتدمير والتهجير، وبقيت الكتلة الأضخم في الشمال السوري (إدلب) التي تتجه الأنظار إليها، من النظام والدول الضامنة لاتفاق خفض التصعيد.

تلك معضلة دي ميستورا، ومن خلفه المجتمع الدولي والنظام وحلفاؤه؛ إذ كيف سيتم التعامل مع مئات آلاف من السوريين الذين تمّ نفيهم وتهجيرهم إلى هذه المنطقة، وهم بالأساس، من وجهة نظر النظام، “إرهابيون تمّ التخلص منهم”، لذلك تبقى التحذيرات غير ملائمة لتطوارت الوضع على الأرض التي تسير بعيدًا من كل التحذيرات، والمخاطر والجرائم هي واقعة بالفعل على الأرض.

وعلى ذلك؛ يجري تسخين ريف إدلب، من خلال تكثيف الغارات، لاختبارات عدة: أولها أن سلسلة الجرائم من جنوب سورية إلى شمالها، تكللت بنجاح تام وبصمت دولي، وقد شهد عليها دي ميستورا نفسه الذي افتقدت القضية السورية في ولايته أبسط معانيها في المحافل الدولية.

من العرض السابق لتحذيرات المجتمع الدولي، للقضايا الإنسانية وللجرائم التي وقعت، يتضح أن تقويم وضع الحدث في سورية، في إطاره العام والأكثر شمولًا، يتميز بأنه لم يقتصر فقط على كشف زيف الادعاءات والتحذيرات، وإنشاء لجان دولية ودعوات لكشف مسببي الجرائم، بل أضيفَ إليه عرض متميز، يقدمه دي ميستورا في تحذيراته اليوم، من أن هناك أكثر من 2 مليون في إدلب تمّ تهجيرهم، وبلغة الأمم المتحدة والقانون الدولي: تمّ ارتكاب جرائم بحقهم. ويجري التحضير اليوم لجريمة أخرى، يحذر منها المبعوث الدولي.

لم تتضمن كلمة دي ميستورا أي محاولة جدية لتوجيه إصبع الاتهام للمجرم الذي قام بارتكاب معظم الجرائم، بطائرات ودبابات وسلاح كيمياوي وغيره، بل يمكن تلمس رؤية كلية لوضع المجرم في دمشق المتأهب دومًا لمتابعة الجريمة، من مختلف جوانب الخبرة التي ميزت سلوك الأسد تجاه السوريين، ولن تكون إدلب آخر شواهدها، كما يحذر دي ميستورا، الذي شهد ما حصل في الغوطة وحلب وحمص وحماة وجنوب دمشق، ولم يحذر من استمرار وجود المجرم الذي يمضي في تنفيذ جرائمه.