أدب وفنون

قلت لك: إن المقابر بعيدة يا أبي

في ظل الوحشة زرعت شجرة

هناك على مقربة من باب الربّ غنيت لها حتى نامت

حفظت من أجلها الحكايا حتى كبرت..

ثم بكيت

بكيت طويلًا بالقرب منها

حتى شاخت.

لست طيبة كما يعتقد الجميع

أنا شريرة جدًا، عندما يتعلق الأمر بالأصوات المرعبة التي تنبعث من الثلاجة في الثالثة صباحًا، عندما تختلط بشكل لا إرادي بغراب أسود، يحاول الخروج من بطني على هيئة رجل.

لست طيبة إطلاقًا، عندما يتعلق الأمر بنملة على بلاط المطبخ، تنقل الحب في الثالثة صباحًا للطرف الآخر من الكون.

عندما تجتمع حياتي كلها في لحظة هائلة، تبحث عن قبر تدفن فيه وجهي لتستريح،

لست طيبة.

لست طيبة إطلاقًا، عندما يتعلق الأمر بالأموات وابتساماتهم الرائعة..

بعيونهم المفتوحة ورائحة ماء الورد المنبعثة من جثثهم الطيبة.

قلت لك إن المقابر بعيدة جدًا يا أبي

ولا سكاكر لدي أرشها على روحك.

مذ رحلت لم يطلب مني أحد ان أغطي قلبي جيدًا قبل أن أنام.

لم ينبهني أحد لصوت الحمامات التي لا تكف عن الطيران في رئتي، مصدرة أنينًا حزينًا بعد موجة سعال حادة تنتهي بكلمة آخ “يابو”.

لم يفكر رجل واحد على وجه هذا الكوكب أن يضع يده على شعري، ويمسح وجه العصافير التي تبكي بالقرب من نافذتي كل مساء.

لم يشعر كائن بألم تلك الطفلة التي تصرخ في روحي، وإن فعل ينسَ بسرعة لمجرد أن تطير سنونوة حزينة من على عنقي المكسور.

ثم يلحق الفراشات على صدري وقطرات المطر على ظهري.

يركض كطفل أعمى ليصيد أسماك حمراء تسبح ضد الحرب في دمي، ويحاول ينسى أن جسدي مجرد مشنقة.

مذ رحلت،

لم يحاول أحد على وجه هذا الكوكب المسرع أن يتمهل، ولو للحظة، وينظر إلى الأقبية الصفراء التي تتفتح في بداية الشتاء على أطراف أصابعي..

أن يفك أساور الوحدة الكثيرة التي لا تكف عن بناء أعشاش للعشاق المتسولين والنساء العاجزات بعد منتصف الليل، تحت أظافري.

لم يجرؤ رجل..

رجل واحد أن يفتح سرتي ويطير كل الحيتان القابعة هناك..

أن يقطع ذلك الحبل الذي ربطته أمي بإصبع قدمها الكبير، حين سرقها الخبز، ونسيت أن تهز مهدي.

مذ رحلتَ حتى اللحظة، لم ألتقِ برجل واحد يستطيع أن يحملني على كتفيه

أن يكون أبي لحظة واحدة.

أن يغني لي

أن يغطيني

حتى تتوقف هذه المجزرة

قلت لك قبرك بعيد

بعيد جدًا “يابو”، ولا سكاكر لدي أرشها على روحك

ليس لدي سوى قلب

في ظل الوحشة زرعته

هناك على مقربة من باب الرب

غنيت له حتى نام

حفظت من أجله الحكايا

حتى كبر

ثم بكيت

بكيت طويلًا بالقرب منه

حتى شاخ

سرق المفتاح الذي يقودني إلى البيت، وغاب

غاب.

********

 

*اللوحة للفنان السوري دلدار فلمز

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

إغلاق