مقالات الرأي

في ذكرى النكبة الـ 70 أيضًا

لا تحجب نكبة الفلسطينيين نكبة السوريين، والعكس صحيح، إذ لا توجد جريمة تغطي على أخرى، أو تبرر أخرى، أو تقلل من شأنها، تمامًا مثلما لا يوجد مجرم يضفي نوعًا من الأخلاقية على مجرم آخر، والدليل على ذلك قيام “إسرائيل” ذاتها بارتكاب مجزرةٍ ذهب ضحيتها عشرات الشبان الفلسطينيين في غزة، في الأيام الماضية، فقط لقيامهم بالتعبير عن ذاتهم، وعن حقهم في العودة، بطريقة سلمية.

الفكرة هنا أن الأهوال التي يعيشها السوريون منذ سنوات، على وحشيتها وبشاعتها، لا تمنح “إسرائيل” صكّ براءة من الجرائم والمجازر التي ارتكبتها بحق الفلسطينيين، حين إقامتها، في سبيل طردهم من بيوتهم وأراضيهم ووطنهم، والتي نجم عنها تشريدهم في أصقاع الدنيا، وتمزيق مجتمعهم، وحرمانهم من هويتهم، علمًا أن المقارنة هنا لا تتعلق بالعدد ونوعية الأسلحة المستخدمة، إذ إن الجريمة جريمة، مهما كانت كبيرة أو صغيرة، وأيًا كان السلاح المستخدم في ارتكابها.

المعنى أن جريمة النظام السوري المضاعفة تكمن في أنه يقتل شعبَه، ومَن يفترض أنهم مواطنوه، في حين تمثل “إسرائيل” مشروعًا استعماريًا استيطانيًا وعنصريًا في المنطقة، يتطلب إزاحة شعب آخر، من الزمان والمكان والرموز، هو الشعب الفلسطيني. بَيد أن القاسم بين القضيتين أن الفلسطينيين والسوريين هم ضحايا، وأن الطرفين يستحقان الحرية والحقيقة والمواطنة والعدالة، إذ هذه القضايا حق مشروع لكل إنسان، ولكل الشعوب، ولا يمكن الاشتراط عليها، أو وضع حق شعب في مواجهة حق شعب آخر.

بالنسبة إلى “إسرائيل”، بالرغم من مرور سبعة عقود على إقامتها، وليس قيامها، فإن هذه الدولة المصطنعة ما زالت تشتغل على أساس الحفاظ على طبيعتها كدولة استعمارية واستيطانية وعنصرية وأيديولوجية – دينية، رغم كل التغيرات داخلها وفي المنطقة والعالم؛ ما يفسر إصرارها، اليوم، على الاعتراف بها كدولة يهودية، ناهيك عن التناقض الكامن في ذلك بين اعتبارها ذاتها دولة ديمقراطية ويهودية، في آن معًا. أيضًا، فإن هذه المطالبة تكشف القلق أو الضعف الوجودي، في إدراكات “إسرائيل” لذاتها كدولة غير طبيعية، أو كنبت غريب، في المنطقة رغم قوتها الظاهرة من مختلف النواحي. ويستنتج من ذلك أن فكرة “إسرائيل” -على قوتها ومستوى تطورها كدولة وكمجتمع- ما زالت موضع شكّ، من الناحية الواقعية، ومن الناحية الأخلاقية أيضًا. ومثلًا، فهي لم تحلّ المسألة اليهودية داخلها، إذ لم تصبح دولة يهودية خالصة؛ ما يجعلها في مأزق إزاء تعريف ذاتها بأنها دولة يهودية وديمقراطية، كذلك فهي لم تستطع تجميع أغلبية يهود العالم فيها، وفوق هذا وذاك، فقد نجم عنها أربعة مسائل: الإسرائيلية، أي في مواجهة اليهودية، والفلسطينية التي تخص شعب فلسطين، والعربية أي علاقتها العدائية أو الضدية بالعالم العربي، وموقعها إزاء العالم.

في الغضون، يُفترض أن لا نغفل، أيضًا، الحقيقة الموجعة وهي أن “إسرائيل” مدينة بوجودها للنظام الرسمي العربي، وتهميشه المجتمعات العربية وجعلها في حالة فوات تاريخي، هذا أولًا. ثانيًا، إنها مدينة لإدراكاتنا المتخلفة لواقعها وللعالم وضمنه طريقتنا المتخلفة، الحماسية والشعاراتية والمقاومجية في مقاومتها.

ولعل ما يفترض إدراكه في الذكرى الـ 70 للنكبة، أيضًا، أن لا شيء في إقامة “إسرائيل” في فلسطين، وعلى حساب شعبها يدعو للتصالح معها، أي مع ادعاءات حقها في الوجود، أو القبول بروايتها، لا شيء البتة، لا جبروتها ولا المعطيات الدولية والعربية المواتية لها ولا أحوال الفلسطينيين المأساوية؛ لأن هذه الدولة ما زالت تصرّ على اعتبار ذاتها دولة استعمارية واستيطانية وعنصرية ويهودية لكل يهود العالم.

من جانب آخر، إن النكبة بالنسبة إلى الفلسطينيين ليست فقط شأنًا عامًا ولا سلب أرض وأملاك، إنها -فوق هذين- شأن شخصي، إذ انتزعَت من الفلسطيني معنى حياته، وحوّلته إلى مجرد شخص لاجئ، أو رقم أو حالة أمنية أو سياسية، ما نجم عنه حالة القلق الوجودي المزمن، بالنسبة إلى الفلسطيني.

وبمعنى أكثر تحديدًا: للنكبة الفلسطينية وجهان: واحد ناجم عن قيام “إسرائيل”، وآخر ناجم عن الأنظمة العربية، التي أسهمت في تأبيد نكبة الفلسطينيين، والتنكيل بهم ومرمطة عيشهم، وفي دفع يهود البلدان العربية للهجرة إلى “إسرائيل”، رغم أنهم لم يفعلوها من قبل، أي قبل إقامة “إسرائيل”.

ثمة في هذا الإطار أساطير عاشت في الواقع العربي، منها، مثلًا، أسطورة “الضيافة” العربية، وقد اختبر العراقيون، ثم السوريون، مرارة هذه الأسطورة والخواء والزيف فيها، وضمن ذلك أسطورة الجيوش العربية السبع التي أتت للدفاع عن فلسطين، فهذه الجيوش لم يصل تعدادها إلى نصف عدد المجندين في الجماعات الصهيونية المسلحة، من مجتمع المستوطنين اليهود الذي كان تعداده آنذاك نحو 650 ألفًا. وفي الواقع فإن هذه الأكذوبة جاءت للتغطية على تواطؤ النظم العربية وتبييض صفحتها، والأنكى أن “إسرائيل” نفخت فيها كي تظهر نفسها بمظهر الضحية، وأيضًا كي تدعي “البطولة”، أو تدعي أنها ضحية لمحيط عربي، يستهدف إلقاءها في البحر.

الآن، في الحديث عن النكبات، الفلسطينية والسورية والعراقية، لا بدّ من استنباط الدروس المناسبة، وطالما أننا نعيش حال الإنكار والانفصام عن الواقع، والعيش في الماضي، ورفض نقد الذات، على صعيد أنظمتنا وكياناتنا السياسية، حتى على صعيدنا الشخصي؛ فسنبقى في مكاننا.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً

إغلاق
إغلاق