الانتخابات النيابية واستحقاقات المرحلة القادمة

حين حلّ موعد الانتخابات النيابية في لبنان عام 2013، كان “حزب الله” يمارس سياسة الثلث المعطل في المجلس النيابي؛ ما حدا بالمجلس العاجز عن انتخاب رئيس للبنان، والرافض لتغيير قانون الانتخابات، إلى أن يمدد لنفسه خمس سنوات إضافية، انتهت بعد تغيير القانون السابق، بإجراء الانتخابات النيابية المؤجلة في السادس من أيار/ مايو 2018، بنسبة مشاركة دون خمسين بالمئة.

قانون الانتخابات الجديد اعتمد لأول مرة في لبنان نظام النسبية المطلقة، والصوت التفضيلي، وجاءت النتائج، كما هو متوقع، بفارق ليس بسيطًا لصالح “حزب الله”، الذي نجح في الدخول على مقاعد سنّة بيروت، وخسارة رئيس الحكومة سعد الحريري لعدد من مقاعده، دون أن يغيّر ذلك من طبيعة القوى وتوازناتها تحت سقف البرلمان، بل نستطيع القول بثقة إن تغيير النسب العددية عزّز التركيبة الطائفية للمجلس، كما عزّز وصاية “حزب الله” داخل المجلس، وفي لبنان ككل.

إذا كان قانون النسبية قد شكّل مطلبًا إصلاحيًا في مرحلةٍ ما، كعتبة أولى في سياق تطوير الطبقة السياسية اللبنانية، أو خلخلتها للخروج من وضعيتها التي أفرزت صيغة 1943 للمحاصصة الطائفية، وكرستها اتفاقية الطائف عام 1989، كحلٍ لإنهاء الحرب الأهلية اللبنانية، التي لم تنته عمليًا، وما زالت آثارها مستمرة بقوة سلاح “حزب الله” الذي استمد شرعيته من ديماغوجيا المقاومة، قبل أن يفصح عن طبيعة هذه المقاومة، بالمعنى السياسي والأيديولوجي، كذراعٍ إيرانية في لبنان وسورية وصولًا إلى اليمن السعيد؛ فإن نتائج الانتخابات الحالية تشير إلى تيبس تلك الطبقة السياسية، وعجز مكونات المجتمع المدني عن اختراقها بالمعنى الفعلي، خاصة بعد وصول جيل من الأحفاد إلى مقاعد البرلمان اللبناني.

غير أن “حزب الله” لم يستطع، ولم يشأ الخروج من دوره المعطل داخل المجلس النيابي وخارجه، حين مارس الكثير من الاستفزازات التي سبقت يوم الانتخابات، ولم تنتهِ بُعيد الانتخابات، بالمسيرات التي شبّحت على كل القوى السياسية والمجتمعية في العاصمة، مسيرات نظمها أنصار “حزب الله” و”حركة أمل” ومعهما “جمعية المشاريع الخيرية الإسلامية/ الأحباش”، مسيرات لم يقصد بها الاحتفاء بالفوز، بمقدار ما هي استعراض للقوة في شوارع العاصمة، كمعادل للبعد الطائفي في تشييع المدينة، من خلال الظلال الطائفية التي ظهرت في شعارات “بيروت هي لينا”، “بيروت للمقاومة”، “بيروت صارت شيعيّة”.

هذا التشبيح الطائفي أعاد السيد حسن نصر الله أمين عام الحزب صياغته، حين اعتبر أن الانتصار الانتخابي هو “لضمان الحماية الأمنية للمقاومة”، والمقصود هو ضمان بقاء “سلاح حزب الله”، باعتبارها رسالة تذكير للرئيس ميشال عون الذي وعد بطرح “استراتيجية الدفاع الوطني” داخل المجلس النيابي الجديد، فـ “حزب الله” الذي خرج من اتفاقية الطائف السابقة محتفظًا بسلاحه، شكّل عامل عدم استقرار للحياة السياسية في لبنان، مع أن قرار مجلس الأمن الدولي 1559 الذي صدر في عام 2004، ينص على انسحاب القوات السورية من لبنان، وحل جميع الميليشيات المسلّحة ونزع سلاحها، وقد دفع الرئيس السابق رفيق الحريري حياته ثمنًا لهذا القرار الذي لم يطبق حتى الآن.

يشير الدكتور شفيق المصري، أستاذ القانون الدولي في الجامعة الأميركية في بيروت، إلى خطأ فكرة الحوار حول الاستراتيجية الدفاعية في مجلس النواب، “لأن هذه الاستراتيجية هي من مسؤولية الجيش والقوات المسلّحة”، وهي التي تضع الاستراتيجية وتقدمها للحكومة، ويتابع الدكتور المصري بأن مقولة “حزب الله” القائمة على قاعدة “الجيش والشعب والمقاومة”، لا تسير مع “منطق الدولة التي تحكمها مؤسسات شرعية”. وشدد المصري على فكرة مهمة بضرورة تطبيق قرارات الشرعية الدولية، كون “القرار 1559 معززًا بآلية دولية لتطبيقه، ويمكن أن يلجأ المجتمع الدولي إلى فرضه بأي وقت، وفق شروط الشرعية الدولية”.

غير أن “حزب الله” يضع أي إشارة إلى الموضوع في خانة استهداف له، ولديماغوجيا المقاومة التي يمثلها في المنطقة؛ فقوة الحزب خارج هذا السلاح يمكن أن تتلاشى بسهولة، أو أن تتقلص إلى حدودها الطبيعية، والجميع يعرفون الآن أن الفوز الانتخابي الأخير للحزب، لم يكن تحقيقه ممكنًا بعيدًا من سطوة هذا السلاح الذي يرهب الدولة اللبنانية واللبنانيين أيضًا، وهذا ما يفسر مسيرات الاستفزاز بالرصاص الحي بعيد الانتخابات، لتذكيرنا بدور هذا السلاح، مستعيدًا ما حصل في السابع من أيار/ مايو عام 2008، عندما اجتاح “حزب الله” وحلفاؤه العاصمة اللبنانية بيروت ومحافظة جبل لبنان أيضًا.

اجتياح أو احتلال بيروت كان قبل أن يدخل “حزب الله” محتلًا إلى بعض المناطق السورية، وضمن أجندات إيرانية بحتة، هذا السلوك الذي يتناقض مع السيادة اللبنانية، ومع قرار النأي بالنفس كصيغة توافق، تمّ على أساسها انتخاب الرئيس ميشال عون، وتم على أساسها تعديل قانون الانتخابات، غير أن نتائج الانتخابات الحالية، ومن ثمّ نزول عناصر “حزب الله” إلى شوارع بيروت، شكل نقضًا للتوافق السابق، وتهديدًا مستمرًا باستعادة تجربة احتلال العاصمة بيروت متى شاء.

ومن يدقق أكثر في نتائج الانتخابات النيابية الأخيرة؛ فسيكتشف أنها -بغض النظر عن النسب العددية لهذا الفريق أو ذاك- شكّلت محطة مهمة لاستعادة الدور السوري في لبنان، عبر ما يعرف بوديعة “نظام الأسد” داخل البرلمان اللبناني، بعيدًا عن القوى والتيارات، وديعة يمكن أن تصل إلى خمسة نواب، ويمكن أن تضم أكثر من خمسين في لحظةٍ ما، ويمكن أن يشكل اللواء جميل السيد رأس حربتها في الفترة القادمة، فالسيد الذي ترأس الأمن العسكري في لبنان أثناء ولاية الرئيس الهراوي، وانتقل مع الرئيس إميل لحود لرئاسة جهاز الأمن العام اللبناني منذ عام 1998، كان ذراع الأسد الأب في مواجهة الرئيسين السابقين، ويتذكره الجميع كأحد المعتقلين في قضية اغتيال الرئيس الحريري عام 2005، ومن أهم الشخصيات الأمنية في ملف الاغتيالات الكثيرة في لبنان، وبشكل خاص اغتيال الإعلامي سمير القصير، وهو لم يخفِ أنه مرشح النظام السوري، حين ذكّر اللبنانيين بأمجاد غازي كنعان في لبنان!

وكما كان حضور سورية قويًا في الانتخابات اللبنانية، ستكون سورية حاضرة بقوة أكبر مع تشكيل الحكومة العتيدة، والتي ستكون معنية بمواجهة استحقاقات مهمة قادمة، تبدأ بملف “سلاح حزب الله”، ودوره في الحرب الإقليمية ضد السوريين، واستعادة مبدأ النأي بالنفس أو دفنه إلى الأبد، مرورًا بالعلاقة الرسمية مع النظام السوري، التي مهدت لها زيارة وزير خارجية لبنان جبران باسيل إلى دمشق، بالتعارض مع قرار الحكومة اللبنانية، وليس انتهاء بملف اللاجئين السوريين في لبنان، باعتباره متضمنًا في شروط مؤتمر “سيدر” لإنعاش الاقتصاد اللبناني.

ما لم يُدركه “حزب الله”، وهو يحتفل في بيروت بانتصاره النيابي الهش على لبنان واللبنانيين، أن ديماغوجيا المقاومة التي بنى أمجاده عليها، فقدت مصداقيتها إثر الجرائم المستمرة في سورية، وهبطت في تسارع يكاد يسابق هبوط سعر صرف “التومان” الإيراني، والذي تجاوز 80 ألف للدولار الواحد، بُعيد إعلان الرئيس الأميركي دونالد ترامب انسحابه من الاتفاق النووي مع إيران، غداة الانتهاء من الانتخابات اللبنانية.

من دون تعمّد الربط بين الحدثين، إنّ ارتدادات قرار ترامب الذي جعل من “احتواء طموحات إيران الإقليمية حجر الأساس في سياسته الخارجية”، كما ذكرت صحيفة (وول ستريت جورنال)، كانت سريعة في أسواق طهران، وأسرع منها كانت الطائرات الإسرائيلية التي قصفت في الكسوة جنوب العاصمة دمشق، حيث مقر إدارة الحرب الكيميائية، ومقر عمليات لميليشيا “حزب الله” ومستودعاته من الأسلحة، وكلها رسائل سياسية لم تترجم بعد في التوازن اللبناني، الذي دخل مرحلة حرجة مع الاحتمالات المفتوحة للتصعيد، بين “إسرائيل” وإيران في سورية.

مع ذلك، يرى رئيس المجلس النيابي نبيه بري أن “الإصلاحات الاقتصادية الآن أخطر من احتمالات حصول حرب في المنطقة”، وفي هذا شيء من الصحة، لكنه لم يقل لنا كيف سيكون الوضع الاقتصادي للبنان، في حال وقوع حربٍ في المنطقة؟