روسيا و”إسرائيل” وحسابات البيدر السوري

دشنَت روسيا دورها السياسي – العسكري، في سورية، بتفاهم مُعلن بينها وبين “إسرائيل”، أكدت فيه موسكو حقّ القوات الإسرائيلية القيام بعمليات داخل سورية، حين ترى “خطرًا” على أمنها يأتي من داخل سورية. وتمّ ذلك التفاهم على إثر زيارة قام بها نتنياهو إلى موسكو. وكرّر السياسيون الإسرائيليون، عقب كل لقاء عالي المستوى مع الزعامة الروسية، تأكيدهم على هذه النقطة المركزية في استراتيجية الأمن “القومي لدولتهم”. ومنذ أول تحليق للطائرات الروسية في سماء سورية لقصف مواقع قوى الثورة، وما يُدعى القوى الإرهابية، كانت “إسرائيل” تعلم بذلك، ولا تعترض على ما تقوم به موسكو في سورية. وهو ما يوضّح أن القيادة الإسرائيلية ليست راغبة في سقوط بشار الأسد، لعلمها أنه -منذ عهد حافظ الأسد- لا يشكل أدنى تهديد لأمنها، وهو ما بيّنته مؤتمرات “هيرتسليا” التي يعقدها باحثون وأمنيون وخبراء ومفكرون إسرائيليون، حيث كان تعويم الموقف من الصراع الذي انفجر في سورية بعد الثورة السلمية، من أبرز مخرجات تلك المؤتمرات، وطالما ردد خبراؤها أن جبهة الجولان هي الأكثر هدوءًا واستقرارًا، منذ نهاية حرب 1973.

وبالفعل، سددت “إسرائيل” عشرات الضربات لمواقع داخل الأراضي السورية، سواء التابعة منها للسلطة أو تلك التي تعود لطهران وميليشياتها الطائفية، التي انتشرت في الأراضي السورية منذ منتصف العام 2011، بعد انطلاق ثورة الحرية بأقل من سنة، وتابعت تلك العمليات بعد بدء تحليق سلاح الجو الروسي في سورية، والمرتبط بشبكات رادار متطورة تكتشف كل جسم في السماء السورية، فلزم الإعلام العسكري الروسي، ومعه الإعلام السياسي والدبلوماسي، الصمت التام على الهجمات الإسرائيلية في سورية. ولطمأنة سلطة بشار والموالين لها، راح الإعلام الروسي يردد الادعاء بأن موسكو ستزود جيش بشار بمنظومات متطورة من صواريخ (أرض-جو)، أما غارات “إسرائيل” على المواقع في سورية، فكان إعلام موسكو يكتفي بنقل “العتب الودي” على حكومة نتنياهو، مع تحذيرات لفظية من خطورة تفجر الصراع مع “إسرائيل” بدرجة أوسع وأشد.

كانت الاستراتيجية الروسية في سورية تقوم على إدارة التناقضات والتحكم فيها إلى أبعد الحدود، لتحقيق أجندتها على المستوى العالمي، باستعادة نفوذ موسكو، ويُعدّ شرق المتوسط من أهم المواقع الجيوبولوتيكية في علاقات الدول الكبرى وصراعاتها، فوجدت في دعمها لسلطة بشار فرصة لها لترسيخ وجودها في المنطقة وتوسيعه، ولكي تتمكن من ذلك، كان على قيادتها السعي لضبط التناقضات الإقليمية، واستدراك أي احتمال لإضعاف دورها أو إرباكه. وتشكل “إسرائيل” أكثر الأطراف أهمية في التأثير على التطورات في الإقليم، وهو ما تحاول طهران تقاسم الدور معها فيه، من خلال توسيع مجال نفوذها في المنطقة، بدءًا من “حزب الله” في لبنان، ثم في تسللها -عسكريًا وأمنيًا- إلى الأراضي السورية، مستغلة حاجة سلطة الطغيان إلى دعمها من أجل بقائها في الحكم. وهو ما وضع السياسة الروسية في مواجهة مشكلات نابعة من تناقضات حليفين لها: (إسرائيل وإيران)، ولقد غلّبت موسكو احترامها لحاجات “أمن إسرائيل”، ومترتباته في التأثير على الأطراف المنخرطة في الصراع، وهو ما أحدث تذمرًا إيرانيًا من مواقف موسكو.

تعلم طهران أن تكنولوجيا الرادارات التي تملكها روسيا في سورية لا تقوم بأي دور نحو الطلعات والهجمات الجوية والصاروخية الإسرائيلية، التي استهدفت مواقع كثيرة تشغلها الأسلحة الإيرانية في سورية، وهي على الغالب مندمجة مع قواعد عسكرية لسلطة بشار، وفوق ذلك لم تقدّم موسكو لسلطة بشار تكنولوجيا عسكرية، متوفرة لديها، تمكّن قواته من التصدي للهجمات الإسرائيلية. ومنه راحت التناقضات المتصاعدة، بين الدورين الإسرائيلي والإيراني في سورية، تؤرق القيادة الروسية، التي باتت تخشى من اختلال دورها، وبالتالي ظهورها كطرف عاجز عن الإمساك بـ “الملف” السوري، كما قدمت نفسها للعالم “جديرة به”، من خلال مؤتمرات أستانا، ثم سوتشي.

في الغضون، كانت طهران تستثمر دور سلاح الجو الروسي، ضد الشعب السوري بذريعة “الحرب على داعش والإرهاب”، لتوسع انتشار قواتها على الأرض، وتعزز ترسانتها المتطورة في سورية، بما يفوق الضرورات التكتيكية الميدانية لمواصلة سحق وتهجير الشعب السوري، وعلى خلفية هذا السلوك الإيراني؛ نشأت في الميدان مشكلات مع التكتيك الروسي، حين تبيّن للروس أن هدف طهران يقوم على استثمار مجهودها الجوي لتتقدم وتتوسع على الأرض، لتصبح صاحبة اليد العليا في تقرير مستقبل سورية السياسي. ونتج عن ذلك تصعيد “إسرائيل” لهجماتها ضد المواقع الإيرانية، بعد أن أفصحت عن عدم سماحها لإيران بالقيام بتهديد “أمنها”.

لعلّ من سوء حظ الروس، حدوث تصاعد في التناقض بين تل أبيب وطهران في سورية، يذهب بنشوة بوتين ولافروف بما حققاه في دبلوماسية الخداع، بعقد اجتماعات باسم حل الأزمة السورية، والتفرد بترتيباته وشروطه، ولأن هذا التصاعد تزامن مع لغة جديدة لترامب نحو طهران، وفي موقفه من استخدام بشار للسلاح الكيمياوي، أصبحت تلك النشوة في مهب رياح تؤرق دبلوماسية موسكو، وتخلخل أجندتها في الإقليم، وعلى المستوى العالمي.

بَيد أن المتحارجة الأشد، في موقف موسكو، ظهرت مع حادثتين: الأولى أنها غضت الطرف عن إرسال إيران، من الأرض السورية، طائرة مسيرة، ومجهزة بالقنابل، تستهدف شمال “إسرائيل”. والثانية إسقاط طائرة إسرائيلية بصاروخ (أرض-جو)، بعد قيام سرب طائرات بقصف مواقع إيرانية في الأراضي السورية. وتداعت هاتين الحادثتين إلى ما يشبه الأزمة بين موسكو وتل أبيب، لكن الأخيرة قامت في اليوم نفسه بقصف ثمانية قواعد إيرانية، ولم ينطلق ضدها أي صاروخ، وبعد أسبوعين سددت “إسرائيل” ضربة نوعية للقاعدة الإيرانية في (T.4)، ولم تواجه بأي مقاومة. ويفهم من ذلك أن موسكو لن تكرر السماح لطهران بإطلاق صواريخ ضد الأهداف الجوية الإسرائيلية، ولقد تردد في “إسرائيل” أن موسكو ساعدت طهران في إسقاط (إف-16) الإسرائيلية؛ الأمر الذي يُفهم منه تحميلها المسؤولية.

ومنذ ذلك الحين، تسعى موسكو لإعادة الاعتبار لدورها، وضبط توازن علاقتها مع الطرفين؛ فتركت لـ “إسرائيل” حقَّ القيام بالدفاع عن “أمنها” فوق الأراضي السورية، ولإرضاء طهران وسلطة بشار، بدأت تسرِّب معلومات عن تزويد جيش بشار بسلاح دفاع جوي متطور، لترفع الحرج عن نفسها، وحتى الآن لم يتأكد وصول أي منظومة جديدة لسلاح الدفاع الجوي لجيش بشار. وبالارتباط مع هجوم الدول الغربية الثلاث على مواقع الكيمياوي، وتحذير واشنطن من تكرار ذلك، ووصف دور إيران في المنطقة بأنه يهدد السلام الإقليمي، والتلميح إلى إمكانية التصدي له؛ تكون حسابات “البيدر” السوري مخيّبة للآمال الكبيرة التي عقدتها موسكو من وراء تدخلها في سورية. وفي هذه المناخات، سيبرز أكثر وأكثر أنّ تمسّك روسيا بعلاقتها مع طهران في “الملف” السوري، لن يعطي ثماره كما تتمناها موسكو، وربما سيظهر كعبء ثقيل عليها، وتبقى “إسرائيل” هي الأقوى في تفاهمها مع القيادة الروسية، ولا مفرّ من إرضائها، أو على الأقل عدم الإقدام على ما يزعجها “أمنيًا واستراتيجيًا”. والأكيد أنه لم يكن في حسبان القادة الروس الوصول إلى تحارج في الموقف، إزاء تعقيدات الصراع في سورية وعليها؛ ما يهدد “بيدر” المكاسب التي عقد عليها الآمال قادة روسيا.