مقالات الرأي

سورية ساحة العبث الدولي

الفوضى التي واكبَت الانتقال نحو التسلّح واستجرار الدعم للمقاتلين، وما تلاه من كسر الحدود الداخلية واستقطاب فصائل جهادية وجهاديين من شتى بقاع العالم، شكّلت حالة مغرية لتدخّل كثير من الدول التي جعلت سورية ساحةَ احتلال متعدد الجنسيات، يختلط فيها الدين والسياسة والمصالح؛ فأطراف الاحتلال التي جاءت من بلادها القريبة والبعيدة، لمحاربة الإرهاب وهزيمة تنظيم (داعش) وفلوله ومواجهة احتمالات عودته بعد دحره، أقامت قواعدها ومتاريسها محوّلة وجودها إلى احتلال مباشر، تتبدل فيه الذرائع والأسباب، بعد أن أصبحت سورية منطقة تنافس وساحة صراع عبثي يعزز حالة عدم اليقين في الحل القريب.

منذ 2011، لم يتوقف القتال والقتل الذي تقوده دول متعددة عبر ميليشياتها أو دعمها ومساندتها لفصائل سورية، بعد أن تحوّلت الجغرافيا السورية إلى أرض مشاع يتصارع فيها وعليها الجميع؛ فالكل يسعى لترسيخ وجوده، واقتصاص مكان له على خارطتها وتكريسه لأمد طويل، فالبداية كانت بتدخّل القوتين الإقليميتين: إيران وتركيا، إذ سارعت إيران والفصائل اللبنانية والعراقية الموالية لها إلى مساندة النظام، بذريعة التصدي للمؤامرة الغربية الهادفة لإسقاط النظام وإنهاء محور الممانعة الذي جعل سورية شأنًا داخليًا إيرانيًا، باعتبارها المحافظة الإيرانية الـ 35، حسب تصريح مهدي طائب (رجل الدين المقرّب من مرشد الجمهورية) عام 2013، فرغبة إيران في تحقيق مشروعها التوسعي، وتثبيت وضع طائفي يناسب وجودها وسعيها الحثيث لإتمام بناء طريق بري عبر العراق وسورية إلى لبنان، جعلتها طرفًا في معادلة الصراع على سورية، وانتشرت الميليشيات الموالية لإيران في معظم الأراضي السورية، وبلغت قواعدها ونقاط تمركزها أكثر من 15 نقطة موزعة في محيط دمشق والساحل وحلب وحمص وتدمر والمنطقة الجنوبية. أما تركيا الجارة القريبة التي لا ترى في سورية سوى امتداد طبيعي لها، وقد دخلت بشكل مباشر مع عملية (درع الفرات) في آب/ أغسطس 2016، فإنها واكبت الحدث السوري من بدايته معتبرة سورية شأنًا يخصّها، وانتقلت من تقديم النصح للنظام وحثّه على المسارعة بالإصلاحات المطلوبة، إلى دعم المعارضة والمطالبة برحيل الأسد، والمطالبة بإنشاء المناطق الآمنة، وصولًا إلى تدخّلها المباشر باعتبارها ضامنًا في تشريعات التحاصص التي قادتها روسيا، لتبني أولى قواعدها في الريف الغربي لمدينة حلب، وتسعى لبناء 8 قواعد.

لم يقف التدخّل عند القوتين الإقليميتين، فأبواب الحرب مفتوحة للجميع، ومنهم روسيا التي دخلت بشكل مباشر في أيلول/ سبتمبر 2015، بناءً على طلب رسمي من السلطات السورية ومن باب الحلف التاريخي مع سورية، لدعم النظام السوري في حربه على الجماعات الإرهابية، وأقامت قاعدتين لها: الأولى جوية في مطار حميميم في ريف اللاذقية، والثانية بَحرية في طرطوس، وعددًا من أطقم تشغيل منصّات إطلاق الصواريخ وبطاريات المدفعية بعيدة المدى المنتشرة خارج القواعد. أما القوات الأميركية التي دخلت لمحاربة (داعش)، وأقامت نحو 20 قاعدة عسكرية في سورية، فقد صار وجودها ضرورة لكبح التمدد الإيراني، بغض النظر عن تصريحات الرئيس ترامب حول خروج القوات الأميركية التي تلقفتها فرنسا، وأرسلت جنودًا من قواتها الخاصة إلى الشمال الشرقي من سورية، لتعزيز القوات الأميركية، هذه القوات كافة، إضافة إلى “إسرائيل” اللاعب “الحاضر الغائب”، جعلت من سورية ثقبًا أسود في فوضاه، وفي عوامل الاضطراب والتصعيد التي تدفع إلى الاعتقاد بأن لا نهاية لمعضلة الاحتلالات التي شرعنت الحرب وجودها.

نقطة التوازن للخلاص من حالة عدم الاستقرار ما تزال غائبة، وعلاقات هذه الدول تتأرجح بين معادلات التحالفات الظرفية وحسابات المصالح، حيث الكل يتحالف مع الكل ويقاتل الكل، وفق متغيرات الزمان والمكان والظروف التي قد تنقلب إلى مواجهات بمستوى آخر، في حال تبدّل معطياتها المرهونة بحسابات الربح والخسارة لكل الأطراف الموجودة على الساحة السورية ولـ “إسرائيل”، وقد يبدو استعراض التحالفات جزءًا من أحجية، يتحالف فيها الخصوم ويتعادى الحلفاء وينسّق الأعداء مع شركاء الأصدقاء، ففي الوضع السوري يصعب تحديد أي الأطراف متصارعة وأيها متحالفة؛ ما يزيد صعوبة تحديد السياسات والنفوذ التي تعمل القوات العسكرية على تثبيتها، حيث يبرّر كل طرف وجوده بذريعة وجود الآخر، لكن صورة التحالفات تبدو أكثر وضوحًا بخصوص الوجود الإيراني واحتواء إيران الذي بات الشأن الأهم في تغيّر خرائط السيطرة وتوزيع القوى لمحاصرة إيران، بالتالي فإن تسوية النزاع الداخلي والوصول إلى الاستقرار في سورية صار مرتبطًا بتسوية وضع إيران، وتحديد مقدار انكفائها في سورية مع ازدياد الاستهداف الإسرائيلي لمراكز الوجود الإيراني، والتهديد بحرب قادمة تشعل ما تبقى من هشيم المناطق السورية.

ذرائع القوى متعددة الجنسيات، للبقاء الطويل في سورية، تنتقل من مجال إلى آخر، وفق سيناريوهات متبدلة تتعقّد معها حلول هذه المقتلة المستمرة، ووحدهم السوريون يدفعون الثمن غاليًا، لتحقيق غايات ومصالح الدول المختلفة التي يُعدّ وجودها احتلالًا، مهما اختلفت ذرائعها، ولكن -للأسف- هناك كثير من السوريين لا يرون وجودها احتلالًا، ويفاضلون بينها، حسب المنظار الضيّق لكل طرف، فمن يعدّه طرفٌ احتلالًا، يعدّه الآخر حليفًا وصديقًا، وهذا ينطبق على كل الدول الموجودة على الساحة السورية التي تقدم نفسها كدول إنقاذ لهذا الفريق أو ذاك، وكأن هناك دولًا مجيّرة لفعل الخير دون حساب.

تبدّلات المشهد السوري بلغت أقصى درجات مراراتها، مع تحوّل السوريين إلى لاعبين صغار، يقتل بعضهم بعضًا في ساحة عبث الكبار الذين يريدون كل شيء ما عدا إنقاذهم أو إنقاذ وطنهم. هذه الحقيقة التي يجب أن يعيها السوريون جيدًا، فلا حلّ سيأتي من الخارج، وإنّ الطريق الوحيد للنجاة متعلّق بقدرتهم على تفعيل مشتركاتهم الوطنية والعمل معًا لتوفير المناخ والقدرة لإيجاد حلّ وإغلاق حلبة العبث التي هدرت دماء السوريين جميعًا، بمختلف الأدوات والوسائل.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

إغلاق