مقالات الرأي

عن إمكانية الحرب بين إيران و”إسرائيل”

الخلافات حول المنطقة العربية، بين إيران و”إسرائيل”، واضحة المعالم؛ فـ “إسرائيل” تراقب إيران في كل منطقتنا وليس في لبنان وسورية فقط، وكذلك تتخوف إيران من القلعة المتقدمة للإمبريالية العالمية. مشكلة إيران أنها تريد فرض سيطرة إقليمية بأدوات طائفية تهدّد وطنيةَ وسنّة العرب، وأمّا مشكلة “إسرائيل” فإنها كيان استعماري هجّر الفلسطينيين من أراضيهم واحتلّها، واحتلّ أراض عربية كثيرة. القصد أن “إسرائيل” وإيران لا تنتميان إلى المنطقة العربية، وتحتلان مناطق واسعة منها. القضية الأخرى أنهما تسعيان إقليميًا لفرض نفوذهما؛ والاثنتان لا تتوانيان عن استخدام كل الطرق لفرض ذلك النفوذ، وإذا كانت إيران تُسلّح أغلبية الشيعة العرب وتطيفهم إيرانيًّا؛ فإن “إسرائيل” تستعين بالدول العربية، للتصعيد ضد إيران، وكذلك تستفيد من التصعيد الأميركي ضدها. نشوب حرب كبيرة بين الدولتين هو أمرٌ معقّد للغاية، وقد يكون له تبعات كبيرة على دواخل الدولتين، وربما يستفيد من ذلك العرب، ولهذه الأسباب وسواها، فإن من الممكن متابعة الضغط على إيران عبر اتفاق نووي جديد، وتحجيم مشروع الصواريخ الباليستية ونفوذها في المنطقة العربية، والسؤال كيف سيتحقق ذلك؟

تتمحور السياسة الأميركية في إطار فرض العقوبات والحصار، وترك الأطراف المحلية تتصارع؛ هذا جوهر ما تفعله مع روسيا، ومع إيران أيضًا، وبشكل مخفّف مع تركيا. الأميركيون في أزمة اقتصادية عميقة، وللخروج منها، يتبنون سياسة إغراق العالم بمشكلات وأزمات مستمرة.

ألغى الأميركيون الاتفاق النووي، وسيفرضون اتفاقًا جديدًا، وسيضطر الأوروبيين والروس إلى إجبار إيران على الخضوع؛ ربما ستمتنع إيران عن ذلك، وهنا سيكون الأميركيون مضطرون إلى القيام بعمليات نوعية في الداخل الإيراني، ولكنني أميل إلى خضوع إيران، بعد مشاورات كثيرة للشروط الأميركية. الأميركيون، منذ أيام أوباما، لا يتبنون سياسة الحروب، ولكنهم قد يشنون ضربات وقائية ومحدّدة لفرض هيمنتهم على العالم، وجرّه من ناحية أخرى إلى أزمات كبرى. لا أحد يعلم كيف ستُحل المشكلات بين الأميركيين والروس، ولا بين الأميركيين والإيرانيين. القصد هنا أن المشكلات تتعقّد وتتعمّق، وهذا ما يُفسد راهننا بحروب طائفية وقومية عنصرية ومحلية ومذهبية؛ إذًا فليغرق العالم بكل أشكال الحروب والعصبيات والتقوقع ما قبل حداثي، وبذلك تقوى أميركا، وتصبح هي الحاكم الفعلي للعالم. إن ما يدفع أميركا إلى سياسة إغراق العالم بالمشكلات هو بروز التنين الصيني، والذي لا يني يتطوّر ويحاول فرض نفسه دولة ثانية أو أولى على العالم، وهذا قد يفجر حربًا عالمية. أميركا ليست مستعدة لها وكذلك الصين؛ العرب والسوريون خاصة معنيون بفهم هذه القضية جيدًا.

التمدّد الإيراني حدث بسبب السياسة الأميركية المذكورة، وكذلك تعاظمت القوة الإسرائيلية بسببها. الأنظمة العربية أنظمة شمولية ومتخلفة، وهي شُكلت تاريخيًا كدولٍ “محلية” وللتبعية وفق سايكس بيكو أولًا، ومن ثم وفق مساومات بين الأميركيين والسوفييت. إيران، على الرغم من شمولية نظامها، تمتلك رؤية لتطورها وتاريخها ولدورها الإقليمي. إنها تعي جيدًا مشكلات العرب وتتدخل في دولهم بسبب ذلك؛ “إسرائيل” تعتمد بشكل رئيس على الأميركيين والأوروبيين والروس لتطوير نفسها، وهي تتقدم سريعًا بتطورها التقني وكذلك الديمقراطي الخاص باليهود حصرًا. احتلال مناطق عربية جديدة هو مشروع لهاتين الدولتين؛ تركيا ذاتها أصبحت تحتل مناطق في سورية كذلك، وتشارك إيران وروسيا في سياسة التهجير وإعادة تشكيل سورية بما ينسجم مع مصالح كل من هذه الدول الثلاث.

استجداء دول الخليج لأميركا لحلّ التأزم بينها، وانكفاء دول المغرب العربي، وتأييد معظمها للأنظمة الاستبدادية ضد الثورات الشعبية، وعودة الديكتاتورية إلى مصر، ولن نسهب في الحديث عن سورية ولبنان وسواه؛ أقول إن الوضع العربي هو ما شجّع إيران و”إسرائيل” وتركيا على التمدّد على حساب العرب، وهو ذاته ما شجع الروس والأميركيين والأوروبيين على العودة إلى المنطقة العربية بشكل أقوى.

الدول العظمى تعمل من أجل مصالح شركاتها أولًا، واستقرار مجتمعاتها ثانيًا؛ الدول العربية مملكة لملوك ورؤساء، وهي تُعامل كمزارعٍ خالصة للطغاة، ولأن الأمر كذلك؛ تُركت سورية واليمن والعراق وليبيا للدمار والخراب والاحتلال والتهجير والإبادة.

إذًا؛ ليس من تغييرٍ كبير في المنطقة، وستزداد العقوبات على إيران بالضرورة كما زادت على روسيا، وربما تتصاعد لاحقًا ضد تركيا. أوروبا المتضرّرة من كل تصعيد أميركي ضد روسيا وإيران، ليس لديها خيار آخر إلا الموافقة على ما يريده الأميركيون. نعم أوروبا عجوز، وليس لديها سياسة عالمية مستقلة.

على الرغم من كل ما قلناه، وبتزايد التصعيد ضد إيران، ربما سنشهد حروبًا صغيرة بين الدولتين على الأراضي السورية واللبنانية، وربما سيكون هناك عمليات نوعية ضد القوة العسكرية والصاروخية الإيرانية. إيران تخسر كثيرًا بمعاداة العرب، والعرب يخسرون كثيرًا، بسبب غياب أي مشروع للدولة الحديثة لدى أنظمة النهب الحاكمة. الإشكال الأكبر أن المعارضات العربية أيضًا لا تمتلك مشروعًا وطنيًا، ويتم التلاعب بها من دول أخرى، أو هي هامشية ولا يعتد بحضورها من أصله.

الثورات العربية كانت لأسبابٍ موضوعية، واستطاعت تأزيم الأنظمة أكثر فأكثر، والتطورات في كل من تونس ومصر واليمن وسورية وليبيا تقول إن النظام القديم يستحيل استعادته، وما يحصل من استعادة لن يطول بقاؤه، وستتفجر مجدّدًا.

رغم الهزيمة الكبرى للحركات الإسلامية وللمشروع الطائفي، في أكثر من دولة عربية، ووضوح محدودية إمكاناته، وأنه مجرد تأهيل للمجتمعات للولوج بحروبٍ أهلية كارثية، تظل المشكلة الحقيقية هي في عدم قدرة مجتمعاتنا على تبني مشروع وطني. الثورات ذاتها لم تستطع تجذير رؤية وطنية لكل المشكلات وتقديم حلول، بما يعمق هذه الرؤية، وينقذ مجتمعاتنا من المشاريع الإقليمية والدولية التي تقدمت سريعًا على الدواخل العربية. هنا يجب العمل؛ أي على إبراز مشروع وطني في كل بلد عربي على حدة.

إيران و”إسرائيل” كلتاهما ستستخدم كل الدواخل العربية، وليس فقط لبنان وسورية، في التصعيد بينهما، ولكن إيران ستزداد ضعفًا، بينما “إسرائيل” لن تزداد قوة، لكنها ستكون بموقع أقوى من كل الدول العربية، ومن إيران أيضًا.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

إغلاق