مقالات الرأي

ما علاقة ملالي إيران بزينب والحسين؟

عند موقف الحافلات، كانت السيدة العراقية الملتحفة بالسواد تسأل بلغة إنكليزية ركيكة إن كان بين المنتظرين عربًا؟ وحين هرعت إليها ملبّيًا؛ قالت: “أنت سوري، هذا واضح من لهجتك، إن ابنتي تدرس في الحوزة بمرقد السيدة زينب في الشام. السوريون أحبابنا”، وهكذا وجدت نفسي أدُلها على الحافلة التي ستوصلها إلى غايتها، ثم أنتحي جانبًا كي لا أخوض معها في نقاش طائفي عقيم.

من الواضح أن مرقد السيدة زينب في ضاحية دمشق الجنوبية، ومرقد السيدة رقية داخل السور الشمالي لدمشق القديمة، ومرقد رأس الحسين في ساحة المسجد الأموي في قلب دمشق، ومرقدي السيدة سكينة والسيدة أم كلثوم ابنتي الحسين في مقبرة الباب الصغير بدمشق، لم يتعرضوا -منذ دفنوا في تلك الأماكن- إلى أيِّ أذًى، بل إنهم ظلوا على الدوام مقصدًا للزائرين من كل طوائف المسلمين، وبرعاية محفوفة بالقداسة من المسلمين السنة تحديدًا.

على الرغم من أنَّ عدد الشيعة السوريين كان، وما يزال، محدودًا جدًا (حوالي واحد ونصف بالمئة من عدد السكان)، فقد ظلوا حاضرين منذ مئات السنين بقوة، في السياسة والاقتصاد، كما في المقامات الدينية، مثلهم مثل بقية الطوائف الإسلامية، ولذلك كان كلام حسن نصر الله، في تبريره لإرسال عناصره المدججة بالسلاح، وبالمشاعر الطائفية المتطرفة إلى سورية قائلًا: (نحن جئنا إلى سورية لحماية العتبات المقدسة الشيعية)، مدعاةً للسخرية والغضب، من فداحة التضليل والكذب. وعلى ذلك؛ فإن العنوان الديني لمعركة حسن نصر الله ضد ثورة الشعب السوري على نظام الأسد كان توظيفًا للنعرات الطائفية، في سبيل تحقيق مآرب عسكرية ديموغرافية تؤهله للعب دور أساس يحقق حلم الملالي الإيراني في احتلال سورية، كما العراق، للوصول إلى ساحل البحر الأبيض المتوسط ومشارف فلسطين.

على السطح، تبدو المظاهر الدينية في إيران هي من تقود السياسة؛ فأسماء مؤسساتهم مثل مجلس الشورى ومجلس تشخيص النظام، ومجلس الخبراء، وغيرها مثل مؤسسات (قم والحوزات الدينية) قد توحي بالطابع الديني لسياسة إيران الداخلية والخارجية، لكن الحقيقة تكمن في العكس؛ إذ إنَّ السياسة البراغماتية الإيرانية التي أسسها الخميني وسار على نهجها الملالي، هي من يوظف الدين لتحقيق أهداف إيران التوسعية.

إن حملات التشييع التي تعمل عليها السياسة الإيرانية، منذ عقود، في سورية والعراق واليمن ودول الخليج العربي، وقد كلفتها مليارات الدولارات، تدخل في إطار تلك السياسة الإحلالية الاستعمارية. ومن ذلك مثلًا ما أعلنه مؤخرًا رئيس لجنة إعمار العتبات المقدسة في إيران حسن بلار، حول إعداد مشروع لتوسيع مجمع مرقد السيدة زينب جنوب العاصمة السورية دمشق، وكذلك مرقد السيدة رقية بنت الحسين، وتشييد مبنى لضيافة الزوار في مرقد السيدة زينب، وقال: “إن العمل سينتهي هذا العام في توسيع مرقد الإمام علي في النجف العراقية، وإن اللجنة التي يترأسها ستقدم خدمات الإقامة والطعام لزوار العتبات المقدسة مجانًا”. وها هو شيخ قبيلة البقارة الحسينية نواف البشير يصرّح بأن “ما نراه اليوم من مسيرات لشيعة أمير المؤمنين ما هو إلا مثال حي على انتصار الحق ضد الباطل، فلقد كانت الشام تاريخيًا حسينية الهوى، لكن الاحتلال الأموي بقوة السيف حاول طمس هذه الحقيقة، لكنهم لم يستطيعوا إزالة العشق الكامن في قلوب السوريين لآل بيت رسول الله، لقد تعاقب على حكم الشام الأمويون والعباسيون والعثمانيون ثم بعض الرؤساء العملاء، وكان جميع هؤلاء من النواصب، حتى لاح فجر جديد في عام 1970، عندما أكرمنا الله تعالى بوصول القائد الخالد المؤسس حافظ الأسد إلى حكم الشام، الذي أعاد الأمور إلى نصابها، وبدأنا نرى رايات أمير المؤمنين وآل بيت رسول الله (ع س) ترفرف خفاقة عالية في سماء دمشق، وسنرى هذه الرايات في شرق وغرب وشمال وجنوب سورية، هكذا هي سورية، بفضل قيادتها الحكيمة، ستبقى سُنيّة المذهب شيعية الهوى”.

وفي مقابل ذلك الخطاب الطائفي الذي شحن أتباع الملالي من الشيعة الإيرانيين واللبنانيين والعراقيين والسوريين، كانت هناك أصوات شيعية لمقامات دينية وسياسية تمثل أكثر من نصف الشيعة في المنطقة والعالم، مثل الأمين العام السابق لـ “حزب الله” صبحي الطفيلي الذي قال: إن “حزب الله” يستغل الجانب الاقتصادي لأفراده، لإدخالهم في حروب خاسرة. ونقل الطفيلي عن بعض المقاتلين قائلًا: “جاءني مقاتل يعتذر بأنه مضطر إلى القتال في سورية، لأن أطفاله جائعين، قلتُ له: كيف تطعم أطفالك من دماء أطفال المسلمين؟! لكنّه لم يسمع لأنه جائع”. وأضاف الطفيلي: “إن عناصر حزب الله في الميدان مجرد قتلة ومقتولين، مستأجرين. حزب الله دخل إلى سورية خلافًا لمصلحته ومصلحة الشيعة والأمة، حزب الله قراره ليس بيده وإنما في طهران المصرّة على الحرب والتوسع”. مريم رجوي رئيسة جمهورية إيران في المنفى تصف المشهد في طهران بالقول: إن الشعب المكبّل الرازح تحت سلطة الملالي، والذي يُقمع ويُسحق ويُداس جسده ونفسه وروحه وفكره، يوميًا، تحت أقدام الملالي يتطلع إلى النجاة والخلاص، ولا بد لهذا الجيل أن يُسقط هذا النظام الذي هو مثيل لنظام حكم “يزيد” الذي يزعمون محاربته.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

إغلاق