نظرية المؤامرة.. في تجربة محمد علي باشا النهضوية

أولًا – عوامل خارجية يمكن تفسيرها بغير نظرية المؤامرة

حذارِ من الإيمان بنظرية المؤامرة، فنظرية المؤامرة إذا استولت على الذهن؛ أصبحت بمثابة اعتقاد دائري مغلق، لا ينفع معه النقاش والنقد. المسكوت عنه في نظرية المؤامرة هو مبالغة في تقدير قيمة الذات الفردية والجمعية، ومبالغة في تقدير قوة العامل الخارجي والآخرين، مبالغة في تقدير قصديّة وانتظام العلاقات السببية، بين الأحداث السياسية الممكنة الوقوع عرضًا أو في سياقات غير مترابطة.

نظرية المؤامرة تؤدي إلى الاستسلام والإيمان بالقدرية عند المؤمنين، والإيمان بنظرية المؤامرة يقتضي لزومًا البحث عن عناصر المؤامرة داخليًا؛ وبالتالي ننتهي إلى نوع من الشكوكية المبالغ فيها والتحشيد الداخلي وتخوين من نظّنه متورّطًا أو داعمًا أو متفرّجًا على المؤامرة التي أتعرض/ نتعرّض لها!

نظرية المؤامرة تحجب علم السياسة، وتحجب الاشتغال النشط في السياسة؛ لأنها اعتقاد مناف للبرهان، تعفي المؤمنين به من التفكير بما يجري لنا وحولنا، بمنطق المصالح والعلاقات وتوازنات القوى. لا أنفي وجود مؤامرة هنا وهناك، كجزء من سياقات الصراع والأحداث الجارية، ولكن أنفي تفسير الأحداث السياسية والتاريخ بمنطق نظرية المؤامرة.

المؤامرة جزءٌ من صيرورة الأحداث والعلاقات المتغيرة، ومن نظنّ أنه يتآمر علينا؛ فنحن بالمقابل قد نتآمر عليه، وهكذا! وإن التفكير بنظرية المؤامرة وثقافة الاستهداف والمؤامرة سببٌ أساس للعطالة الفكرية السياسية التي تعيشها المجتمعات العربية، وأحد الأسباب المهمة للفشل العربي المعاصر.

أمثلة على نظرية المؤامرة: نظرية الأرض المسطحة – الأطباق الطائرة – وجود حكومة خفيّة من رجال الأعمال تدير العالم – المبالغة في دور الماسونية وكونها الحاكم الحقيقي للعالم – مؤامرة أحداث 11 أيلول/ سبتمبر 2001 – التفسير الشيعي للإسلام، والادعاء بوجود مؤامرة مسبقة تستهدف إقصاء علي بن أبي طالب عن خلافة النبي محمد – مؤامرة إنشاء وعمالة تنظيم القاعدة و(داعش) لصالح الولايات المتحدة أو “إسرائيل” أو إيران أو أحد الأنظمة العربية – مؤامرة عمالة الحكام العرب للولايات المتحدة – مؤامرة الثورة الخمينية في إيران وكونها من صناعة أميركا وفرنسا – المؤامرة الكونية على النظام السوري… إلخ.

لا تصلح نظرية المؤامرة لتفسير حوادث التاريخ والسياسة. غالبًا، مَن يتبنّ نظرية المؤامرة؛ فإنه يُخفي عن نفسه قبل غيره الأسبابَ الحقيقية السياسية والاقتصادية والاجتماعية للحدث والواقعة. نظرية المؤامرة هي طريقة تبسيطية وغبيّة لتفسير الأحداث، وفحواها: أنا كشخص أو جماعة أو شعب، طيّبٌ ومختلف جوهرانيًّا عن الآخرين، وإن الآخرين أشرار، ويستهدفونني فقط لكوني جيدًا وأفضل منهم، أو لأنهم حاقدين عليّ/ علينا!

تُخفي نظرية المؤامرة تفكيرًا يتمركز حول الأنا والذات، تفكيرًا طفوليًا غير موضوعي. وفي هذا السياق، ينبغي التمييز بين المؤامرة كجزء من سياق الأحداث، وهذا صحيح لا غبار عليه، وبين نظرية المؤامرة لتفسير الحدث التاريخي والسياسي.

عادةً ما يصف مثقفون ماركسيون أو قوميون عرب أو طائفيون أو المثقفون من مُلحقات السلطة الأسدية، ما جرى في سورية، بأنه مؤامرة عليها وعلى النظام السوري “المقاوم الممانع”! ولكنهم يتحفّظون من إطلاق صفة المؤامرة، عندما يتعلّق الأمر بالحالة المصرية مثلًا وبقية ثورات الربيع/ الخريف العربي، بما يشمل الثورة البحرينية مثلًا، على الرغم من وجود سياق تاريخي وثقافي وسياسي واحد يشملها جميعًا. وهم يُخفون أن القوى المتصارعة في كل حالات ثورات الربيع/ الخريف العربي هي قوى محلية من نفس المجتمعات وبيئة هذه المجتمعات، مع استثناءات التدخل الخارجي المتأخر في حالتي ليبيا وسورية، وقد تمّ أساسًا بناء على رغبة وطلب أحد أطراف الصراع الجاري! وهم يتناسون أن العبء والمسؤولية الأكبر، في احتواء الصراعات الداخلية وتجنُّب انحدارها، يقع على جهة السلطة الحاكمة، فكيف بسلطة هي نفسها كانت مطلقة الحكم طوال نصف قرن في سورية، قبل أن تقع هذه (الثورة/ المؤامرة) وكيف بسلطة لم يمر يوم واحد دون ذكر كلمة التصدّي للمؤامرة في خطابها الرسمي وطيلة نصف قرن!

ثانيًا – قراءة في أسباب فشل تجربة نهضوية – محمد علي باشا (1805-1848)

أولًا – مبررات كونها تجربة نهضوية: درجة كبيرة من الاستقرار السياسي عقب القضاء على المماليك بمذبحة القلعة 1811 – الانتقال بمصر من ولاية عثمانية مهملة غير مستقرة إلى دولة إقليمية شبه عظمى حتى كاد يسقط الدولة العثمانية – بناء جيش قوي بتصنيع محلي مصري – حروب في الجزيرة العربية والسودان وبلاد الشام واليونان.

بناء نظام تعليمي ومهني جيد وغير مسبوق، ومن ضمنه الكليات، حيث كانت تُسمّى بالمدارس العليا (مدرسة للهندسة والعمران في القلعة 1816 – مدرسة للطب في أبي زعبل 1827 – مدرسة للصيدلة – مدرسة للقابلات والتوليد 1829 – مدرسة للتعدين في مصر القديمة 1934 – مدرسة للزراعة – مدرسة للمحاسبة – مدرسة للفنون والصنائع، وقد بلغ مجموع طلاب المدارس العليا نحو 4.500 طالب).

بناء صناعات عسكرية قوية: بهدف ضمان الاستقلالية عن الدول الأوروبية، حيث بنى ثلاثة مصانع للبنادق والمدفعية في القلعة والحوض المرصود وضواحي القاهرة، وكانت المصانع الثلاثة تصنع في السنة 36.000 بندقية عدا الطبنجات. بعد تدمير الأسطول المصري في معركة (ناڤارين) أمام أساطيل إنكلترا وفرنسا وروسيا الأكثر تطوّرًا، قام محمد علي ببناء أسطول مصري خاص في ترسانة الإسكندرية، وقد بلغ عدد السفن الحربية التي صنعت حتى عامي 1828 و1837 سفينة حربية، من بينها 10 سفن كبيرة كل منها مسلح بمئة مدفع، فاستغنت مصر عن شراء السفن من الخارج.

بناء صناعات مدنية: تشمل الغزل والنسيج ومعمل سبك الحديد ببولاق ومصنع ألواح النحاس التي كانت تبطن بها السفن، ومعامل لإنتاج السكر، والزيوت.

البعثات التعليمية إلى أوروبا والاستفادة من عائدات هذه البعثات التعليمية: حيث شملت هذه البعثات “العلوم العسكرية والإدارية والطب والزراعة والتاريخ الطبيعي والمعادن والكيمياء والهيدروليك وصب المعادن وصناعة الأسلحة والطباعة والعمارة والترجمة”، مثلًا حيث أرسل نيقولا مسابكي لدراسة الطباعة في إيطاليا، وعقب رجوعه أسس مطبعة (بولاق) بأمر من محمد علي عام 1821.

التنظيمات الاجتماعية: كان مجتمعًا طبقيًا يبدأ من أسرة محمد علي وكبار الموظفين وينتهي بالرقيق من اليونانيين الذين أُسروا في حرب المورة (اليونان) والجواري الشركسيات والحبشيات والسودانيات اللاتي كن يخدمن في بيوت الأثرياء. وقد ارتفع تعداد السكان في عهد محمد علي من 2.514 مليون نسمة عام 1823، إلى 4.476 مليون نسمة عام 1845 – وكان محمد علي باشا متسامحًا واسع الأفق في الشؤون الدينية، فقرَّب إليه المسيحيين كما المسلمين، واستعان بهم في حكمه. من الجدير بالذكر أن منع العبودية لم يحدث إلا في عهد الخديوي إسماعيل الذي كان متأثرا بالفكر الأوروبي وقام بخطوات فعلية لمنع تجارة الرقيق في السودان 1863.

التنظيمات السياسية: كان نظام الحكم ذا طبيعة أوتوقراطية (سلطة الفرد المطلقة) إلا أنه اختلف عن الحكم الاستبدادي للمماليك، في أنه كان يخضع لنظام إداري متسلسل ونظام حكم مكتوب بدلًا من الفوضى، فقد أسس محمد علي مجلسًا حكوميًا عرف باسم “الديوان العالي”، ويخضع لسلطة هذا الديوان دواوين تختص بشؤون الحربية والبحرية والتجارة والشؤون الخارجية والمدارس والأبنية والأشغال. كما أسس مجلسًا للمشورة، يضم كبار رجال الدولة وعددًا من الأعيان والعلماء، وضع محمد علي قانونًا أساسيًا عرف بقانون “السياستنامة”، يحدد فيه سلطات كل ديوان من الدواوين الحكومية.

نقض نظرية المؤامرة في تجربة محمد علي (صراعات سياسية متعددة الأطراف متغيرة التحالفات، تشمل الدولة العثمانية ومحمد علي باشا وعدة دول أوروبية دونما اصطفاف ديني واضح) نجد تمثيلاتها في:

– خاض محمد علي، في بداية فترة حكمه، حربًا داخلية ضد تحالف المماليك المدعومين من الإنكليز بزعامة محمد بك الألفي، ليستولي على مصر كلّية 1805.

– تحالف محمد علي باشا مع الفرنسيين ضد القوات الإنكليزية، وانتصر على حملة فرايزر 1807.

– تسيير حملة عسكرية للقضاء على الثورة الوهابية- السعودية، لخدمة العثمانيين 1812.

– تسيير حملة لضم السودان واستكشاف منابع النيل 1820.

– تسيير حملة لمساعدة العثمانيين في إخماد ثورة اليونانيين المدعومين من الدول الأوروبية، حيث احتل جزيرة كريت وأنقذ الجيش العثماني المحاصر في كورون، وقد خسر الأسطول العثماني والمصري في معركة نافارين 1827 أمام التحالف الإنكليزي – الفرنسي – الروسي.

– تسيير حملة لاحتلال وضم بلاد الشام 1831، وكان في جيشه عدد من المستشارين الفرنسيين، هُزِم العثمانيون في معركة قونية 1832 وأسر الصدر الأعظم محمد رشيد باشا، وأصبح الطريق سالكا أمام قواته باتجاه الأستانة، استنجد السلطان العثماني بالدول الأوروبية لإنقاذه فلم ينجده إلا روسيا، ووقفت كل من النمسا وبروسيا على الحياد. أرسلت روسيا عام 1833 أسطولًا بحريًا إلى الأستانة للدفاع عنها، ولم تكد بريطانيا وفرنسا تطلعان على وجود السفن الروسية في مياه الأستانة، حتى خشيتا أن تستغل روسيا تداعي الدولة العثمانية لتقوّي مركزها في الممرات البحرية، فسارعتا إلى مساعدة السلطان ضد قوات محمد علي باشا! عرضت فرنسا وساطة تقضي باحتفاظ محمد علي باشا بجنوب بلاد الشام وفلسطين، ولكنّ محمد علي باشا رفض الوساطة وأصرّ على ضم بلاد الشام وولاية أضنة حتى جبال طوروس؛ ما مهّد لتوقيع اتفاقية كوتاهية المؤقتة 1833، استمرت فرنسا في تأييد محمد على باشا إلى النهاية، إلا أن قواته انسحبت أمام التدخل العسكري الإنكليزي ودعم التحالف الأوروبي الرباعي للسلطنة العثمانية (إنكلترا – روسيا – بروسيا – النمسا) وقد عرضت هذه الدول على محمد علي باشا ولاية مصر وراثيًا وولاية عكا مدى الحياة.

– أرسل محمد علي باشا بعثات متتالية من الطلاب المبتعثين إلى إيطاليا، ومن ثم فرنسا وإنكلترا.

ثالثًا – لماذا فشلت تجربة محمد علي باشا

أولًا – الشخصنَة وتفرّد محمد علي باشا في السلطة وعدم اشتغاله على نظام سياسي مستديم، على الرغم من أنّه حكم مصر 43 سنة، حالما توفي محمد علي باشا واستلام ورثته الحكم؛ ضعفت دولته داخليًا وخارجيًا، وصولًا إلى الاحتلال الإنكليزي 1882 ومن ثم ثورة يونيو 1952. كان محمد علي باشا في أواخر حياته قلقًا خائفًا من زوال حكمه، حيث ينسب إليه القول “ولدي -يقصد إبراهيم- عجوزٌ عليل، وعبّاس متراخ كسول، من عساه يحكم مصر الآن سوى الأولاد، وكيف لهؤلاء أن يحفظوها؟”.

ثانيًا – الطموحات الإمبراطورية التوسعيّة بما يتجاوز قدرته، وبما يتجاوز توازنات القوى الدولية، والاستعجال، من الواضح أن إقدام محمد علي على ضم بلاد الشام، بما لها من موقع جغرافي استراتيجي، سيدخله في صراع مفتوح مع الدولة العثمانية والقوى الأوروبية العظمى آنذاك. ومن الواضح بمنطق السياسة أن إسقاطه للدولة العثمانية واحتلال الأستانة لا يمكن السكوت عليه من قبل القوى العظمى الأوروبية آنذاك. بريطانيا وفرنسا وروسيا كانت منذ زمن تستطيع إسقاط الدولة العثمانية (الرجل المريض). ولكنّها كانت تؤجل ذلك بسبب خلافاتها على اقتسام كعكة الدولة العثمانية. فكيف ستسمح لمحمد علي باشا بالتهام كامل الكعكة منها!

ثالثًا – استنفاد إمكانات الدولة في الحروب الخارجية المستمرة (حملة القضاء على الوهابية – حملة السودان – حملة بلاد الشام- حملة اليونان)، فلو تمّ صرف نصف هذه الإمكانات على الداخل؛ لكان الوضع مختلفًا!

رابعًا – صدام حسين- محمد علي باشا- جمال عبد الناصر

بتأمل نهضوية عربية أخرى كتجربة جمال عبد الناصر وتجربة صدام حسين؛ سوف نجد، إلى حدّ بعيد، نقاط الضعف السابقة نفسها.

تطرح التجارب النهضوية الثلاثة -على علاتها- أسلوب التحديث القسري للمجتمع من القيادة إلى القاعدة، وهو نمط متكرر للتحديث، نجده -مثلًا- في محاولات بطرس الأكبر تحديث روسيا، وتحويلها من دولة إقطاعية زراعية إلى دولة صناعية غربية، أو الجمهورية التركية الحديثة بزعامة كمال أتاتورك مثلًا! أو التجربة الشيوعية لماوتسي تونغ في الصين. لم يكن المجتمع المصري، قبيل وصول محمد علي باشا إلى السلطة، في وضع جيد، بل كان مثالًا للفشل الاجتماعي السياسي الاقتصادي. لم يعتمد محمد علي على طاقات وإمكانات المجتمع المصري والعربي فحسب، بل قدّم تجربة تنتمي إلى الفضاء العربي الإسلامي، بما يشبه التجارب السياسية للمماليك والعثمانيين، ولكن في شكل تنظيم جديد ودولة حداثية منفتحة على أوروبا والعصر. لنتذكّر أن محمد علي باشا من أسرة ألبانية، وأنه وُلد في مقدونيا، وأنه لم يتكلم العربية أو يجعلها اللغة الرسمية في بلاطه، وإنما استعاض عنها بالتركية، كما هي حال الدولة العثمانية، ولكنّه بالمقابل كان أوّل من وضع مشروع دولة مصرية في العصر الحديث؛ حيث أدخل العربَ المصريين إلى الجيش، بعدما كانوا محرومين من ذلك طيلة قرون سابقة، وجنّد الفلاحين بما أسهم في تجاوز الفوارق الطبقية في المجتمع المصري، وتطوير فكرة الانتماء إلى الدولة. وفقًا للقنصل البريطاني باركر، فإن “جيش محمد علي منهمك في مشروع تحرير الشعوب العربية، وجمعها في إمبراطورية عربية”.