عن أسوار الجوامع والكنائس والتأقلم

أثناء تجوالي في مدينة إسطنبول، هذا العام، وفي الأعوام السابقة، زرت ثماني كنائس، وحاولت أن أزور أكثر، منعني الحراس أحيانًا من الدخول، ومنعني آخر من التصوير، ومنعني غياب من يفتح لي الباب، ولكن الحاضر الدائم، والحاجز الأهم كان السور الذي يحيط ببناء الكنيسة، فهذا لا يقبل الرشوة، كما في حواجز الجيش الأسدي؛ الطيار منها والثابت. وعلى الرغم من الخوف الذي يحتلّ قلب السوري، عندما يعرف أن لا مفر أمامه من التعامل مع عناصر الحاجز، كان يتحايل عليهم مرة باستدرار شفقتهم، ومرة أخرى برشوتهم، ومرة ثالثة بتحمل إهاناتهم له، ولكنه في النهاية، إذا بقي حيًا، كان يجد وسيلة للعبور، وهذا ما لم يكن متاحًا لي، أمام صلابة جدران، يعلوها الحديد المسنن، على ارتفاعها، تحيط بالكنائس والمقابر المسيحية، في إسطنبول.

كانت المقارنة تأتي دون جهد عندما أزور الجوامع، وقد زرت العشرات، ليس للصلاة بالتأكيد، وليس تقربًا من المسلمين، على الرغم من أن في الفكرة “طرافة وحاجة”، في زمن الثورة السورية، ولكن كان همّي الاطلاع على نماذج معمارية بيزنطية، تم تغيير وظيفتها من خدمة المسيحيين إلى خدمة المسلمين، كما في “آيا صوفيا” أو كنيسة “كارية أو تشورا”، مثلًا. ومن الملاحظ أن المسلمين لم يغيروا في وضع الكنائس داخليًا، باستثناء وضع الصلاة والتوجه إلى مكة.

في مدخل البازار الشعبي، في شارع (دولابدير) جامعٌ حديثٌ، صحنه الخارجي مفتوح تمامًا على الشارع، ولا يوجد أي نوع من الحواجز، الدخول والخروج متاح لكل الناس. غير بعيد من الجامع توجد كنيسة قديمة وضخمة، ومزينة بشكل جميل من الداخل ومن الخارج، محاطة بسور ارتفاعه أكثر من مترين، ولها باب حديدي ضخم، يفتحه حارس الكنيسة كهربائيًا لمن يريد الدخول. كان وضع الجامع ووضع الكنسية قد دفعاني إلى التساؤل عن سبب وجود الجدران أو عدمها في الحالتين. وعندما عدت العام الماضي من إسطنبول إلى مونتريال، قمت بجولة على بعض الجوامع، فرأيت الحالة الإسطنبولية معكوسة: الجوامع مسوّرة والكنائس مفتوحة على الشوارع مباشرة، فكان السؤال: لماذا؟

مع تزايد حدة التوترات بين الشرق الإسلامي والعالم الغربي، كان أول ما يتبادر إلى الذهن هو الصراع الديني أو (صراع الحضارات)، ولكن قبل الوصول إلى هذا الاحتمال، أريد أن أسلط الضوء على جانب عشته شخصيًا في هجرتي إلى كندا، ألا وهو التأقلم؛ فالمهاجر الجديد يبحث عند وصوله عن التجمعات التي يعرفها، وهي عادة من أبناء وطنه أو الذين يتكلمون لغته، كي يتواصل معهم، ويكونوا دليله في الوطن الجديد، وقريبًا من هذا التجمع تكون المحال التجارية والمساجد والكنائس، وبما أن المسيحيين يعتبرون أنفسهم بين أبناء ملتهم، فلا يشعرون بالتهديد من الغالبية، وتكون كنائسهم مفتوحة على الشوارع، بينما المسلمون يشعرون أنهم غرباء عن الكتلة الكبرى من المجتمع وعن دينها، يضاف إلى ذلك، الأحكام المسبقة المنتشرة عند جميع الأطراف عن الأطراف الأخرى. فبعد 11 أيلول/ سبتمبر؛ انتشرت في الغرب مقولة “إن كل مسلم هو إرهابي”، وقد غذّت ذلك أعمالُ القاعدة وعمليات التفجير والانتحار؛ فشعر المسلم أنه مهدد، لذلك تم تسوير المساجد الإسلامية، خوفًا من المحيط “المعادي”، وزاد في الحذر محاولات الاعتداء على المسلمين، كما حصل في الهجوم على مسجد وقتل 6 أشخاص فيه، في مدينة كيبيك الكندية.

في تركيا، تعرّض المسيحيون عامة والأرمن واليونان خاصة، في ستينيات القرن الماضي إلى عمليات تهجير واعتداءات، دفعت من بقي منهم إلى التقوقع وتجديد أسوار كنائسهم، خوفًا في المحيط “المعادي”.

ما يهمني هو تنبيه المهاجرين إلى عدم الوقوع في مغريات تكوين “غيتوات”، تعزلهم وتعزل أولادهم عن المجتمع، وهذا ما تفعله -للأسف- كل المدارس ذات الطابع الديني، حيث يكبر وهم التمييز والاختلاف عند الأطفال، الذي لن يخدم أحدًا.