مقالات الرأي

محطات متعثرة في العمل السياسي السوري المعارض

بعد تشكيل المجلس الوطني السوري في 2 تشرين الأول/ أكتوبر 2011، بإرادة إقليمية: تركية – قطرية؛ تم لاحقًا استنساخ نموذجين معدّلين عنه: الأول هو الائتلاف السوري لقوى الثورة والمعارضة في 11 تشرين الثاني/ نوفمبر 2012، بضغط أميركي ودخول سعودي على الخط من خلال كتلة الجربا – كيلو الديمقراطية، والثاني هو الهيئة العليا للمفاوضات المنبثقة عن مؤتمر الرياض الأول للمعارضة في 10 كانون الأول/ ديسمبر 2015، لتكون طرفًا في مفاوضات جنيف. كما تم الإعلان عن نسخة جديدة من الهيئة العليا للمفاوضات، خلال مؤتمر الرياض الثاني المنعقد في 22 و23 تشرين الثاني/ نوفمبر 2017، والتي تألفت من خمسين عضوًا، بينهم 4 أعضاء من منصة القاهرة، ومثلهم من منصة موسكو.

ومع أن المجلس الوطني والائتلاف فقدا الكثير من أهميتهما، بحكم التجاوز والتحديث وتغير الظروف واللاعبين، فقد استمرا بالعمل وتقاسمت الدول الإقليمية السيطرة عليهما، من خلال المجموعات المرتبطة، بهدف تمثيل مصالح هذه الدول في أي ترتيبات سياسية في سورية المستقبل. أما في داخلهما، فتحكمت النواة الرئيسة، إسلامية في الغالب، بالقرارات، فيما تحوّل الآخرون إلى مجرد كومبارس. تمثلت نقطة الضعف الأساسية لهيئات المعارضة هذه بعدم القدرة، وإن وُجدت الإرادة، على مواجهة الضغوط الخارجية من قبل الدول المتحكمة، وذلك بسبب عدم الاعتماد على تمثيل حقيقي تواجه به هذه الضغوط، لا بل إن ضعف التمثيل هو السبب الأساس لارتمائها في أحضان الخارج.

إن حاجة المعارضة السورية السياسية إلى دعم إقليمي – دولي، كما كل معارضة في مثل هذه الظروف، أمرٌ مفروغ منه، وأن يكون لهذه الدول مصالح تطمح لتحقيقها من خلال هذا الدعم أمرٌ طبيعي أيضًا، لكن من غير الطبيعي والمقبول أن لا تكون المصلحة الوطنية السورية أو صيغتها المأمولة، باعتبار أن ثمة انقطاعًا تاريخيًا حال دون اكتمال إنجاز الوطنية السورية في ظل الاستبداد، هي الموجه الأساس عند رسم السياسات والخطط، مع الاستفادة من تقاطع المصلحة الوطنية مع مصالح الدول.

حاولَت المعارضة التقليدية ملء الفراغ الناجم عن تحييد الشباب الموجِّه لأنشطة الثورة، بالقمع ومنع النظام للاجتماعات في الساحات من أجل التقاط الأنفاس وتشكيل القيادات، من دون أن تمتلك الأهلية لذلك في ظروف لم تعرفها من قبل؛ فحملت معها المزيد من العقد والإحباطات وأمراض الشخصنة وعقليات المستبدين، بالرغم من البطولات التي اجترحتها والتضحيات الجسام التي قدمتها في مواجهة الاستبداد، على امتداد أربعة عقود ونيّف.

بالعودة للماضي؛ يمكن تلمُّس بدء تحالفات المعارضة السورية عام 1980، عند تشكيل التجمع الوطني الديمقراطي بجناحين: يميني، على رأسه الإخوان المسلمون، ويساري قومي – شيوعي، وتم لاحقًا تشكيل إعلان دمشق 2005، ومن ثم المجلس الوطني لإعلان دمشق 2007، وذلك بعد أكثر من عقدين من حجب السياسة عن المجتمع. ثم عادت هذه التحالفات بصيغة جديدة في تشكيل المجلس الوطني، الذي كان أقرب إلى تحالف 1980، من حيث أن للإخوان والجماعات الإسلامية المرتبطة بهم الثقل الأكبر.

المحطة الأهم في تاريخ المعارضة السورية كانت ربيع دمشق عام 2000، كونه تمثل بمنتديات سياسية – ثقافية عريضة القاعدة وقابلة للانتشار والتوسع خارج كل الأطر القائمة، وذلك في فترة انتقالية حملت بعض المتغيرات والآمال الخادعة، مع أن الظروف الموضوعية كانت مناسبة لإحداث تغيير سياسي مضبوط، لو أن السلطة المستبدة أدركت أو أرادت. وهكذا، عوضًا أن يكون ربيع دمشق فرصة تاريخية لإحداث التغيير الديمقراطي في سورية، وتنفيسًا لاحتقان طال أمده، تحوّل إلى مجرد ذكرى لخيبة أمل أخرى، فيما عادت الأمور إلى ما كانت عليه، واستمرت بالتفاقم، وصولًا إلى الانفجار الكبير عام 2011.

مثلت المعارضة السورية التقليدية نقيضًا للنظام، من دون أن تفارق بنيته الأيديولوجية الاستبدادية، بحكم بنيتها الحزبية العقائدية المشابهة، مع أن المجلس الوطني لإعلان دمشق 2007 حاول تجاوز هذا الواقع بإدخال العديد من الشخصيات المستقلة، وذلك بضغط من التيار الليبرالي، حديث النشأة، والمدعوم من الصناعي المعارض رياض سيف.

لم تختلف تركيبة المجلس الوطني والائتلاف جوهريًا عن التجارب السابقة للمعارضة السورية قبل الثورة، وقد شكلتهما بالأساس الأحزاب والتجمعات نفسها التي مارست العمل السياسي السري بصورة نخبوية، لكن الواقع كان قد اختلف جذريًا بعد قيام الثورة، التي أعادت السياسة إلى المجتمع من بابها العريض، وأخرجت للعلن آلاف الطاقات الشبابية، وهذه واحدة من أهم إنجازاتها. لذا، لم تكن أساليب العمل السياسية السابقة صالحةً في هذه الظروف المستجدة؛ ما أحدث شرخًا كبيرًا بين مقتضيات العمل الثوري وسياساته، في مقابل العمل السياسي المعارض التقليدي المعتمد على العمل السري.

في هذا السياق، لم تكن المبررات التي ساقها بعض الأعضاء الفاعلين في الائتلاف، لتبرير استقالاتهم في الآونة الأخيرة، مقنِعة، كما لم يكلفوا أنفسهم بمراجعة أدوارهم في هذه الهيئات. السبب الأكثر قربًا من الواقع هو شعور هذه العناصر بضحالة الدور واضمحلاله، وربما المكاسب أيضًا، بعد أن انتقل الائتلاف إلى مستوى آخر هو الهيئة العليا للمفاوضات، وفي ظروف يغيب فيها العمل المؤسساتي وتهيمن الشللية وتُحتكر عملية اتخاذ القرارات.

ما كان يجب انتظار كل هذه السنوات حتى يدرك المستقيلون جسامة الخطأ الذي حمل هذه المعارضة إلى واجهة الحدث، وفشلها في تكوين بديل سياسي يعتد به. كما أن “أهمية” الأشخاص المستقيلين تنذر ببداية انهيار هذه الهيئات أو تلاشيها بكل بساطة، وتعري نواتها الأكثر ارتباطًا، عسى أن يخرج، أخيرًا، بديل وطني يختلف جذريًا وبنيويًا عن التجارب السابقة، بديل يضع مصلحة السوريين، كل السوريين، في مركز سياساته.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

إغلاق