مقالات الرأي

من يخاف من دونالد ترامب؟

في مسرحيته الشهيرة (مَن يخاف فرجينيا وولف)، يطرح إدوارد ألبي، أحد أهم كتاب المسرح الأميركي، أزمةَ الطبقة الوسطى في أميركا، تلك الطبقة الحالمة والمتباهية بالأخلاق الأميركية؛ فيعري حقيقة أميركا الغارقة في الوصولية والادعاء والنفاق والأزمات، المسرحية التي أثارت أسئلة كثيرة، فلسفية ونفسية واجتماعية وسياسية وأدبية، ثمة مناسبة بسيطة وحدث عادي بين زوجين، وبطاقم مسرحي لا يتجاوز الأربعة أشخاص، وضمن مشهدين أو ثلاثة مشاهد، يقول ألبي كل ما يود قوله في رؤيته لأميركا التي يزامنها.

ثمة واقع سياسي راهن على المستوى العالمي ربما لا يكون جديدًا كليًا، لكنه يتعرى بطريقة فجة وصادمة، بدأ بشكل واضح مع وصول ترامب إلى سدة الرئاسة في الولايات المتحدة الأميركية، ترامب الذي يكاد يمتاز فقط بكثرة إشكالاته الأخلاقية، التي تطعن في فوزه في الانتخابات، وسيرته المهنية والمادية، هذا الرجل الذي بقَدر ما يبدو هزليًا مثيرًا للضحك، وربما الاشمئزاز، عند شعوب العالم، يبدو مرعبًا لكثير من قادة العالم، وهو لا يني مُظهرًا عجرفته عليهم عبر وسائل عديدة، في اللقاءات السياسية والوسائل الدبلوماسية والإعلامية، بل حتى في وسائط السوشيال ميديا. فأميركا الحريصة على صورة إعلامية تتفق مع شعاراتها الأخلاقية حول نشر الديمقراطية في العالم، ولو كانت تفعل العكس، تصرّح اليوم بأنها تفعل أي شيء مقابل المال، في انتهازية صريحة، وصلت –ربما- إلى حد وصفها ببندقية للإيجار.

هل هناك عجز يسوّغ لها هذا النهج؟ ربما يكون من السهل فهم البلطجة الروسية؛ فهي -وإن كانت دولة عظمى- مضطرة إلى الإذعان لأسباب اقتصادية ولوجستية على الأقل. عجزها عن مواجهة الضغوطات الغربية، وحاجتها إلى الموارد، وسعيها لنفوذ يناسب تاريخها وحجمها، وتأكيد تطور أدواتها وقواتها العسكرية، إضافة إلى أسباب أخرى كثيرة، كلها تشكل مسوغات لسياساتها الراهنة. لكن الولايات المتحدة الأميركية، وخاصة إبان عهد أوباما الحاصل على جائزة نوبل للسلام، تعلن في عهد ترامب أنها تحارب من أجل المزيد من المال والهيمنة، فهي مستعدة للبقاء أو الذهاب إلى أي مكان مقابل دفع المليارات. شخصية ترامب التجارية أو السياسية لم تكن موضع احترام حتى يتصرف بلباقة مع حلفائه، فهو يستهزئ بهم، ويمتن عليهم، ويطالبهم بالثمن باستمرار.

لكن مَن يخاف دونالد ترامب؟

لا شك أن شعوب العالم اليوم تتأرجح بين حالتين، شعوب لم يبق لها ما تخاف عليه، ولا تشكل أميركا (ترامب خاصة) سوى كارثة ذات بعدين: دعم الاستبداد، واستنزاف الموارد. وشعوب أخرى لديها خشية أن تؤدي سياسات ترامب إلى قلاقل واختلالات في حالتها المستقرة نسبيًا. لكن من يخشى ترامب حقيقة، هي الأنظمة التي تفتقد الشرعية الحقيقية، والأنظمة التي ربطت وجودها بالخارج، ولم تعتن بتأسيسه وتجذيره عبر سياسات تنموية ونهضوية، والأنظمة التي مارست القمع والقتل والدمار، والأنظمة القلقة من تحولات مجتمعية وسياسية؛ فسيّد البيت الأبيض اليوم تاجر صفيق غير متفهم، يصرّ على استغلال الجميع إلى أقصى حد، بغض النظر عن حجم المغامرة أو مقدار الإحراج الذي يسببه لهم. تاجر لا يهتم بالتقاليد الدبلوماسية، ولا بالخطابات السياسية، ولا البرتوكولات الشكلية، التي تحفظ للحلفاء والتابعين بعض الهيبة.

ربما تكون شخصية ترامب من أغرب الشخصيات بين رؤساء أميركا الخمسة والأربعين، لكنه الأكثر تعبيرًا عن بنيتها وسياساتها، منذ الحرب العالمية الثانية على الأقل. وإن كانت هذه السياسات تصدر كحلوى مغلفة بالانتصار على محور الشر في حرب الأربعينيات، أو السياسات الاستراتيجية في مواجهة ظلمات المد الاستبدادي الستاليني والراديكاليات القومية والدينية، منذ ستينيات كيسنجر ونيكسون، فإنها اليوم تقدم دون غلاف يوهم، أو يغطي مذاقها المر القاتل.

ما يلفت النظر أن صوت النقد بأشكاله خافتٌ أمام السياسات الإعلامية المرتبطة بمافيا عالمية، تثير الضجيج حول ما تريد، وتعتم على ما لا تريد. وخاصة في ظل مؤسسات الإعلام الترويجي، واستغلال البيانات وشركات العلاقات العامة القادرة على التأثير الإعلامي والتضليل. ولئن بدرت أصوات لها مكانتها في مختلف المجالات، فإنها خمدت سريعًا وضاعت في خضم من الفوضى المقصودة التي تبرع في مزج الحقائق بشيء من الأكاذيب، ليكون الشك مبررًا وغالبًا.

الولايات المتحدة الأميركية ليست ترامب، وإن كان أصدق تعبير عن سياساتها، ولا يمكن أن تبقى أسيرة صورة ترامب أو منهجيته، لأن أميركا ليست مجرد بنتاغون في وجه روسيا، وليست فقط تلك القدرات الاقتصادية الهائلة القادرة على ضبط نهم التنين الصيني، إنما هي أيضًا هوليوود وناسا وبرودواي ومايو كلينيك والبوليتزر والغولدن غلوب والنيويورك تايمز.. ومراكز الأبحاث والدراسات والشخصيات الأدبية والفلسفية والفكرية الأكثر تأثيرًا في العالم.

وربما لو سلطنا الضوء على الخلفية؛ لوجدنا النسبة الأكبر من الشعب الأميركي هم الذين يخافون دونالد ترامب، سواء أكانوا من النخبة المدركة لانحطاط سياساته على اختلافها، أم من المتعلقين بالمعنى الحضاري لدولة عظمى، أم من الأرومات الإثنية المختلفة عرقيًا أو ثقافيًا داخل مكونات الشعب الأميركي.

تختلف درجة الخوف من ترامب، من الإعراض إلى التوجس إلى أن تصل إلى حد الرعب، وإن كان الإعراض سمة من ليس لديهم ما يخشونه بعد الأهوال التي أصابتهم، فإن رعب الأثمان القادمة يبقى الأكثر ظهورًا، عند من يستنزفون شعوبهم من أجل الاستمرار في السلطة.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً

إغلاق
إغلاق