مقالات الرأي

ما قبل فكرة الحق والحرية

شهدت المنطقة العربية -وما زالت تشهد- أنماطًا من سلوك الأفراد والجماعات، تنتمي إلى مراحل تاريخية غارقة في القدم؛ فالسلوك الثأري، لجماعة ضد جماعة أخرى، هو حالة من حالات الثأر القائم على رابطة الدم، ولقد انتقلت هذه الظاهرة الغارقة في القدم، من أصولها في القرابة إلى حالة ثأرية مرتبطة بالأيديولوجيا الدينية.

الجماعات التي ترتكب الجرائم بحق المختلف، وتقتل رغبة في التسلط والسيطرة، جماعات ما قبل الاعتراف بالحق الطبيعي. الجماعات التي تقذف الناس بالبراميل، وتدمر البيوت على رؤوس ساكنيها، جماعات ما قبل الحالة الوطنية. الجماعات التي تغزو وتعدم وتنهب هي جماعات مرحلة بدائية من مراحل التطور البشري، كل هذه الجماعات ما قبل ظهور فكرتي الحق والحرية.

ولكن كيف نفسر هذا النكوص التاريخي المريع الذي يجعل العقل، لشدة دهشته، عاجزًا عن الفهم؟

يبدو لي أن هناك مشكلة حقيقية في درجة الترابط بين حركة الوعي وحركة الواقع المادي، بحيث لم تعد فكرة انعكاس الوعي للواقع، التي سادت لدى الماركسية المبتذلة، فكرة منهجية صالحة لفهم علاقة الفكر بالواقع.

فالوعي القارّ في الجماعات البشرية العربية معنّد إلى الحد الذي لم تستطع حركة الواقع الطبقية والسياسية أن تغيّره إلى حد يلغي وظيفته.

فزوال المرحلة الإقطاعية -مثلًا- يفضي بالضرورة إلى تغير شديد بالوعي الفلاحي، الذي يقوم على علاقة القرابة، وتقديس الملكية الثابتة، والتقليل من الخبث، والخوف من السلطة، غير أن هذا لم يحصل.

لو تناولنا الوعي الفلاحي المتعلق بالسلطة، والمعبّر عنه بالخوف من السلطة؛ فسنجد أن الأساس في السلطة هو الخوف والإخافة، وحين وصلت الجماعات الفلاحية إلى السلطة عن طريق العسكر حملت معها الوعي بالسلطة هذا: الإخافة. كما حملت معها وعيها بالملكية الثابتة التي لا تتغير، أي ملكية الأرض، فالسلطة يجب أن تخيف المجتمع، ويجب الاحتفاظ بها كملكية ثابتة مثل ملكية الأرض، والإخافة والاحتفاظ بالملكية الثابتة تفضيان -بالضرورة- إلى نظام استبدادي على أشكال متعددة.

كل جماعة بشرية لم تصل إلى مرحلة الاعتراف بالحق والحرية، وبالتالي إلى الاعتراف بالآخر وبحقه وبحريته، هي جماعة همجية. والسلطة التي تنفي فكرة الحق وتحول دون تحققها تعمّم الأخلاق الهمجية بكل صورها.

أخلاق الهمج هي الدافع الأقوى للكفاح من أجل البديل الأخلاقي القائم على فكرتي الحق والحرية، وهذا البديل الأخلاقي مستحيل التحقق دون تحقق دولة الحق والحرية، التي تعمم ثقافة الاعتراف.

أمام واقع كهذا؛ لا يستطيع المثقف أن يقف موقف المتفرج، لا يستطيع أن يتجاهل الصراعات التاريخية وشكلها السياسي، بل إن القول إن المثقف هو ضمير الشعب، يظهر أكثر ما يظهر في حقل الصراعات التي تنتمي إلى تحديد المصير، بوصفه منحازًا إلى القيم الإنسانية الكبرى: الحرية والحق والكرامة.

من الأقوال الخالية من المعنى، قول بعض الهاربين من الموقف الواضح: “الوطن فوق الجميع”.

ما هذا الوطن الذي يقع فوق الجميع؟! الوطن هذا لا وجود له في الواقع، لأن الوطن هو هذا الجميع، الجميع في علاقاتهم المعشرية، في عيشهم المشترك، في الأرض التي يعيشون عليها، في شعورهم بالانتماء إلى جنسيتهم، في إحساسهم بالأمان والاطمئنان، في السلطة المعبرة عنهم، هذا هو الوطن بوصفه هو ذاته الجميع، لا فوق ولا تحت، إذا زال كل هذا وتحطم لا يعود هناك وجود للوطن.

الكفاح الحقيقي الآن هو في خلق الوطن الذي دمّرته السلطة التي تحدثت عنها، خلق الشروط التي تجعل من الجميع وطنًا، هذا هو المعنى الحقيقي لثورة الناس في بلادنا، الثورة حالة إنقاذ، تنقذنا من الموت ومن الغرق في تفاهة الوجود، لكنها في لحظة ما تتطلب منّا أن ننقذها، لتستكمل مهمتها قبل أن تودعنا.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

إغلاق