حين صار الشيطان ملاكًا

لم يتأخر نظام دمشق كثيرًا عن إعلان ولائه لـ “إسرائيل”، فبعد أيام قليلة من انطلاق الثورة الشعبية ضدّه؛ أطلّ رجل الأعمال رامي مخلوف، وهو أحد أعمدة ذلك النظام، ليعلن أنّ استقرار سورية يعني استقرار “إسرائيل”، وكانت الرسالة واضحة وغير مشفرة، ليتبعها بعد ذلك غياب كلّي لـ “إسرائيل” عن التعليق على الحدث السوري، بالرغم من أهميته من الناحية الأمنية بالنسبة إليها. إلّا أنّ رسالة رامي مخلوف تلك كانت، في نظر كثير من السوريين، دليلًا على أنّ ذلك “النظام” ليس سوى عميل لـ “إسرائيل”، وأنّ تل أبيب تحديدًا هي أحد أسباب بقائه في السلطة، وأنّه لو “شاءت إسرائيل”؛ فسوف ينتهي كليًا. وبالرغم ممّا يحمله هذا الرأي من مبالغة، فإنّ “إسرائيل” لم تظهر في الصورة على الإطلاق، على الأقل خلال السنة الأولى من عمر الثورة، وقد اقتصر دورها فيما بعد على بعض الصور التي تُظهر جرحى سوريين يتلقون العلاج في مشافيها، وقد شكّلت تلك الصور إحراجًا لجمهور الثورة، بينما عدّها النظام مكسبًا ثمينًا، وتحدثت عنها وسائل إعلامه مطولًا، لتثبت أنّ تلك الثورة “مؤامرة كونية”، تديرها تل أبيب ضدّ نظامه الممانع. طبعًا، لم يعد هذا الكلام الشعاراتي ذا جدوى، في كِلا المعسكرين: معسكر الثورة ومعسكر النظام، فالمهم في النهاية هو الانتصار على الآخر، بغض النظر عن الوسيلة، وقد شكّلت زيارة أحد الأقطاب البارزين في المعارضة السورية إلى “إسرائيل”، وإلقاؤه كلمة باسم السوريين، نقطةَ تحول بارزة في الذهنية السورية، التي كانت لعقود طويلة ترفض كليًا الحديث عن “إسرائيل” أو حتى الاعتراف بها، فقد شهدت تلك الزيارة ردات أفعال، لم يخلُ بعضها من تأييد ضمني لتلك الخطوة، باعتبار أنّ التحالف مع الشيطان جائز، في سبيل الخلاص من النظام، إلّا أنّ الأمر -ظاهريًا- لم يتطور أكثر من ذلك، وإن كان قد سُجل، في أوقات متباعدة، بعض التصريحات غير المباشرة من هذا الطرف أو ذاك، قد يُفهم منها أنّ المستقبل قد يحمل تغيرًا في طريقة التعاطي مع “إسرائيل” الدولة العدو التاريخي، لكن التغير الأكبر كان بعد تدخل “إسرائيل” المباشر في الحدث السوري، من خلال قيامها، في فترات متباعدة، بقصف مواقع تابعة للنظام أو لـ “حزب الله”، فإن كان النظام قد التزم سياسة ضبط النفس المثيرة للسخرية، من خلال احتفاظه بحق الرد؛ فإنّ معسكر الثورة طرأ عليه تغير كبير، وهو تطور خطير في الوقت نفسه، إذ لم يمانع كثيرون من تأييد الضربة الإسرائيلية، بل التهليل لها. نحن هنا لا نتحدث عن عدو تقليدي، لكنه عدو للضمير الجمعي السوري، فدولة الاحتلال مثلت -تاريخيًا- نموذجًا للعصابة التي احتلت الأرض الفلسطينية، وهجرت الشعب الفلسطيني، ومارست كل أنواع التعذيب والقتل، إلّا أنّ مقارنتها اليوم، بما يفعله نظام دمشق، تظهرها كحمل وديع، هكذا حرفيًا، واستطرادًا، فإنّ مقارنة المشروع الإسرائيلي بالمشروع الإيراني تُظهر “إسرائيل” دولة مسالمة، وستعمل وسائل إعلام عربية تباعًا على تلطيف الجو مع “إسرائيل”، من خلال عقد هذه المقارنات في برامج حوارية، يسترسل فيها الضيوف في الحديث عن صورة “إسرائيل” التي تتيح لأسير فلسطيني أن يتحدث إلى وسائل الإعلام، فيما يحرم نظام دمشق المعتقلين حتى من تنفس الهواء، وسوف يزيد الطينَ بلة، مشاركة بعض الفصائل الفلسطينية، في حرب نظام دمشق على الشعب السوري مشاركة مباشرة، وقيامهم بقتل السوريين، وهو ما سوف يترك أيضًا أثرًا مباشرًا على الموقف السوري من القضية الفلسطينية، ولن نعدم وسيلة لنجد عشرات، وربما مئات، التعليقات التي تذهب في هذا المنحى.

يضعنا هذا “التطور” في الموقف الشعبي السوري من “إسرائيل”، أمام مجموعة أسئلة لعلّ أبرزها: ماذا إذا تمكنت، أو ساعدت “إسرائيل” في إسقاط نظام دمشق؟ كيف سيكون موقف جمهور الثورة منها؟ وهل ستُعتبر “مخلصًا” للسوريين، أم سوف تبقى عدوًا؟

هذه الأسئلة بكل تأكيد لا يمكن العثور على إجابات جاهزة عنها، في أدراج المعارضة السورية على اختلاف مشاربها، فهي -كما تبيّن طوال السنوات الماضية- ليس لديها أي إجابة عن مواضيع أقل تعقيدًا من هذا الموضوع الحساس.

لكن المؤكد أنّ “إسرائيل” تبدو -حتى اللحظة- رابحًا أكبر من المقتلة السورية؛ حيث إنّها استطاعت أن تدخل الساحة من باب واسع، ومن دون أن تكون شريكًا مباشرًا في الحدث. ولو أننا أجرينا استطلاعًا للرأي، في أوساط السوريين المعارضين لنظام الأسد، عن الطرف الذي سيؤيدونه، في حال نشوب صراع عسكري على الأرض السورية -كما يتم الترويج له الآن- بين إيران وميليشياتها من جهة، وبين “إسرائيل” من جهة أخرى؛ فسنخرج بنتيجة صادمة، إذ لن يتردد كثير منهم عن القول إنّه يناصر “إسرائيل” ضدّ إيران. وهذا بحد ذاته مقتلة للثورة، ولأهدافها، إذ المهم في معادلتنا ألّا ننجرف في هذه اللعبة التي تريد إظهار العدو الذي يحتل الأرض السورية والفلسطينية طوقَ نجاة من عدو آخر، يسعى لتنفيذ ما فعله الأول دون زيادة أو نقصان.

وبانتظار قصف جديد قد تنفذه “إسرائيل”، ضدّ مواقع عسكرية في الأرض السورية، وبانتظار أن يحتفظ النظام وحلفاؤه بحق الرد مثل كل مرة، سيظل السوريون عالقين في منطقة هشة، تعصف بهم رياح حرب لا تنتهي، وقد فقدوا بوصلتهم، أو كادوا، حتى صاروا يتوهمون الشيطان ملاكًا.