مقالات الرأي

المحرقة الأسدية

تتحدث الوقائع في سورية عن نفسها: سلسلة المذابح المتواصلة التي لم تنقطع منذ قرابة سبع سنوات حتى اليوم، العمليات العسكرية التي ينفذها النظام الأسدي وحلفاؤه الروس والإيرانيون، عبر الجو والبر، باستخدام مختلف الأسلحة التدميرية التي تطال المدنيين بوجه خاص، في القرى والبلدات وأماكن النزوح. كما لجأ النظام إلى اختراع مقذوفات بدائية لكنها شديدة الانفجار، وأثرها غير محدود، مثل البراميل والأنابيب المتفجرة، وهي ذات تكلفة منخفضة واستخدام واسع، والنتيجة مقتل المئات في كل عملية. أحرق النابالم أجساد البشر في منازلهم، وخنقهم الهواء الأصفر متعدد الأسماء والمكونات: الكيمياوي، لاجتثاث أثر السوريين، يتبع ذلك عمليات تهجير قسري، وانتزاع الأرواح من أمكنتها، ورميها في المجهول، مجرّدةً من كل شيء.

على الرغم من الإنكار الدائم، وطمس الأدلة، وتغيير الحقائق، وإجبار الضحايا على شهادة الزور، فإن تلك الوقائع لا يمكن إخفاؤها. إنها تشير بوضوح تام إلى أن ما يجري في سورية ليس مجرد حل أمني لقمع الثورة السورية ضد الاستبداد، وليس حربًا أهلية كما يصنفها الغرب، أو حربًا لاجتثاث الإرهاب، كما يصورها النظام وروسيا، ويباركها صمت العالم. تلك الوقائع التي تجري على الأرض هي مواصفات وسمات لجريمة منظمة، هي الإبادة الجماعية ضد السوريين. وهي فوق ذلك، تسمي الجلاد والضحية، بلا لبس أو تورية.

لنقس ما يحدث في سورية، على مسطرة تعريف القانون الدولي لجرائم الإبادة الجماعية، ولنتفكر في ما يمكن أن نتحصل عليه من نتائج مباشرة. الاتفاقية الدولية لمنع جريمة الإبادة الجماعية والمعاقبة عليها، تُعرّف الإبادة الجماعية بأنها “التدمير المنهجي والمتعمد، كليًا أو جزئيًا، على أسس عرقية أو دينية أو وطنية”. وتحدد الاتفاقية الأفعال (الجرائم) التي تكوّن جريمة الإبادة، وهي “قتل أعضاء من جماعة، وإلحاق ضرر جسدي وعقلي جسيم، والإخضاع عمدًا، لظروف معيشية، يُراد بها تدميرها المادي كليًا أو جزئيًا. وفرض تدابير من شأنها الحيلولة دون الإنجاب، ونقل الأطفال بالقوة من جماعة إلى أخرى”.

ارتكب النظام الأسدي جميع تلك الجرائم، وتجاوزت أفعاله التوصيفات المنصوص عنها في القانون الدولي، مع الأخذ في الحسبان الفرق الزمني بين عام 1948 الذي وضعت فيه اتفاقية منع جرائم الإبادة الجماعية، واليوم. والفارق الموضوعي، بين أحداث التاريخ التي أدت إلى إقرار تلك الاتفاقية، وهي جرائم النازية ضد اليهود. وبين ما تقوم به الأنظمة الديكتاتورية من جرائم بحق الشعوب، دون أن تحظى بموقف دولي يساعد على وقفها، مع ملاحظة تطور مفاهيم حقوق الإنسان، والجرائم المتصلة بالإبادة، وحماية المدنيين إبان الحروب، واضطلاع المجتمع الدولي، بمنع تهديد السلم والأمن، عبر ارتكاب تلك الجرائم.

لقد قتَل النظام السوري -بحسب وثائق لمنظمات دولية- ما يقارب نصف مليون سوري، منذ انطلاقة الانتفاضة السورية في آذار/ مارس 2011، وقد تمثلت جرائم الإبادة المنظمة بأبشع صورة، حين قام أتباع النظام بقتل المدنيين العزّل على أساس طائفي وسياسي في بانياس (البيضا ورأس النبع) عام 2013. لكن تلك الأرقام ليست دقيقة، إذ يقترب عدد ضحايا المجازر من المليون، بين شهيد وجريح. حتى الآن هناك الآلاف من مجهولي المصير، والعائلات التي أبيدت بكاملها، ومن بقي تحت الأنقاض، ومن لم تصل أسماؤهم إلى المؤسسات التي تقوم بالتوثيق. مصادر التوثيق الأساسية ما تزال جهودًا فردية، بسبب ظروف المناطق الملتهبة والدمار الشامل، وغياب المرجعيات المؤسِّسة لعمليات التوثيق.

يجري القتل وفقًا لاستهداف التجمعات المدنية السكانية التي يصنفها النظام على أساس طائفي وديني، مع ارتباط ذلك بالأسباب السياسية، يؤكد هذا الاتجاهَ دورُ الميليشيات الطائفية المسلحة التي تساند النظام، وهي ممولة بالكامل من إيران، مثالها “حزب الله” اللبناني وميليشيات الشيعة العراقية، وأذرع النظام المكونة على أساس طائفي.

جرى استهداف أحياء وقرى ومدن محددة من حيث البنية الاجتماعية والدينية. وعمل النظام على قصفها وتدميرها، وقتل سكانها بصورة جماعية. وخيّر من بقي حيًّا، بين النزوح الجماعي أو الاستسلام، أما بقاؤهم خارج ذينك الخيارين فيعني البقاء تحت الحصار والقصف الهمجي. كما عمد، طوال سنوات، إلى فرض الحصار والتجويع على المناطق المستهدفة، وعمل على ارتكاب المذابح بصورة منهجية ومتصاعدة. وهذا ما حدث في الغوطة وريف دمشق بأكمله، وأرياف حمص وحماة، ومن قبلُ في حي باب عمرو، قبل أن تمتد المقتلة الأسدية إلى جميع المناطق السورية.

جميع المناطق السورية حدَث فيها، وما يزال، قتلٌ للمدنيين (الجماعات – المجموعات البشرية)، وتخضع للحصار، ولاقتلاع الناس من أماكن عيشهم، وتهجيرهم قسرًا، ثم يأتي بعد ذلك التغيير الديموغرافي، مدعومًا بالسحق العسكري للسكان: قتلهم وبعثرتهم في أماكن النزوح واللجوء، وهي ليست بمنأى عن الاستهداف. تدمير مخيم اليرموك لا يخرج عن سياق الإبادة المنظمة التي يتبعها النظام، كخطة سياسية واستراتيجية للمستقبل، ويأتي في صلبها تهجير ما يزيد عن عشرة ملايين مواطن.

يستند النظام، في سياسة الإبادة الأسدية المنظمة ضد السوريين، إلى الدعم المباشر والكامل من إيران وروسيا، وإلى الجماعات السياسية والتشكيلات المسلحة ذات الانتماء الديني – الطائفي. كما يستند إلى أدوات النظام الضاربة داخل المجتمع السوري: الشبيحة، وأجهزة المخابرات. كما أنه يستغل خوف السوريين الذين ما يزالون داخل مناطق سيطرة النظام، وهم عرضة لحالات الانتقام في أي وقت.

القانون الدولي لا يُعاقب على جرائم الإبادة، فحسب. ولكنه أيضًا يعاقب المحرضين عليها، والمتآمرين على ارتكابها، والمشتركين فيها. وعلى ذلك؛ فإن النظام وحلفاءه من الدول والتنظيمات والميليشيات، والأشخاص المؤيدين لأفعاله وسياساته، هم بموجب القانون الدولي جناة وشركاء في جرائم الإبادة الجماعية المنظمة.

انتظر الأرمن قرابة مئة عام، كي يعترف العالم بشكل محدود بالمجازر التي تعرضوا لها كجرائم إبادة جماعية. فيما تزال جرائم إبادة الآشوريين والكلدان والأكراد والفلسطينيين طيّ التجاهل، بعضها لأسباب سياسية يتصل بالصراع الدولي في القضية الفلسطينية، وبعضها الآخر بسبب هيمنة القوى الكبرى، مثل روسيا التي لا تريد الاعتراف بالإبادة الجماعية التي ارتكبت بحق الشركس (1864 – 1867)، وراح ضحيتها مليون ونصف إنسان.

في ظل المعطيات الدولية والإقليمية الراهنة، فإن جرائم الإبادة الأسدية بحق السوريين سوف تبقى مستمرة، لكونها مرتبطة بأيديولوجيات واستراتيجيات غير وطنية، تخدم المشروع الإيراني في المنطقة بشكل خاص. وسوف يبقى المجرمون طلقاء، ما لم يبادر السوريون إلى القيام بعمل قانوني واسع، يهدف إلى توثيق وطني شامل لجرائم النظام ومجازره التي تندرج في سياق توصيفها كجرائم إبادة، وأن تنشأ مجموعة عمل قانونية، مهمتها تحضير الوثائق والأدلة، والتعاون مع المنظمات الدولية؛ لرفع قضايا أمام المحاكم التي تقبل ذلك، طالما أن محكمة الجنايات الدولية محكومة بإحالة مجلس الأمن والفيتو الروسي والصيني. والعمل سياسيًا وقانونيًا وإعلاميًا، بكل الوسائل الممكنة، لاكتساب اعتراف من المنظمات الدولية بأن ما يرتكبه النظام وشركاؤه هو جرائم إبادة جماعية.

ما تزال جرائم الهولوكوست تشغل العالم حتى اليوم. ومع وجود تقنيات التواصل المعاصرة، يمكننا إنشاء شبكات تعاون وتنسيق على مستويات سياسة واجتماعية مختلفة؛ لإيصال قضيتنا وحشد الدعم لها. ولعلّ التوصيف القانوني لجرائم الأسدية بأنها “إبادة جماعية”، هو خطوة مهمة وأساسية، لمحاكمة مجرمي الحرب في سورية، وتحقيق مبدأ العدالة في المستقبل.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً

إغلاق
إغلاق