مقالات الرأي

عن الثورة والمجتمع والخلافة الإسلامية

أثار قيام “حزب التحرير الإسلامي” بتنظيم تظاهرة في مدينة إدلب، رفَع خلالها لافتات كتب عليها “بمشروع الخلافة تنقذ ثورتنا وتنهض أمتنا”، جدلًا على وسائل التواصل الاجتماعي بين السوريين، شارك فيه عدد غير قليل من النخب السورية، التي كان استنكارها للأمر شديدًا، باعتبار أنه بعد كل ما جرى (ويجري)، من تخريب للثورة من قبل الجهاديين والإسلامويين، هنالك من يعود ويدعو ليجرب المجرّب!

الحادثة تلك، تلقي الضوء على عدد من الإشكالات الكبرى التي لم يزل يحفل بها الواقع السوري. إلا أننا سنركز في هذا المقال على ثلاثة منها، نعدّهما الأبرز: الأول يتعلق بالنخبة ووعيها للمجتمع الذي تعيش فيه، والثاني يتعلق بالمجتمع السوري وما يختزن من قوى، والثالث يتعلق بإشكالية الإسلام السياسي من جهة والإسلام الجهادي من جهة أخرى، وعلاقتهما بالمجتمع والثورة.

الملفت أن القسم الأبرز من النخبة السورية التي كان صوتها شديدًا، بخصوص الحادثة أعلاه، هي ذاتها التي دعت فيما سبق للتحالف مع الإسلاميين، وهي ذاتها التي رأت في النصرة وغيرها من التنظيمات الإسلاموية والجهادية “جزءًا” من الثورة ونصيرًا للسوريين، وهي التي كانت تهلل عند انتقال كل مدينة من يد النظام إلى يد هذه التنظيمات باعتباره “تحريرًا”، الأمر الذي يدعنا نتساءل: لِمَ يستنكر هؤلاء اليوم؟ أليس هذا المآل الذي وصلنا إليه، هو نتيجة منطقية للمقدمات التي طالما دعوا ونظروا لها، بل خونوا الآخرين بناءًا عليها؟

إذن، لا معنى لهذا الاستنكار الذي نشهده اليوم، دون أن تعيد النخبة نقد ذاتها ووعيها ومواقفها طيلة الثورة. ولا نقول هذا الكلام بغية رجم النخبة وشيطنتها وإثبات أنها على خطأ، إذ لم يبق أحد لم يخطئ في تحليلاته السورية، كائنًا من كان، نظرًا إلى عمق التحولات التي عصفت بسورية وما تزال، بل لأن مسار الأمور لن يستقيم دون هذا النقد الجذري الشامل، بهدف إعادة البناء ولملمة الصفوف، خاصة أن سورية ما تزال ترقد في محنتها، وتحتاج إلى وعي أبنائها وصوت نخبتها التي عليها أن تنقذ وعيها، كي تتمكن من أن تساهم في إنقاذ سورية، وهذا لا يستقيم دون نقد كل البديهيات والمقدمات التي انطلقنا منها، وليس كما هو حاصل اليوم حيث إننا ما زلنا نتبرأ من النتائج، في حين نتمسك بالمقدمات التي آلت إلى ما هو حاصل اليوم.

أما بخصوص الأمر الثاني، ونعني المجتمع والثورة، وهو أمر له صلة بوعي النخبة لمجتمعها أيضًا، فتبين لنا خلال مسار الثورة أن المجتمع السوري متعدد الانتماءات والهويات، وأن “القداسة” التي أعطيت للشعب في بداية الثورة لم تكن صائبة أيضًا؛ حيث غاب عن وعي النخبة والفاعلين أن المجتمع، بطبقاته وطوائفه وقومياته ومفراداته، هو متحول لا ثابت، إذ يتحول ويتشظى، يسمو وينحدر وفقًا لوعيه ولطبيعة القوى الفاعلة فيه، وعلى ذلك؛ فإن مفهوم الشعب يبنى أيضًا ضمن عملية الثورة، فالشعب الذي افترضنا وافترضت النخبة أنه “مقدس” و”ثابت” لم يكن كذلك، بل تبين لنا خلال مسار الثورة أنه يحوي من القوى الضدية الكثير ومن الوعي الضدي الكثير أيضًا، وأن الأمر مرهون للفعل؛ ما يعني أن المجتمعات التي تركها الاستبداد في حالة ما دون الوعي الوطني، كانت تتطلب العمل بالتوازي مع فعل الثورة، وهو الأمر الذي لم تدركه القوى الفاعلة، إذ تمّ التركيز على مسألة الثورة ضد الاستبداد بعيدًا عن الثورة ضد وعي المجتمع الضدي وقواه الضدية أيضًا، فكان أن تقدم الوعي الإسلاموي الضدي مجتمعيًا، وحاصر الثورة ليصيبها في مقتل.

أما في ما يتعلق بالإسلامَين السياسي والجهادي، فإن طبيعة الاستنكار التي صدرت من هذا وذاك، والقائلة: إنه بعد كل ما جرى، أما زال هناك من يدعو إلى الخلافة الإسلامية!

إن طبيعة الاستنكار تدل مرة أخرى، على عجز وعي النخبة عن إدارك طبيعة هذه التنظيمات، وما تحمله من جنون وانحدار قد يصل بنا إلى أبعد من ذلك، إذ تبين طبيعة هذه التنظيمات أنها قادرة دومًا على ابتكار المزيد من التوحش والبشاعة، إذ من رحم الإسلام الجهادي وأفكاره وُلدت (القاعدة) ومن رحم الأخيرة ولدت (النصرة)، ثم جاءت (داعش) و(بوكو حرام)، ولن تقف السلسلة هنا أبدًا؛ لأن لهذا التوحش بنًى وجذورًا في الوعي الإسلاموي على المستوى الشعبي، ودون تفكيك هذا الوعي -معرفيًا وتربويًا- سيبقى أصحاب هذه المشاريع المجنونة يجدون “أنصارًا” لتطبيق نماذج جديدة من الجنون، دون أن ننسى أن هذا يتمّ بدعم من الاستبداد، ومن قوى إقليمية ودولية كثيرة لها مصلحة في استيلاد هذا الجنون واستمراره؛ الأمر الذي يعني أن هذا الذي شهدناه في شوارع إدلب وغيرها، قابل للتناسل والاستمرار، ما لم يتم العمل الفعلي والجاد على إيقاف ذلك، وهذا يتطلب بدء المراجعات الجدية وبدء الفعل السياسي والمدني على الأرض، لمحاصرة تلك التنظيمات من جهة، وللعمل على وعي المجتمع بالتوازي مع العمل على دحر الاستبداد.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً

إغلاق
إغلاق