بين طوفانين

لم يكن طوفان دمشق قبل أيام من فِعل النظام السوري، وليس له من علاقة بالسياسة ولا بالثورة ولا بالدين، ولم يكن لصالح أحد ضد أحد، فهو لم يُصب إلا بسطاء الناس، ولم يُخرّب إلا أملاك السكان والمرافق العامة، ولا يمكن النظر إليه إلا من منظور سوء تقدير الجهات الحكومية، وعدم اكتراثها بدرء المخاطر عن المواطنين بشكل مسبق، من خلال التخطيط الصحيح والتنفيذ السليم لمشاريع البنى التحتية.

طوفان دمشق قبل أيام ليس هو الكارثة، وما هو سوى سحابة صيف عابرة، بالمقارنة مع “طوفان الأسد”، ذلك الطوفان الذي التقطه الراحل عمر أميرلاي مُبكّرًا، فصنع حوله فيلم (طوفان في بلاد البعث)، نبّه فيه إلى الآثار المُدمّرة المترتبة على سياسات حزب البعث في سورية، الحزب الذي امتطاه الأسد الأب، ليمنح عبره شرعية لأجهزته الأمنية لحكم الدولة والمجتمع، وليُمرر دولته العميقة التي ما زالت تحكم حتى الآن.

طوفان “سورية البعث” أو “سورية الأسد”، هو الكارثة السورية الحقيقية، وقد بدأ عام 1970 بعد انقلاب تشرين الثاني/ نوفمبر، ومكّن الأسد وحاشيته من استلام الحكم، والسيطرة على السلطة، أمنيًا وسياسيًا واقتصاديًا، ومن ثم ابتلاع الدولة كلها.

لم يقتصر “طوفان الأسد” على إفساد مناطق محددة، ولا على سلب أملاك فئة معينة، ولا على تخريب بنية مجتمعية بذاتها، بل كانت آثاره الكارثية تكاد تشمل كل ما في البلد، وكانت تظهر عامًا وراء عام، طوال خمسة عقود، حتى تبيّن أنه طوفان جارف مُبرمج بخبث؛ ليطيح بكلّ ما بناه السوريون، خلال تاريخهم القديم والحديث.

استند “طوفان الأسد” إلى تحالفات خلفية، نسجتها الدولة العميقة خلال خمسة عقود، تحالفات سياسية واستخباراتية وطائفية ومالية ونفعية وأيديولوجية، لا يمكن تفكيكها بسهولة، تحالفات أجهزة الأمن والقضاء والمافيا والطائفة في آن. تستخدم العنف والترهيب والقمع والتخويف والقتل وسائل لبلوغ غاياتها، ولا تهتم بمبدأ سماوي أو بقانون أرضي.

قام الأسد الأب بطوفانه، فحوّل سورية إلى دولة استبداد شمولية متخلفة، وبنى الأجهزة الأمنية العنفية والطائفية، وعمّم ثقافة الخوف والقمع والمحاصرة، وطعّمها بمنتفعين وانتهازيين دُجّنوا بالترغيب والترهيب؛ فتحكّمَ في السياسة والتعليم والإعلام والدين والاقتصاد والثقافة والقضاء، ونهَب الثروات، وحاصر الأفكار، وحارب الإبداع، وأسهم في تخلّف البلد ودمّر بنيته المجتمعية.

جاء الأسد الابن ليتابع طوفان أبيه، وليستلم الدولة العميقة التي خلّفها له، ليحوّلها إلى دولة عميقة انفجارية، تحكمها عصابة لا ترى إلا ذاتها، ولا ترعى إلا مصالحها، ولا يُشقّ لها في العنف غبار، حرقت الأخضر واليابس، ودمّرت الزرع وجففت الضرع، ونشرت الأهوال، وقادت سورية إلى حافة الانهيار.

سيكتب التاريخ أن حفنة من السوريين أنتجت طوفانًا، فأغرقت واحدة من أعرق دول المتوسط، وأقدم الحضارات في التاريخ الإنساني، أرض سام بن نوح، وممالك السومريين والأكاديين والآراميين والآشوريين والأمويين.

وحدهم السوريون قادرون على مواجهة هذا الطوفان الذي أفسد أرضهم، وعليهم العمل على ذلك بطرق مبتكرة، والأهم عدم التراجع عن ثورتهم، ليكتب التاريخ يومًا أن السوريين وقفوا في وجه طوفان أعتى من طوفان نوح، وأوقفوه.