ما زال هناك ما يمكن فعله

لم تسفر المبادرات السياسية التي طُرحت منذ بيان (جنيف 1) عام 2012 عن أي تقدّم في حل الأزمة السورية، وعُقدت مئات الاجتماعات والمؤتمرات، وطُرحت عشرات المبادرات، ولم يبقَ طرف متدخل في الأزمة السورية إلا أعلن رفضه الحلول العسكرية، وشدد على أن الحل السياسي هو الخيار الوحيد، إلا أن ما يقوم به جميع الأطراف يؤكد أن رغبتهم عكس ذلك؛ فالسلاح والقوة هما لغة الحوار الوحيدة المتداولة بين هذه الأطراف، المحلية والدولية والإقليمية.

يُحاول الجميع اللعب على الوقت انتظارًا لظروف أفضل، تسمح بإجراء مساومة شاملة حول مكاسبهم في سورية، فينقطع الحوار، وتعلو قعقعة الأسلحة كوسيلة حوار أو إقناع أو تفاوض وحيدة، وتتصارع المصالح وتتنافس، ويدفع الثمنَ المواطن السوري وحده، وتتحطم أحلامه بالحرية والدولة الديمقراطية التعددية التداولية.

لم يوافق النظام السوري على أي مبادرة سياسية أو حلّ، وظلّ طوال سبع سنوات لا يناقش ولا يُفاوض خصمه (الشعب) إلا بالسلاح، وأدخل الإيرانيين والروس إلى عمق دولته العسكرية والأمنية وحتى السياسية؛ ليضمن إمدادًا مستمرًا للمقاتلين والأسلحة والدعم.

لا تريد إيران هي الأخرى الحلول السياسية، ما لم تكن نتائجها مضمونة لصالحها، ومن هنا؛ فإن تثبيت رأس النظام السوري هو وسيلة وليس هدفًا، والغاية الأساس تثبيت ذاتها، كقوة إقليمية قادرة على التحكم في المنطقة، يُترك لها هامش من الهيمنة يتناسب وطموحات أصحاب الثورة الإسلامية الإيرانية، طموحات قومية فارسية بلبوس ديني. ولأن النتائج لا يمكن أن تكون لصالحها؛ لم تطرح سوى القوة والسلاح وسيلة للتعامل مع “الملف” السوري.

بدورها، نجحت روسيا في الدخول إلى المتوسط، كخطوة لاستعادة نفوذها العالمي، وادّعت أنها تعمل من أجل الأمن والاستقرار في المنطقة، لكنّ كل ما جرى، منذ تدخلها العسكري المباشر نهاية عام 2015، أكّد عكس ذلك؛ إذ إنها أرسلت مرتزقة، وتورطت بجرائم حرب، وانكشف الوجه (المافيوي) للكرملين، وابتدعت مؤتمرات أستانا وسوتشي، لسحب الملف السوري من تحت غطاء الأمم المتحدة، وعندما فشلت؛ عادت إلى لغة القوة والسلاح للتخاطب مع الجميع.

من جهتها، عسكرَت المعارضات المسلحة الثورةَ وأسلمَتها، وساهمت في إفساد المعارضة السياسية، واعتقدت أنها بالقوة والسلاح ستُسقط نظامَ مافيا شموليًا متجذرًا، وتُرضخ دبًّا روسيًا هائجًا، ووباءً إيرانيًا منتشرًا، فاستعملت القوة معتمدة على بعض قطع سلاح وقعت في اليد الخطأ.

تغيير ميزان القوى على الأرض السورية لا يحتاج إلى سلاح فقط، بل ربما لا يحتاج البتة إلى السلاح، وإنما إلى وسائل ضغط مختلفة تكون قادرة على تغيير سلوك الأطراف الداعمة لنظام الأفران البشرية والبراميل والكيميائي، وقادرة على تغيير سلوك سرطان إيراني متفش، وسائل ضغط تمتلكها الولايات المتحدة وحدها.

أسست الولايات المتحدة دون ضجة 12 قاعدة عسكرية في سورية، وسيطرت على نحو نصف مساحة سورية بهدوء، مستغلة خوف الجميع منها، ولم تسعَ إلى أي حل سياسي، وتركت الحلول تقود نفسها، والأطراف تُفشلها، ورضيت بمقاعد المتفرجين، طالما أن أحدًا لا يدوس على طرف ثوبها.

ربما وحدها أميركا (ومن خلفها إسرائيل) تقف مبتسمة، تنظر إلى الجميع شزرًا، فهي تحقق ما تريد بسبب أخطاء وجنون وأوهام الجميع، وتراقب الجميع كيف يخسر، وكيف يتوهم أن القوة والسلاح هما الفيصل، وتراقب الخسائر الهائلة التي يُمنى بها الروس والإيرانيون والسعوديون والنظام السوري والمعارضة، بينما لا تخسر هي شيئًا، وكل ما تقوم به هو تشغيل بعض القوة بين الفترة والأخرى، من أجل تصويب المسارات، وهي مُدركة أن لا سلاح يردع الجميع سوى سلاحها، لكنها لن تستخدمه ما دام الجميع يخسر، عسكريًا وسياسيًا واقتصاديًا، والجميع يتقدم بثقة إلى مركز المستنقع وقلبه.

الخيوط بيد الولايات المتحدة، وبعض أطرافها بيد قوى دولية وإقليمية، ولا يوجد طرف خيط بِيد أي سوري، في المرحلة الحالية على الأقل، لكن ذلك لا يدعو إلى استسلام سلبي؛ فهناك نطاقات أخرى غاية في الأهمية، يجب العمل عليها، على رأسها العمل على استعادة مقاصد الثورة، وعقلنة خطابات السوريين، وتوعيتهم، وحثهم على الابتعاد عن التحريض والعشوائية والارتجال والفوضى والشعبوية، وتعميق إرادة العيش المشترك لديهم، وفهم مبدأ المواطنة والعلمانية، وترسيخ احترام الرأي والرأي الآخر (غير الملوث بالدماء)، وتقديس حرية التعبير والحريات الفردية، والتفكير بوسائل إنتاج الدولة السورية المنهارة التي أوصلها نظام الأسد بدناءته إلى ذلك المصير.