بحر كل المعارك، ما يجري في سورية وفي العراق يجد تفسيره في الرهانات المتوسطية

كلّنا نتذكر هذا التعبير: “أمّ المعارك” الذي استخدمه صدام حسين، في كانون الثاني/ يناير 1991، مع بداية أول صراع ضد الغربيين، وتكرر في آذار/ مارس 2003 حين بدأت حرب الخليج الثانية. قد يكون التعبير موضع اعتراض (فقد جاء من خطأ في الترجمة عن العربية، لصورة بلاغية كان يجب أن تترجم بـ “معركة المعارك”)، لكنه استقر على هذا النحو في أذهان الناس.

ربما آن الأوان، في اللحظة التي تسود خلالها في المكان نفسه حربٌ جديدة ذات شراسة قصوى، أن نفهم، في الواقع، أنه في البحر، ومن أجل البحر، يتمّ الرهان على كل شيء، وبوجه خاص البحر المتوسط.

هكذا سماه الرومان، وهو، على الأقل، منذ ثلاثة آلاف عام، بحر كل المعارك، ومكان صراعات لا حصر لها؛ إذ إن الهيمنة عليه هي مفتاح تموين البلدان المحيطة به. فقد تنازع على الهيمنة عليه المصريون، والفرس، واليونانيون، والفينيقيون، والقرطاجيون، والرومان، والفينيسيون، والصليبيون، والعثمانيون، والجنويون، وكثير غيرهم. ثمَّ اختفى من كتب التاريخ، حين انتقل مركز السلطة العالمي إلى بحر الشمال، ثم إلى المحيط الأطلسي، ثم إلى المحيط الهادي والآن إلى بحر الصين. غير أن البحر المتوسط، مع ذلك، لم يكف عن امتلاك دور جغرافي/ سياسي مهم. لا بل إنه في قلب رهانات أيامنا هذه. فما يجري الآن في سورية وفي العراق، على سبيل المثال، يجد تفسيره بصورة واسعة في الرهانات المتوسطية.

هل المراد أن تُعطى روسيا ثانية مكانها كاملًا في مجمع الأمم المتوسطية؟

خصوصًا بالنسبة إلى الروس، كان هوَسُ الرئيس بوتين على الدوام أن يضمن لبلاده مدخلًا إلى كل البحار. ومن هنا تعزيز البنى التحتية العسكرية في فلاديفوستوك وموانئ بحر البلطيق. ومن هنا أيضًا استعادة القرم التي تضمن المدخل الروسي إلى البحر الأسود والبحر المتوسط، عبر مضيق البوسفور. إلا أن المدخل الحقيقي، في الواقع، للأسطول الروسي إلى البحر المتوسط مضمون، منذ العهد السوفياتي، من خلال إنشاء قاعدة بحرية في سورية، بطرطوس، على مسافة 30 كم من الحدود اللبنانية. وها هي الآن، بعد أن كانت شبه مهجورة، لحظة انهيار الاتحاد السوفياتي (كما حدث للقواعد في مصر والحبشة)، تعود، لتصير مجدّدًا وبصورة مطلقة نقطة استراتيجية منذ عشر سنوات. ويبدو أن الروس قد عززوها كثيرًا، إلى درجة أن جعلوها قاعدة استقبال غواصات ذرية وصواريخ بالستية، مثلما عززوا قاعدتهم الجوية المجاورة في حميميم.

ومن أجل هاتين القاعدتين، يبدو أن الروس قد حصلوا من النظام السوري على ضمان الحصانة، ومن هنا دعمهم لآل الأسد. وإذا أكد لهم الغربيون، في هذه الحال، ملكيتهم لهذا الموقع؛ فلن يكون لدى الروس سوى القليل من الأسباب التي تحملهم على دعم النظام العلوي والمحافظة، على هذا النحو، على صراع رهيب.

ولكن هل يراد في واشنطن وباريس إعطاء الروس مجددًا مكانهم الكامل ضمن مجمع الأمم المتوسطية؟ هل يراد على هذا النحو الاعتراف بمكانهم الكامل في أوروبا؟ هو ذا أحد الرهانات الحقيقية لهذه المجازر. حتى لو كان الاحتباس الحراري سيحمل عما قريب على الانتقال، بواسطة العديد من أعمدة البواخر القادمة اليوم من آسيا عبر قناة السويس، وبالتالي عبر المتوسط، فإن النمو الاقتصادي والديموغرافي الرائع لأفريقيا سوف يبعث الحياة في هذا البحر المنسي. وها هو بناء الموانئ الجديدة في المغرب وفي تونس يؤلف أولى مظاهر ذلك.

لا شك أنه سوف يجب آنئذ أن نتذكر الجملة شديدة الغموض لمؤسس سنغافورة، المشهور برؤاه، لي كون ميو، حين كان يقول، قبل زمن طويل، إلى صديق له: “مشكلتكم، أنتم الأوربيون، هي أن البحر المتوسط شديد الصغر”…

لقد آن الأوان في الحقيقة كي نفكر بذلك.

العنوان الأصلي للمادةCe qui se joue actuellement en Syrie et en Irak s’explique très largement par les enjeux méditerranéens.
الكاتب: جاك أتالي Jacques Atali       
المصدر: مجلة الإكسبريس   L’Express
الرابطhttps://www.lexpress.fr/actualite/monde/la-mer-de-toutes-les-batailles_2000297.html
الترجمة: بدرالدين عرودكي