مقالات الرأي

من تدوير الأمل إلى إدارة الواقع

مع بداية الحراك الشعبي، انفتحت كوّة الأمل بمستقبل أفضل، أمام شعب ظلّ عقودًا مستبعدًا عن ساحة السياسة، ورازحًا تحت كمّ هائل من المشكلات اليومية والحياتية، وسيطرة الخوف التي تُقصيه عن أي فعل باتجاه تحسين وضعه؛ فالحراك الشعبي -على الرغم من الكثير من المخاوف- كان بالنسبة إلى غالبية السوريين نهاية حالة الفساد المتأصّلة، وبداية لتحسين وضعه المعيشي، وأملًا بأن الغد سيحمل له الحرية ودولة القانون التي لا يعلو فوقها أحد.

كوّة الأمل التي انفتحت كانت مسنودة إلى جملة من التوقعات؛ إذ توقّع البعض مسارعة النظام إلى الإصلاح الاقتصادي والسياسي، وتوقع البعض الآخر سقوط النظام بين ليلة وضحاها، إلا أن هذه التوقعات انتهى تداولها بعد وقت قصير، مَثّل الحدّ الفاصل بين انطلاقة الحراك بشكله المدني السلمي، وبين انطلاق النفير الطائفي والمذهبي والإثني الذي فشلت النخب العلمانية والقومية، بانتماءاتها المتنوعة، في الحدّ من انتشاره، بعد أن تمّ إخراجه من معياره الديني، وتحويله إلى حالة ولاءات سياسية، تقودها منظومة فكرية غير منسجمة تحرّكها الأحقاد التي تشكّل موجّهًا سيئًا في أي عملية سياسية هادفة إلى التغيير، في بلد متعدد الثقافات والولاءات؛ ما شكّل رادعًا قويًا لأمل السوريين بالوصول نحو التغيير المطلوب واستعادة الحقوق المهدورة.

حال التشظّي، وما تلاها من أحداث عنفية، أطلقت العنان لإسقاط المدن التي أطلق عليها “مدن الثورة” ومعاقلها، الواحدة تلو الأخرى، ومن استمرار لمتوالية الصراع العقيم، بين النظام المسنود من إيران بطموحاتها المتعددة من جهة، والمجموعات الأصولية المختلفة تشاركها بعض أطراف المعارضة السورية الهشّة بتركيبتها ورهاناتها على حلول خارجية الصنع من جهة أخرى، ولكلّ منها حامل اجتماعي وشعبي ذو سمات معينة وجغرافيا منفصلة أخذت تتبلور مع طول الأزمة، بحيث أصبحت جزءًا من قناعة المتحاربين بتشكيلاتهم العسكرية المتعددة، وكأنهم في تنافس هستيري لتثبيت المواقع على خطوط الخارطة، بالرغم من فشلهم في تقديم نموذج معقول يُرضي من يتحكمون بمصايرهم.

الترويج والتعويم لفكرة التقسيم أخذت تتشكل في العديد من الأفكار المطروحة، قبل تحوّل الوضع في سورية إلى حرب طاحنة تقودها دول وميليشيات دول، تستخدم كل وسائل العنف المتاحة، لاستنزاف آخر رمق لدى السوريين وتمزيق سورية، لتحقيق مصالحها ورغباتها على حساب دماء السوريين، ولكنها لم تتوقف عن تكرار أسطوانتها المشروخة أن لا حلّ عسكريًا للأزمة، وأن الحلّ السياسي قيد التفصيل في أروقة المؤتمرات “المعطّلة” واتفاقات الدول فوق الطاولة وتحتها، وأن سيادة سورية ووحدة أراضيها هي “خط أحمر”، وذلك على الرغم من أنه لا يمكن لأحد أن يرى في هذه الطروحات، والتي كان آخرها في اجتماع ترويكا رؤساء الحرب: “بوتين وروحاني وأردوغان” في أنقرة، سوى استهلاك إعلامي، وتشويه لحقيقة الواقع السوري. فالخطر على وحدة سورية ابتدأ مع بداية الصراع المسلّح وتشظّي سورية، بين فصائل وطوائف وإثنيات لها دول ترعاها، وتعمّق الخطر مع تحوّل الصراع إلى صراع دولي وإقليمي على الجغرافيا السورية، وتوزّع النفوذ الخارجي على مجمل الخارطة السورية لدول مختلفة المشاريع والأجندات تتقاتل على زيادة مكاسبها، وتتحالف لدعم استقرارها المستقبلي، وكل منها يعمل على خلق واقع سوري جغرافي وسكاني يتقبّل وجود هذه الدول، بصفتها حامية لهذه الأقلية أو الأكثرية، وسط شعارات مختلفة تناسب استمرارها، وهذا ما يشكّل الخطر الفعلي والأكيد على وحدة سورية، حيث لا يتمّ التعامل مع هذه الدول على أنها احتلالات تقودها مصالحها، وأنها غير معنية بإيجاد الحلول للصراع، ولا تعنيها كثرة الدماء وعدد الضحايا السوريين المتوفرين دائمًا.

أمام هذه المأساة السورية التي عملت بكافة مفاعيلها على سحق السوريين ودفعهم نحو الحدود القصوى من الاحتقان؛ يبدو الكف عن عملية تدوير الأمل هي بداية لخلق واقع آخر، خصوصًا أن عملية تدوير الأمل التي عاشها السوريون في الرهان على “الجيش الحر”، والمبادرات السياسية التي ترعاها الدول، والمجلس الوطني ثم الائتلاف، ورهان البعض على الكتائب الجهادية والحسم العسكري، فإنها بجميعها سقطت تباعًا، ولم تنتج حلًا لسورية وللسوريين، ولم تبشّر ببداية طريق آخر ومختلف، وهذا ليس دعوة لليأس، بقدر ما هي دعوة لإعادة التموضع في إدارة الواقع السوري المتشظّي، ومحاولة كسر السدود التي ارتفعت بين السوريين، والتي يزداد تثبيتها في ظل استمرار أوهام الحلول المستوردة، والتعويل على تنافس الدول وإنذاراتهم، كما حدث في عاصفة الضربة الأميركية للنظام ردًا على كيمياوي دوما، فأميركا ليست حلًا، ولن تصنع حلًا، وقد يكون ما حدث في العراق أكبر دليل. وفي ظل غياب معارضة فعّالة وطنية ومعتدلة قادرة على أخذ المبادرة الجدية، في محاولة الخروج من المأساة؛ فإن الحلول ستبقى هزيلة وغير مجدية، وذلك على الرغم من كثرة المبادرات والمشاريع والتيارات الوطنية المتشابهة في طروحاتها ونداءاتها نحو صياغة إجماع وطني شامل وجامع. هذه المبادرات -على ضرورتها كحاجة موضوعية للخروج من نفق الصراع في سورية وعليها- ما تزال، رغم دخول العام الثامن من المأساة، بعيدة عن التنسيق فيما بينها، وبعيدة عن الفعل الحقيقي، فما وصل إليه السوريون من خيبات صار بحاجة ماسّة إلى فعل حقيقي، وعدم الاكتفاء بطباعة البيانات ورفع الشعارات التي لن تؤتي ثمارها، مع حالة الإحباط المرافقة لواقع الحرب وتداعياتها المريرة.

معطيات الواقع السوري المعقّدة والمعتمة تؤكد أن أخذ الموقف الصحيح من الأحداث، لدى الكثير من التيارات السورية الوطنية، لن يغيّر الأحداث، ولن يصنع واقعًا مخالفًا لما يحدث، وأن إنشاء عوامل القوة لا يكمن بكثرة الطروحات الوطنية، إنما بتوحيد القوى التي تمنح لهذه التيارات القدرة على التأثير المجتمعي، فهناك قطاعات اجتماعية وشعبية واسعة ترفض بالمطلق كل ما يمارس من أشكال العنف وعبثية الحرب، وتسعى للمـحافظة على تماسك النسيج الاجتماعي والجغرافي السوري، وتتوافق مصالحها مع التحرر الاجتماعي والسياسي، لكن أصواتها غائبة أو مغيّبة، ولم تلمس حتى الآن مبادرات عملية جادة وجدية لإحداث التغيير وإيقاف سيل التدمير الاقتصادي والثقافي والفكري الذي طال سورية، ونال من السوريين جميعًا.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

إغلاق