المعارضة… الثورة… الوطن

المعارضة:

قبل آذار/ مارس 2011، كانت هناك معارضة سورية متمثلة بإعلان دمشق وقوى سياسية أخرى. وفي عام 2000 سمح بشار الأسد لها بإقامة المنتديات، التي لم تستمر إلا سنة واحدة، انتهت بأصحابها إلى السجون. وكانت فعلًا معارضة، لأن النظام اعترف بها بشكل أو بآخر.

لكن بعد انطلاق ثورة الحرية والكرامة عام 2011؛ أصبح كل من يقف ضد النظام يصف نفسه باعتزاز بأنه “معارض” لنظام الأسد. وهنا تبلورت هياكل للمعارضة كالمجلس الوطني السوري وهيئة التنسيق والمجلس الوطني الكردي، ليقول كل منهم إنه معارض. وهنا بدأت تتبلور مفاهيم ومدولات غير صحيحة، انعكست سلبًا على مجمل الحراك السياسي والشعبي الموجه ضد عصابة الأسد.

تحت شعار المعارضة، انخرطت شخصيات ملتبسة وأحيانًا مخترقة ومعادية للثورة، لكنها أطلقت على نفسها تسمية “معارضة”. والأمثلة كثيرة في كل مكان. بعد سبع سنوات، انكشفت شخصيات وتيارات على حقيقتها. وأسوأ ما في الأمر أن الدول أصبحت تنشئ منصات تسميها “منصات معارضة”، في موسكو والقاهرة وحميميم وبيروت وأستانا… وأساءت هذه التسميات إلى الثورة. فما هذه المعارضات التي تنشط في كل مكان من العالم بعيدًا عن سورية والشعب السوري الذي يتعرض للقتل والإبادة كل يوم.

ونشهد اليوم قوى وشخصيات تتحدث تحت يافطة “معارض”، لكنهم يدافعون عن سفاح دمشق ويبررون جرائمه، وفي الوقت نفسه يكيلون النقد والاتهام للمعارضة “الوطنية”؛ وهكذا اختلطت الأوراق، ولم يعد يميّز البعض المعارضةَ الحقيقية من المعارضة المزيفة!

ومما يزيد الطين بلة، أن المعارضات الرسمية هي الأخرى ليست منسجمة ومتحدة في رؤاها، عداك عن أنها لا توفّق بين القول والعمل.

انعكست هذه المصطلحات والهياكل على الثورة وقضية الشعب السوري، بالرغم من أنه أشعل ثورة حقيقية شعبية وطنية عفوية، لا مكان فيها للأحزاب والتنظيمات السياسية مع مشاركة شخصية معارضة.

الثورة:

كثرت محاولات تشويه الثورة السورية، بالرغم من عفويتها وشعبيتها، حيث عبّرت عن وجدان كل السوريين. ونتذكر كيف شملت التظاهرات والاحتجاجات المدن والقرى السورية، ومن ضمنها المناطق المحسوبة على النظام مثل اللاذقية، وشاركت فيها أحياء وطوائف وأقليات، مثل السلمية والمسيحيين في حلب والأكراد في عامودا.. وبالرغم من ذلك، هناك من ركب موجة الثورة وشوه صورتها، إضافة إلى دور النظام الإجرامي المعروف، عن وعي وسابق إصرار، فمنهم من سرّع في تسليحها، ومنهم من سرّع في أسلمتها، وضربوا الجيش السوري الحر الذي عبّر عن تطلعات الشعب الطامح إلى تغيير نظام العصابة الأسدية.

أدركنا أن هناك خطة واضحة، طبقت بمشاركة دول وقوى إقليمية ومحلية، لحرف الثورة وتغيير مسارها؛ ففتحوا الأبواب ودعموا ظهور قوى إرهابية متطرفة مثل (داعش) و(القاعدة)، ليقولوا للعالم هؤلاء هم من يقف ضد الحكومة الشرعية في دمشق.

يعرف العالم اليوم أن (داعش) مشروع استخباراتي عالمي، لعب دورًا معينًا في إجهاض الثورة، وتبرير جرائم النظام، وإتاحة الفرصة للتدخل الخارجي بأنواعه، ومن ضمنه التنظيمات الإيرانية الطائفية، في ظل تواطؤ غربي وإقليمي.

أين (داعش)، كيف ظهرت، وكيف تبخرت؟ في لحظات صوروا (داعش) على أنها الخطر العالمي الذي يهدد البشرية؛ ما سمح لبوتين بإرسال قواته إلى سورية واحتلالها، وسمح لأميركا باحتلال أجزاء من سورية وتدخل غيرهم من الدول، والأنكى من ذلك أن وجود (داعش) كان حجة لتشكيل قوات شيعية طائفية في العراق انتقلت إلى سورية، وأعطت في الوقت نفسه مبررًا للبعض لاتهام السنّة بأنهم مصنع الإرهاب السني المتمثل بـ (القاعدة) و(داعش)، وكلاهما صناعة غربية بامتياز. ويحق للإنسان أن يتساءل: أمِن الصدفة أن يُقرَن عنوة الإرهاب والجهاد بالعرب السنة؟ فمن جهة يُقمَع السنة ويهجرون قسريّا من أراضيهم وبيوتهم التي عاشوا فيها مئات السنين، ويسكن مكانهم مرتزقة شيعة، استجلبوهم من كل أصقاع الأرض. كل ذلك جرى ويجري على مسمع ومرأى الشعوب والدول العربية والإسلامية والدول الكبرى التي تدعي أنها علمانية! هل ذلك كله صدفة؟!

لقد قتلوا العربَ السنّة قبل غيرهم، باسم محاربة الإرهاب، وتناسى العالم إرهاب عصابة الأسد في سورية، ونوري المالكي في العراق، والحوثيين في اليمن، و”حزب الله” في لبنان، بقيادة نظام ولي الفقيه الديكتاتوري الفاسد.

كل ذلك جرى بتواطؤ عالمي. ويبدو أن الهدف الأكبر ليس فقط إجهاض ثورة السوريين، خوفًا من أن تصبح مثلًا يحتذى به في المنطقة والعالم، وتهزّ عروشًا استبدادية فاسدة، بل هناك هدف خبيث أخطر، وهو استخدام الثورة السورية مطية للانتقال إلى إعادة تقسيم المنطقة وتفتيت الدول، وفق خطة إسرائيلية أميركية تقضي ببناء الشرق الأوسط الكبير.

نعم إنه الشرق الأوسط الكبير، الذي يقوم على وجود دويلات عرقية ودينية وطائفية، يعطي مبررًا لإعلان “إسرائيل” نفسها دولة يهودية. وبالطبع ستكون هي الأقوى بين هذه الدويلات الصغيرة الهزيلة. وهكذا تتحقق فكرة إقامة إمبراطورية إسرائيلية، ولا يمنع من أن تجاورها إمبراطورية فارسية شيعية، لأن المهم ضرب العرب والمسلمين.

لقد وجد السوريون أنفسهم ضحية، وأصبحت بلادهم مسرحًا لصراعات إقليمية ودولية، من أجل مصالح اقتصادية وعسكرية وجيوسياسية وأجندات دينية وقومية مختلفة.

كلهم يقولون إننا مع وحدة سورية، لكنهم يساهمون في تقسيم سورية. يقولون إننا مع تقرير السوريين لمصير بلادهم، ويفرضون أجنداتهم ليل نهار على السوريين، لدرجة أن الروس وضعوا مسودة دستور، وحددوا شكل الدولة القادم.

الوطن:

اليوم نتساءل: ما الخطأ الاستراتيجي لقوى “المعارضة” والثورة؟ لماذا خسرنا الحرب، ولا أقول خسرنا المعركة، فالثورة مستمرة ولن تموت.

هناك أسباب كثيرة أدت إلى إيقاف مسيرة الثورة، ولكن من أكبر أخطائنا أننا نصبنا أنفسنا كمعارضة بدلًا عن الشعب السوري، وقزّمنا تلك الثورة العظيمة الشعبية، فمن سمى نفسه “معارضة” اتخذ مواقف وممارسات نفّرت حتى أبناء الثورة، عداك عن الفئات الصامتة والموالية. أتذكر عندما كان ينشق ضباط كبار من الجيش السوري النظامي، وانشق رئيس الوزراء السابق الدكتور رياض حجاب؛ ارتفعت أصوات بين المعارضة تقول إنه “مندس”، ولا يجب إدخاله في المجلس الوطني، وعاملوه بمنتهى الحذر والتشكيك. إنها عقلية الإقصاء والتخوين التي ورثناها من نظام عصابة الأسد.

كان على القوى المعارضة والثورية أن تسمي نفسها “حراك وطني سوري”، أو “مقاومة وطنية سورية”، لا تستخدم فيها كلمة “معارضة”، لكيلا يربط البعض الحراك الشعبي الجديد بممارسات وهياكل “معارضاتية” سابقة ولاحقة. كان علينا تشكيل “مجلس المقاومة الوطنية”، والابتعاد عن مصطلحات أيديولوجية وحزبية أضرت بالثورة. لأن مصطلح “الوطنية” يفتح الباب لمشاركة كل السوريين، بعيدًا من الموقف السياسي “المعارض”، فكل السوريين يريدون التغيير من دون الانتماء إلى تيار سياسي وأيديولوجي.

إن المحاصصات القومية والدينية في تشكيلات المعارضة ساهمت في تخريب الثورة، وهذا مرض آخر، اقتبسناه من نظام العصابة. كما أن هيمنة التيارات الإسلامية على قوى الثورة السياسية والمسلحة جعل الأقليات تخشى وتبتعد عن الثورة “المتأسلمة”.

لم ننتبه إلى هذه الأمور حتى اليوم. وهناك من يروج لخطاب ديني منفر؛ لأنه مخالف للخطاب الوطني. نتذكر الشخصية الوطنية فارس الخوري كيف كان وزيرًا للأوقاف الإسلامية في أربعينيات القرن الماضي، بترشيح ودعم من الشخصية الإسلامية المعروفة مصطفى السباعي. ما هي عقلية هؤلاء السوريين الوطنيين، حتى يرسخوا الروح الوطنية السورية بعيدًا من الانتماء الديني والسياسي.

لقد ارتكبت هياكل “المعارضة” أخطاء تاريخية، بابتعادها عن الخطاب الوطني الحقيقي الشامل والممارسة الوطنية. كان الكثيرون يرددون ثوابت الثورة بالأقوال لا الأفعال، فأصبحت كقميص عثمان. نقول شيئًا ونفعل شيئًا آخر.

وأخيرًا، أقول إن من المستغرب، بعد كل ما جرى في الثورة، أن قيادات المعارضة العتيدة لم تعلن فشلها، ولم تنتقد نفسها، ولم تجرِ أي مراجعة لمسيرة الثورة، لتمكيننا من فتح صفحة جديدة مستفيدين من تلك العبر.

بتقديري المتواضع، ما لم نبدأ بتشكيل تيار وطني ديمقراطي شامل، بعيدًا عن ممارسات القوى المتصدرة للمعارضة والثورة، وما لم نختر “قيادة وطنية” من النخب السياسية والمدنية والثورية والشبابية، ونضع استراتيجية سياسية شاملة للمرحلة القادمة، التي ستكون سياسية سلمية مدنية بامتياز؛ فإننا سنضيع الفرصة من جديد، ونترك الساحة للقوى الدينية والقومية، ونسمح لقوى الثورة المضادة بأن تنتقم من الشعب شر انتقام، ونحن نتحمل المسؤولية التاريخية عن كل ذلك.