مقالات الرأي

لوعة الديمقراطية حلمًا!

في العلاقة بين السلطتين، التنفيذية والصحافية، لم تكن ليلة منتصف الشهر الحالي في فرنسا ليلة عادية. فقد خرجت كليًّا عما يمكن اعتباره في الدول الغربية، ومن ضمنها فرنسا بالطبع، من تقاليد العلاقة التي تقوم أثناء المقابلات التي يجريها صحافيون مع رئيس الجمهورية. سوى أن هذه “المقابلة”، كما جرت تلك الليلة وبالطريقة التي نظمت، كانت جديدة كل الجدّة على ما عرفته الجمهورية الخامسة في هذا المجال، منذ ولادتها قبل ستين عامًا حتى اليوم. ليس لاختلافها عن التقاليد المتبعة في هذا النوع من المقابلات بالضرورة، بل كذلك في ما أثارته لدى ملايين متابعيها من ناحية، ومن ردات أفعال ممثلي مختلف القوى السياسية التي تنصبّ في معظمها على مسألة الديمقراطية، نظرًا وفهمًا وممارسة. إذ بدت “المقابلة” التي دامت ساعتين وثماني وثلاثين دقيقة، كما لو أنها معركة أضفى عليها سلوك الصحافيين في نبرة صوتهما، وطريقة صوغ وطرح أسئلتهما، طابعًا من العنف غير مسبوق في عالم الصحافة السياسية.

الصحافيان هما جان جاك بوردان، رئيس تحرير إذاعة (مونت كارلو) وصاحب برنامج اللقاءات السياسية اليومي الذي يحمل اسمه على قناة تلفزيونية إخبارية خاصة (ب ف م- ت ف)، وإدوي بلينيل، مؤسس ورئيس تحرير الموقع الإعلامي (ميديا بارت). وكانا هما من وجها الدعوة إلى رئيس الجمهورية: إيمانويل ماكرون، لحوار بعد سنة من انتخابه. وقد قبل الأخير الدعوة في لحظة سياسية حرجة بالنسبة إليه، على صعيدي السياسة الدولية (مواجهة استخدام السلاح الكيمياوي من قبل النظام الأسدي) والسياسة الداخلية حول ردّات أفعال مختلف الفئات الاجتماعية، على القرارات الخاصة بالوضع الضريبي، والشركة الوطنية للسكك الحديدية وموظفي المستشفيات والمراكز الصحية العامة وسواها، والتي جعلت نسبة شعبيته لدى الرأي العام تهبط، إلى درجة تنبئ بغليان اجتماعي حقيقي يمكن أن يهدد كل مشروعاته الإصلاحية.

لم يكن قبول إيمانويل ماكرون إجراء “المقابلة” مفاجئًا؛ فقد خطط لها كي تجري ضمن إطار حملته الإعلامية التي أراد بها أن “ينزل” من قصره، كي يشرح قراراته التي اتخذها، أو هو في سبيله إلى اتخاذها، في المجالات المشار إليها، والتي أثارت ردات فعل غاضبة لدى قطاعات شعبية واجتماعية واسعة، فضلًا عن اجتماع أقصى اليسار واليمين، في موقفهما المعادي لمشاركة فرنسا مع الولايات المتحدة وبريطانيا في معاقبة النظام الأسدي. لكن المفاجآت العديدة تجلت في مجالات أخرى؛ المفاجأة الأولى كانت مكان اللقاء: قصر شايو، الذي عقدت فيه منظمة الأمم المتحدة اجتماعين لجمعيتها العامة، وتبنّت في أحدهما الإعلان العالمي لحقوق الإنسان. مكان حيادي، لم يتوان الصحافيان، مع ذلك، عن استغلال دلالته السياسية، ولا سيّما في مجال المساواة التي أرادا أن تكون قائمة بينهما كصحافيَين وبين رئيس الجمهورية، ما داموا جميعًا “متساوين في المقام وفي الانتماء”، كما قال بوردان في تبريره ذلك. أما المفاجأة الثانية فقد جاءت من الصحافيين إذ، بمعزل عن حضورهما بلا ربطة عنق (وهو تفصيل أثار الكثير من التعليقات!)، وباستثناء إلقاء التحية إلى “السيد الرئيس” في بداية “المقابلة”، سرعان ما طفقا يتوجهان في مخاطبتهما الرئيس باسمه الكامل مباشرة ومن دون صفته: إيمانويل ماكرون! لم يفاجئ ذلك، كما بدا واضحًا، هذا الأخير الذي تعامل مع الأمر بصورة طبيعية، ومن دون ظهور أي علامة رفض أو استنكار. وإذا كان آخرون، من سياسيين وغير سياسيين، قد استنكروا ذلك؛ فإن بوردان قد ردّ بقوله إنه اعتاد أن يدعو كل من يقابلهم في الإذاعة وفي التلفزيون “بأسمائهم أيًا كانت صفتهم”. لم يكن الهدف، كما برر الصحافيان، سوى “إنزال جوبيتر عن عرشه”، أو أيضًا، “نزع القدسية عن الوظيفة الرئاسية”. وهو ما كان واضحًا في رفضهما إجراء المقابلة في قصر الإليزيه. لكن هذا الأخير كان، كما اتضح، يتطلع بقبوله الدعوة إلى استثارة مقابلة مختلفة، تثير الدهشة عبر المفاجأة بما هو غير عادي، وتتيح في الوقت نفسه للرئيس بث ما يريد عبرها من رسائل. لكن ثالثة المفاجآت تجلت، تارة في النبرة، وتارة في طريقة صوغ الأسئلة. سبق لماكرون أن عرف الصحافيَين على نحو كاف من قبل، بما أنه سبق أن التقى كلًا منهما على حدة، في مناسبات عدة، عندما كان وزيرًا في عهد سلفه فرنسوا أولاند، أو، خصوصًا، خلال حملته الانتخابية لمنصب الرئاسة. ولذلك لم يفاجأ بلهجة السؤال الذي بدأ به إدوي بلينيل المقابلة، لكنه اعترض على طريقة صوغ السؤال: أهو مرافعة أم سؤال؟ يدرك المشاهد بسرعة أنه إذا كانت موضوعات الأسئلة معروفة من قبل، بما أن الأحداث الداخلية والخارجية تفرضها، فإن الأسئلة ذاتها لم تكن معروفة من قبل الرئيس، كما جرت العادة أيضًا في المقابلات الرسمية، وكما أعلن ذلك بوردان في بداية “المقابلة”. وهذه “العفوية” التي طبعت الأسئلة في صيغتها وفي نبرة طرحها هي التي أضفت على “المقابلة” طابع معركة بين طرفين. يؤكد كل من الصحافيين حريتهما في طرح الأسئلة التي يريدانها، لأنهما “ليسا في خدمة من يسألانه”، من ناحية، ولأنهما يريدان، كلٌّ على طريقته، إعادة طرح تلك التي يطرحها الناس في بيوتهم أو في أمكنة عملهم أو لقاءاتهم.

أما النبرة فقد كانت إحدى المفاجآت. فنبرة الصحافيَين، ولا سيّما تلك التي استخدمها بوردان، لم تكن تخلو من صرامة تكاد تبلغ حدّ العدوانية، حين تدعمها نظرات مثبتة على المُخاطَب وملامح وجه غاضب، كما لو أنها تعكس غضب الشارع كله. يمكن لمن لم يتابع هذه “المقابلة” الفريدة أن يتخيل هذا الصحافي، وهو يبدأ مخاطبة رئيس الجمهورية بقوله: “إيمانويل ماكرون! العديد من الفرنسيين يشكون فيك، وفي خياراتك، ويفقدون صبرهم. هل أنت مشعوذ برز في قلب التاريخ؟ إلى أين تذهب؟ وإلى أين تقودنا؟”. وبهدوء يجيبه: “ربما وضَّحَتْ إجاباتي الأمور، وسوف يحكم التاريخ فيما وراء ذلك”.

قد توافق الرئيس أو لا توافقه على ما قدّمه من إجابات، وقد تعجب به أو لا تعجب. لكنك إذا لاحظت أنه استخدم، في مواجهة أسئلة الصحافيَين الدقيقة والمحرجة والمُتَحَدّية، كل الوسائل في طرق المحاججة التي تتيحها له، ليس ثقافته الواسعة فحسب بل معرفته الدقيقة بكل الملفات التي تعالجها حكومته؛ فإنك لن تستطيع اتهامه بالكذب.

هنا، يشعر العربي الذي أتيحت له متابعة اللقاء، بين رئيس جمهورية فرنسا وصحافيين محترفين، بلوعة الديمقراطية التي يحلم بها.

إذ من العسير عليه ألا يرده هذا اللقاء إلى ما يمكن أن يماثله في بلدان العالم العربي، على اختلاف نظمها السياسية. فما أكثر المرات التي كان أمله فيها يخيب، كلما سمع رئيسًا أو ملكًا عربيًا يجيب عن أسئلة الصحافيين في المناسبات النادرة التي يقبل أحدهم فيها استقبال صحافي، نادرًا ما يكون مواطنًا، وغالبًا ما يكون أجنبيًا، يريد إجراء مقابلة معه. يسأل هذا الصحافي الكثير من الأسئلة، باستثناء تلك التي كان هذا العربي/المواطن يود لو طرحها الصحافي عليه، كي نعلم -بعدئذ- أن هذه الأسئلة التي سمعها تطرح، قد وضعت من قبل، وعرضت على الرئيس أو الملك، فوافق عليها بعد تعديلها أو حذف البعض منها. قد يخرج الصحافي الأجنبي عن النص في أثناء المقابلة مستفيدًا من حصانته المهنية؛ فيسأل السؤال المحرج الذي سبق حذفه، كالسؤال الذي طرحته ذات يوم صحافية أميركية على بشار الأسد حول إبراهيم قاشوش الذي قُتل وانتُزعت حنجرته، بسبب الأغنية التي رددها وراءه مئات الآلاف بحماة، في أوائل أشهر الثورة السورية. هنا يفرض الكذب نفسه على الرئيس. فالقاشوش الذي وصل اسمه إلى أرجاء الدنيا يومها، لم يكن قد وصل بعد إلى أسماع بشار الأسد!

لن يختلف الزعماء الآخرون في عالمنا العربي، لو خرج سائلهم عن النص المُقرَّر. فالإفلات من الإجابة، عن طريق النفي أو الإنكار أو التجاهل، في مثل هذه الحالات، لن يتيح أي مجال بعد ذلك للصحافي، كي يجرؤ على إعادة طرح السؤال.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

إغلاق