كلمة جيرون

السيئ والأسوأ

لا يكاد يختلف اثنان على سوء أداء المعارضة السورية المسلحة، وضحالة فكر قادتها، وضبابية استراتيجياتها، وتخلّف أيديولوجياتها، ووضاعة تصرفاتها، وبخاصة مع البيئة الحاضنة لها، التي أنتجتها بالأساس لتقوم بثورة ضد الحكم الشمولي الأمني الطائفي الفاسد المجرم، فتحوّلت إلى شيء آخر لا يحمل من همّ الثورة سوى قشورها.

قامت هذه المعارضة المسلحة -أحيانًا كثيرة- بقمع مؤيدي الثورة، وأرضختهم عنوة لسلطتها، وسجنتهم، وتاجرت بقوتِهم، وفسدت وقبضت، وتآمرت وارتهنت؛ فكانت نسخة عن النظام الذي كان من المفترض أن تُسقطه، مريضة مثله، وتحمل آفاته نفسها.

لكن، كل هذا لا يجب أن يُنسي السوريين الأسوأ، والأكثر شرًا وحقدًا وإجرامًا، بما لا يُقاس بهؤلاء، وأن لا يُنسيهم النظامَ الذي ارتكب أضعاف ما ارتكبته المعارضة المسلحة، وشوّه الحاضر والتاريخ، ودمّر المستقبل، وأضاع الإنسان والهوية والوطن.

كلّ هذا لا يجب أن يُنسي السوريين أن من جاء بهؤلاء هو النظام، وهو من نثرهم ليقضموا الثورة، ويدمّروا ربيعها، عبر مسيرة أمنية مُنظّمة استمرت سبع سنوات، فانساقوا معها، جهلًا أو عن إصرار مسبق، وشاركوا معه يدًا بيد، في ما وصلت الثورة إليه من ضعف وهشاشة وارتباك.

قد تكون المعارضة السورية المسلحة سيّئة، وهي كذلك، لكن الأسوأ -بما لا يُقارن- هو النظام، الذي خسّر سورية نحو ترليون دولار، وهجّر وشرّد نحو نصف السوريين، وقتل ويتّم وأثكل نحو ربع السوريين، وقسّم السوريين إلى أقوام وطوائف وملل، وخلق جرحًا بينهم لا يندمل بأجيال، وحقدًا لا ينتهي بعقود، وأدخل كل مستعمري الدنيا ومرتزقتها ومافياتها ولصوصها، وارتكب كل الموبقات الممكنة والمتخيَّلة، وتجاوز كل الممنوعات، وداس على الإنسانية، ونسف كل المبادئ الأخلاقية، واحتقر القوانين، وباع شعبه ووطنه، وتعامل مع كل المارقين في العالم، ليضمن سلطة ما دامت لغيره.

أسفُ السوريين على هكذا معارضة مسلحة، أنهكتهم وتآمرت عليهم وغدرت بهم، وأسفهم على معارضة مسلحة تشبّهت بالنظام، فأنتجت عُقمًا وضحالة.

لكن، وبما أن البحر باقٍ، بينما الزبد الذي يعلوه زائل، فإن غياب فصائل المعارضة المسلحة عن المشهد لن يُنهي الثورة، وتبخّرهم وهزيمتهم لا يعني الثورة في شيء، فمبادئ الثورة راسخة، وفكرتها ستبقى وقّادة، أما الأسوأ فيجب أن يزول، بسلاح أم بغيره، لأنه لم ولن يُولّد إلا أشباهه، وبوجوده ستبقى سورية حبلى بالسيئين أمثاله، فالمرض العضال لا ينفع معه سوى الاستئصال، ليصبح الجسم غير عليل.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً

إغلاق
إغلاق