الأزمة السورية كما يراها الألمان

ما زال الأوربيون ينظرون إلى ما يجري في سورية، على أنه مسألة إنسانية تتعلق بالإغاثة ووقف القتل والتهجير، وربما الأهم -بالنسبة إليهم- وقف تدفق اللاجئين إلى بلدانهم، ويرون أن هذه الأمور يمكن حلّها إنسانيًا! لكن ألا يدرك الغرب فعلًا أن سبب عذابات المجتمع السوري، بكل شرائحه، هو التعمية السياسية الدولية على جرائم نظام بشار الأسد؟

قال يوخن هيبلر، الباحث في (معهد السلام والتنمية) الألماني، يوم أمس الإثنين، لـ (دويتشه فيله): إن “السياسيين لا يغيرون السياسات الخارجية لبلادهم، حيال دول ضخمة مثل روسيا، بسبب الأمور الإنسانية فقط”، قد تكون هذه العبارة من هيبلر هي التعريف الأدق لما يفعله الأوربيون والغرب عمومًا، في مباحثاتهم خلف الستار مع الروس، التي يغطونها ظاهريًا ببضعة جمل تدين الجرائم بحق السوريين، مع توجيه اتهامات في بعض الأحيان إلى روسيا وإيران.

يؤكد هيبلر أن الغرب يمكنه أن “يمنح بوتين ترضية في مقابل تخليه عن سورية”، لكن طالما أن الأمر في سورية “لا يتعلق بالبترول ولا التجارة الخارجية بين أوروبا وروسيا، وإنما القضية هي معاناة الشعب السوري”، أي ليست مصالح تجارية؛ فإن الغرب لا يقدم أي مساومة لأجلها، “ولا يوجد ما يدعو لمكافأة بوتين بعقد اتفاق معه، في مقابل ترك بشار يسقط”، ولهذا فالأمور “الإنسانية” وحدها لا تكفي لتحرك الغرب بشكل جدي.

لفت الباحث الألماني النظر إلى أن روسيا “دعمت” نظام الأسد، بطريقةٍ قلبت “موازين القوى، بعد أن كان النظام السوري قاب قوسين أو أدنى من السقوط”، وتساءل إن كان من الممكن أن تساهم ألمانيا والاتحاد الأوروبي “في فصم عرى هذه العلاقة القوية بين النظام السوري وبين الدب الروسي”، وتابع: “مع انعدام الخيارات أمام الغرب؛ لا أستطيع مطلقًا تصور أن تتخلى روسيا عن بشار الأسد، فقد ساندته حين كان موقفها في هذا الوقت عالي التكلفة بالفعل، وعندما لم تكن متأكدة من نجاح مساعيها لتثبيت أركان حكمه، واليوم، بعد أن بدأ الاعتقاد يسود بأن روسيا ربحت الحرب ونجحت في تثبيت دعائم نظام بشار الأسد، ما الذي يجعلها توافق على التخلي عن الأسد!”.

يرى هيبلر أن “لا أحد في ألمانيا تقريبًا يرغب في استمرار بشار الأسد في موقعه، فهو دكتاتور بطش بشعبه بقسوة، واستخدم ضدهم أسلحة محرمة دوليًا، فضلًا عن الآلاف الذين تعرضوا للتعذيب وقتلوا في السجون”، لكنه يعبّر في الوقت نفسه عن أن الجدل في ألمانيا يدور حول “هل يوجد خيار آخر، أم أن علينا التعامل معه، وإن كنا لا نحبه”.

أوضح هيبلر أن هناك مطالب مستمرة منذ 2011 لإزاحة الأسد عن السلطة، لكن “لا توجد إمكانية عند الغرب لتحقيق ذلك”، وأضاف أن المعارضة السورية “تقضي وقتًا طويلًا للغاية في الكلام، وتستهلك طاقة كبيرة في محاربة بعضها، ولا يوجد بديل يمكن الاعتماد عليه”، ووفق رأيه، فإن “المطالبة بإسقاط دكتاتور وحشي شيء، ووجود بديل مع القدرة على تنفيذ هذا السيناريو البديل شيءٌ آخر تمامًا”، وهذا الموضوع بالذات هو “ما يسبب اضطرابًا واختلافًا في المواقف، ليس في ألمانيا وحسب، وإنما في الاتحاد الأوروبي”.

في هذا السياق، يعتقد يورغن هارت، خبير الشؤون الخارجية في (الحزب المسيحي الديمقراطي)، الذي تتزعمه المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل، أنه “لا يوجد حل مع وجود الأسد، لكن لا يوجد أيضًا حل بدونه”، وأيّد موقف حكومة بلاده الذي يقول: “لا مستقبل لسورية مع الأسد”، فيما يرى أنه موجود في “مرحلة انتقالية”.

وكان وزير الخارجية الألماني هايكو ماس قد قال: “لا أتخيل أن يكون شخص استخدم أسلحة كيمياوية ضد شعبه جزءًا من هذه العملية السياسية”، وأكد أن الحل يجب التوصل إليه عبر “التفاوض”.

إلى ذلك، انتقدت صحيفة (بيلد) الألمانية موقف برلين، بعدم المشاركة في معاقبة الأسد بالضربة العسكرية بالقول: “هل ينتابني الخوف من القصف في سورية؟ بالطبع! ولكن أقوى من الخوف يكون خجلي من وطني ألمانيا التي لم تنجح في الكشف عن موقف واضح ضد الأسد وبوتين”، وتابعت: “منذ سبع سنين، يتواصل القتل.. أطول من الحرب العالمية الثانية”، بينما أنتم ترون أن التعبير عن ذلك فقط يتم عبر “تظاهرات ضد الأسد في مدينتكم! أو ضد بوتين لأنه يدعمه! أو بخطب نارية داخل البرلمان بأنه يجب علينا مساعدة السوريين”.

في الموضوع ذاته، قال دانييل غيرلاخ، رئيس تحرير مجلة (تسينيت) الألمانية المعنية بشؤون الشرق الأوسط: “ألمانيا تدعم التفاوض بين أطراف الحرب في سورية، برعاية الأمم المتحدة وبإشرافها، لكن يجب الاعتراف بأن هذه العملية ليست ناجحة، وبخاصة أن روسيا والنظام السوري يريدان حلًا عسكريًا، ومن ثمّ حلًا سياسيًا”.

أضاف غيرلاخ أن ألمانيا “تمتلك المال، وتريد المشاركة في عملية إعادة إعمار سورية، التي ستكلف مئات المليارات”، لكنه أوضح أنها “لن تشارك في عملية إعادة الإعمار، طالما لم تكن هناك عملية سياسية موثوق بها”، وتابع: “لا أتخيل أن يطلق نظام الأسد عملية سياسية فقط، لأن الألمان سيحجبون أموال إعادة البناء”.

وأكّد أن “الروس لا يستطيعون التحكم بسورية عسكريًا إلى الأبد، وهم يعلمون أن الصراع لن ينتهي بتحقيق نصر عسكري، لأن ذلك سيعني اشتعال الصراع الداخلي”، ولهذا فإن هناك حاجة إلى “تأسيس مرحلة ما بعد الحرب، ولكن هذا سيكون صعبًا للغاية”.