الأدوار الإقليمية في الثورة السورية المغدورة

الصراع في سورية هو صراع إقليمي في وجه من وجوهه، وقد أضحى للقوى الإقليمية كلها ميليشيات تحارب عبرها في هذا الطرف أو ذاك، ومؤسسات إغاثية تهيمن عليها، وتجمعات سياسية تؤثر في مواقفها.

تركيا تقوم بدعم المعارضة والجماعات المسلحة التي تعمل على الأرض، ليس حبًا في المعارضة، وإنما لأنّ عمقها الاستراتيجي للشرق الأوسط هو من خلال سورية، وخصوصًا أنّ إيران هي الموازن الاستراتيجي الأبرز لتركيا في السيطرة على المنطقة. وبالتالي فإنّ هذا يعتمد على ما يمكن أن نطلق عليه “الإزاحات الاستراتيجية”، أي كل فاعل يحاول إزاحة الفاعل الآخر من إحدى ساحات الصراع، من أجل ملء الفراغ الذي سيخلِّفه تخلِّي الفاعل الآخر. كما تتمثل مصالح تركيا الجوهرية في حماية حدودها، وعودة ما يقارب ثلاثة ملايين لاجئ سوري تستضيفهم، والعمل على بقاء المناطق ذات الأغلبية الكردية في الشمال جزءًا لا يتجزأ من سورية.

وثمة اندفاعة عاطفية سوريّة تجاه تركيا، باعتبارها الملاذ الآمن للاجئين السوريين الذي فتح أبواب التعليم والعمل والإقامة أمامهم، وأيضًا ثمة الخوفُ من صعود المشروع الإيراني في المنطقة، واعتباره من الغالبية السورية مشروعًا مذهبيًا بالدرجة الأولى، وقناعتهم بأن ليس ثمة من يستطيع الوقوف في وجهه غير تركيا السنِّية القوية. ولا تغيّر الاستدارة التركية الأخيرة، بالتعاون مع روسيا، من هذه الاندفاعة العاطفية.

أما مشروع المحافظة على النظام فتمثله إيران، لكن ليس حبًا به، وإنما لأنه يمثل حليفًا استراتيجيًا وامتدادًا لمشروعها في الهيمنة على المنطقة. لذلك نرى أنّ إيران بذلت ما بوسعها من أجل إجهاض التغيير في سورية، فهي تدعم النظام بالمقاتلين، فضلًا عن الدعم اللوجستي. ولا شك أنّ ما دفع إيران للقفز إلى هذا المستوى، من الوضوح والشفافية في تظهير أدواتها وأهدافها، استشعارها تغيُّرات قادمة في المشهد الإقليمي، من خلال احتمال تشكُّل تكتل من القوى الإقليمية المركزية يقف ضد طموحاتها، لذا فهي تندفع إلى تكريس أوضاع ثابتة في سورية حتى لو اضطرت إلى عدم مراعاة اعتبارات كثيرة لدى الأسد، عبر تحويل المرجعية الإيرانية إلى الثابت الوحيد فيما المنفِّذون متغيِّرون، قد يكون الأسد أو أيِّ واجهة أخرى فيما يبدو استنساخًا للحالة العراقية.

ويمكن تفسير الاهتمام الإيراني بالانخراط في الجهود السياسية الخاصة بالمسألة السورية في ضوء عدة عوامل: فبعيدًا عن نظرية تبنِّي دبلوماسية إقليمية لتعزيز مكانة إيران، لا سيما بعد الوصول إلى الاتفاق النووي، وإظهار مدى استعداد طهران للمشاركة في الوصول إلى تسويات للأزمات الإقليمية المختلفة. فقد شكَّل وصول ربيع الثورات العربية إلى دمشق تهديدًا، ليس فقط لعرش آل الأسد، بل لمشروع إيران في المنطقة، بما يحمله من تأثيرات سلبية وخطيرة على وضع إيران المميَّز في سورية، وانعكاسات ذلك على “حزب الله” في لبنان، وعلى الاستقرار النسبي الذي حققه النفوذ الإيراني في العراق. والتوجه الإيراني كان على منحيين: أولهما، تمثل بدعم الأسد ونظامه عبر مده بالدعم المالي وبالسلاح والذخيرة. وثانيهما، عبر تحشيد المجموعات المسلحة الشيعية لتشارك في القتال مع قوات الأسد، ولتشكل ما يشبه حكومة ظل تسيِّر إيران شؤونها الاقتصادية والمالية والعسكرية، لتكون ضامنة لمصالح إيران بعد سقوط الأسد. وبشكل موازٍ أنشأت إيران قوة اقتصادية من مجموعة من التجار المتعاملين معها، الذين استفادوا من العمولات الممنوحة لهم لتغطية حاجة السوق من النفط والطاقة والمواد الغذائية. إضافة إلى شراء الإيرانيين العقارات، خاصة في مناطق حمص ودمشق، في محاولة منهم لإحداث تغيير ديموغرافي في بعض المناطق، يشكل سندًا لهم ولسياستهم في سورية.

إنّ إحدى النتائج المترتبة على هذا الدعم العسكري والاقتصادي الهائل، هي تغيُّر نوعي في طبيعة العلاقة بين السلطتين السورية والإيرانية. فمن حليفين تاريخيين يتبادلان المنافع والخدمات، بات النظام الإيراني -عمليًا- سلطة احتلال في المناطق السورية الخاضعة لسيطرة آل الأسد، إذ يتحكم الحرس الثوري وجنوده وميليشياته بشكل كامل بهذه المناطق.

وتعتبر إيران أنّ السيطرة على منطقة دمشق الكبرى، والتي تضم مدينة حمص بطبيعة الحال، أولويةٌ، لاتصالها بلبنان عبر القلمون وريف حمص، واتصالها بالعراق عبر البادية، وبفلسطين عبر سهل حوران والقنيطرة. والخطورة في مشروع إيران السوري أنها تعمل على إحداث تغييرات ديموغرافية، من قبيل تهجير سكان منطقة ما، وإحلال سكان آخرين (شيعة على الأغلب) مكانهم.

أما “إسرائيل” فتأخذ موقف المراقب -ظاهريًا- للأزمة السورية، فهي تعتبر أنّ طريقة تعامل النظام مع الأزمة وإقحام الجيش في مواجهة المواطنين المدنيين قد أدى إلى ضعف جوهري في قدرات الجيش السوري على المواجهة والردع، وإلى تراجع شديد في حصانة الأمن القومي السوري من الناحية العملية، من خلال انهيار الوحدة الوطنية السياسية وتشظِّي بنية المجتمع والدولة.

إنّ المراهنات الإسرائيلية في الأزمة السورية هي على مزيدٍ من التفاعلات السلبية -أمنيًا وسياسيًا- وعدم التوصل إلى أيِّ حلٍّ في القريب العاجل. فمن مصلحة “إسرائيل” بقاء هذا الكابوس الجاثم فوق المشرق العربي والمهدِّد لوحدة الأوطان والشعوب، والمنذر بحروب أهلية في عموم المنطقة. وفي هذا السياق يبقى للجنوب السوري وضع خاص، نظرًا إلى متاخمته للحدود الإسرائيلية، التي تمثل بيضة القبّان في الأمر برمته. فمن ناحية تستحيل إعادة سيطرة سلطة آل الأسد على كامل درعا والقنيطرة، ومن ثم عودتها إلى ممارسة وظيفتها الرئيسية بحراسة حدود “إسرائيل”. ومن ناحية أخرى لن تسمح “إسرائيل” بسيطرة طرف جهادي إسلامي لا تستطيع التأكد من نيّاته تجاهها على تلك المنطقة الحيوية.

ومن جهة أخرى، يعتقد الإسرائيليون أنّ مصالحهم في سورية قد لا تتأثر سلبًا مع هيمنة روسيا على أجوائها، من خلال نشر منظومة صواريخ إس 400. فلن يكون عصيًّا على “إسرائيل” التأقلم مع تلك المنظومة الروسية، في سياق حالة التنسيق العسكري عالي المستوى مع موسكو.

كما رأت “إسرائيل” أنّ دفع سورية نحو الانقسام والتفتت -وإن كان سيزيد من المخاطر الأمنية على حدودها الشمالية لفترة طويلة- سيضمن التشكيك في المشروعية القانونية لمطالبة أي من الدويلات التي ستنشأ -حال تفكك سورية- بالجولان، وبالتالي يصبح ضمّها ليس فقط أمرًا واقعًا، بحكم الاحتلال الإسرائيلي لها منذ عام 1967، بل أمرًا بالإمكان إعطاؤه شكلًا شرعيًا، وفق القانون الدولي في مرحلة لاحقة. وقد يكون السيناريو الذي تأمله “إسرائيل” هو نشوء دويلات على أنقاض سورية الموحدة، وبالتالي يصبح من السهل المحاججة بحق “إسرائيل” قانونيًا في ضم الجولان إليها بشكل نهائي. ونعتقد أنّ “إسرائيل” لن تكتفي بموقف المراقب، فلا بدَّ أن تحاول تحقيق اختراقات في المستقبل وترتيب أوراقها لمرحلة ما بعد الأسد.

وتشعر دول الخليج أنّ بقاءها خارج الأزمة السورية سوف يتيح لدول أخرى، مثل تركيا وروسيا وإيران، فرصة ملء الفراغ. لذلك تعمل المملكة العربية السعودية على دفع عجلة الحراك خطوات للأمام عن طريق الدعم المباشر وغير المباشر لأطياف من المعارضة السورية. وتعي دول الخليج أنّ سقوط سلطة آل الأسد سيكون بمثابة ضربة لإيران وإضعاف لنفوذها في المنطقة، مما يدفعها إلى المبادرة والتعاون مع المجتمع الدولي في زيادة الضغوطات على هذه السلطة. ولكنّ المعضلة بالنسبة إلى دول مجلس التعاون تكمن في خطر وصول جماعات ديمقراطية إلى السلطة وامتداد موجة تسونامي لربيع الثورات العربية، تصل إلى الخليج.

ومن الناحية التقليدية، يتداخل نطاق النفوذ الأردني مع إقليم حوران، من خلال الاعتماد على المقاتلين ورجال القبائل في حوران، والذين تربطهم صلة قرابة بالأردنيين، أبقت الأردن بنجاح تنظيم (داعش) بعيدًا عن جنوب سورية، وأبقت جبهة “فتح الشام” أيضًا تحت الرقابة، والتي تنحدر قيادتها الجنوبية من إقليم حوران.

1 عدد الردود

التعليقات مغلقة