مقالات الرأي

سورية: صراع مستمر ومستقبل لم تتحدد ملامحه بعد

 

مع انتهاء المعارك في الغوطة الشرقية، وخروج المقاتلين من مختلف الفصائل نحو مناطق الشمال السوري، سوّق النظام ورعاته لنصر وهمي، استخدموا لبلوغه كل أنواع الأسلحة والجرائم. وكانت جريمة استخدام الكيمياوي في دوما، بغية إقناع الرماديين من السوريين بأن الأمور الميدانية قد حسمت لصالح النظام؛ وأن الأوضاع والاصطفافات السياسية، سواء الإقليمية أم الدولية، هي الأخرى في صالحه، وما على السوريين سوى التسليم بالأمر الواقع، والاستعداد لمرحلة جديدة مع وجود بشار الأسد على رأس الحكم.

وجاءت الضربة الكيمياوية في دوما، لتؤكد مدى تعطّش هذا النظام لفرض سطوته على السوريين، عبر الاستهتار بحياتهم، وإذلالهم، وترسيخ عوامل التفرقة بينهم. ولكن رغم كل ذلك لم يتمكن هذا النظام، ولن يتمكن، من كسر إرادة المقاومة في نفوس السوريين الذين ما زالوا صامدين، رغم كل ما لحق بهم من قتل وتدمير وتشريد، على مدى سبعة أعوام.

وهنا لا ننكر تردّد بعض ضعاف النفوس من الواقعين الجدد وغيرهم، هؤلاء الذين روّجوا لزعم لا يمتلك أي أساس فحواه ضرورة التسليم بالوقائع، والتعامل الإيجابي مع المواقف والاتجاهات الدولية، والاستعداد للقبول ببشار ونظامه، رغم كل ما حدث.

فهؤلاء ينطلقون من القراءة المعكوسة للمعادلات الإقليمية والدولية. ويعتقدون أن الأمور قد حسمت لصالح التحالف الروسي- الإيراني- الأسدي، لا سيما بعد التفاهمات التي كانت بين كل من روسيا وإيران من جهة، وتركيا من جهة ثانية، نتيجة ما تعرّضت له هذه الأخيرة من تجاهل لافت من قبل الدول الغربية، والناتو تحديدًا.

لكن التحولات الأخيرة في المواقف الدولية، خاصة الأميركية والأوروبية منها، تؤكد أن الأمور لم تحسم في سورية بعد. ولا توجد موافقات ضمنية من أجل أن تتحوّل سورية إلى ساحة نفوذ روسية – إيرانية صرفة، لأن ذلك مؤداه التحكّم بدول المنطقة من قبل هذين الحليفين، وهذا أمر يتعارض مع استراتيجية الدول الغربية، ويهدّد سلامتها ومصالحها في الوقت ذاته. فمنطقة الشرق الأوسط، بامتداداتها الأفريقية والآسيوية، وبتفاعلاتها مع المحيط الأوروبي، ما زالت من أكثر المناطق حيوية في استراتيجية الدول الكبرى، وذلك على عكس الحجج التي تذرّعت بها إدارة أوباما، لتسويغ سلبيتها في مواجهة الحدث السوري، وتركيزها على الملف النووي الإيراني؛ ولجوئها إلى كافة الإجراءات التي أضعفت الثورة السورية، مقابل تغاضيها عن التدخل السافر للنظام الإيراني والميليشيات المرتبطة به، في الشأن السوري بكل الأدوات والإمكانات.

وقد استغلت روسيا كل ذلك، لتعزّز من تواجدها في سورية، معتمدة على القوة التدميرية الكبيرة لسلاحها الجوي، كما رسّخت تواجدها الميداني على الأرض، من خلال قاعدتي حميميم وطرطوس، وتوزيع قطعات عساكرها في مختلف المناطق السورية بمهام وأسماء مختلفة.

وتمكنت إلى جانب ذلك، عبر لقاء أستانا، سواء تلك التي كانت على مستوى القمة أم على مستوى الوفود والخبراء، من فرض فكرة مناطق خفض التصعيد التي ترجمت واقعًا على الأرض، بإخراج الفصائل الميدانية المعارضة منها، وتسليمها إلى النظام. وهذا كله أدى إلى المزيد من التراجع في الموقف الأميركي، وسلبه أوراق الضغط المطلوبة في ملف كهذا. ومع أن الولايات المتحدة قد احتفظت لنفسها بمنطقة نفوذ تمتد من شرقي الفرات إلى الحدود العراقية، ومن الفرات جنوبًا وصولًا إلى الحدود التركية شمالًا، فإن هذا التواجد لم يتحوّل إلى حاجز مانع أمام التمدد الإيراني نحو سواحل شرقي المتوسط، كما أنه لم يشكل تحديًا مؤثرًا للانتشار الروسي في سورية، هذا الانتشار الذي ينتظر منه أن يكون قاعدة للتوسع في المنطقة، خاصة بعد صفقات السلاح التي أبرمتها موسكو مع العديد من دول المنطقة. ومن الواضح أن روسيا قد اختارت منطقة الشرق الأوسط، لتستعيد قسطًا من قوتها ومكانتها على المستوى الدولي، الأمر الذي يقلق الأوروبيين قبل غيرهم، ويدفع بهم نحو الاستعداد للمشاركة في جهد عسكري أميركي، الهدف المعلن منه هو معاقبة النظام السوري على استخدامه السلاح الكيمياوي ضد المدنيين في دوما، ولكن الهدف الأساس هو توجيه رسالة للروس، مفادها أن مصير المنطقة لن تقرروه أنتم وحدكم، رغم كل ما فعلتموه حتى الآن. وهذا معناه بداية صراع دولي جديد على سورية، ربما يتجاوز حدود مناطق النفوذ الحالية، وذلك تبعًا لتغيرات احتمالية، قد تطرأ على مواقع مختلف الأطراف والتحالفات في ما بينها.

ليس من المستبعد، في هذا السياق، أن تقوم الولايات المتحدة الأميركية بتجاوز خلافاتها مع تركيا عبر إزالة الهواجس، والتوافق على قواعد جديدة تنظّم العلاقات بينهما، مما سيعزز مكانة تركيا ضمن حلف (الناتو)، ويحسّن علاقاتها مع الاتحاد الأوروبي.

لعلنا لا نأتي بشيء جديد، إذا قلنا إن إعادة الروح إلى العملية السلمية لإيجاد حل مقبول للقضية الكردية في تركيا، ستساهم بقوة في تعزيز موقف تركيا، إقليميًا ودوليًا، وسيقطع الطريق على كل أولئك الذين يستغلون هذه القضية، في سبيل إرغام تركيا على السير في مسارات لا تستقيم مع توجهاتها الاستراتيجية ومصالحها الحيوية. ونقصد هنا بطبيعة الحال التنسيق الثلاثي الحاصل راهنًا بين تركيا من جهة، وكل من روسيا وإيران من جهة ثانية.

أما على الصعيد الوطني السوري، فإن الظروف الحالية، والتوقعات المستقبلية، تلزم القوى السورية المعارضة بالفعل لنظام بشار الأسد بتنظيم قواها، والتركيز على الطاقات الشبابية التي اكتسبت خبرات ومعارف هائلة، خلال السنوات السبع المنصرمة. ومن الضروري في هذا المجال أن يتم التوافق على وثيقة وطنية تجسّد وجهة نظر القوى المعنية حول سورية المستقبل، لتكون موضوعًا للنقاش والحوار، بين السوريين في الداخل والخارج، من أجل تعديلها وصقلها حتى تصبح وثيقة وطنية عامة، تكون أساسًا لتحرّك وطني سوري عام يطمئن الجميع من دون أي تمييز.

فالمصير في نهاية المطاف هو مصير سورية والسوريين، ولن ينقذ البلدَ إلا أهله. ونحن إذا انتظرنا، ريثما ينقشع غبار المعارك؛ فلن نحصد سوى الريح.

مقالات ذات صلة

إغلاق