مقالات الرأي

الجيوش الإسلامية المهزومة

 

أنكر النظام الثورة منذ بدايتها. أنكرتها أيضًا الحركات الإسلامية، ولم تعترف بشعبيتها وبوطنيتها، وقالت إنها ثورتنا، أي ثورة “السنّة”. لم يرف للإسلاميين جفن، على الرغم من رفض المدن الكبرى: دمشق وحلب، الانخراط في ثورتهم؛ لم يبحثوا عن أسباب أخرى للثورة غير هزيمتهم في الثمانينيات، وصحوة “السنّة” مجددًا، وبذلك تساوت لديهم مفاهيم الحرية والكرامة، باسترداد “السنّة” لذاتهم عبر هذه الحركات. صادر الإخوان المسلمون وحلفاؤهم الثورة، عبر المجلس الوطني، وتشكيلاتهم الخاصة، وتسلطوا على كافة المؤسسات التي وجدت لتلبية احتياجات المناطق الثائرة، ولا سيما مع توسعها إلى كل الخارطة السورية، باستثناء المدن الكبرى وأحياء في المدن الصغرى، ومناطق يُطلق عليها عادة تجمعات خاصة بالأقليات، مع التأكيد أن هذه الصورة ليست دقيقة؛ فهناك محاولات حقيقية للثورة، في كل من مدينة السلمية والسويداء والقامشلي.

على كل حال، جيوشنا الإسلامية، الإخوانية والسلفية والجهادية، رفضت كل شكل للثورة، وأكدت أنها لن تنخرط في تنسيقيات وتجمعات الثورة، حتى إنها رفضت الانصياع للقطاع العسكري لها، وشكلت تنسيقياتها وفصائلها العسكرية! أسست جيوشها، وأعلنت مبادئها الطغيانية، وكانت رافضة للديمقراطية وللمواطنة ولشرعة حقوق الإنسان، وأكدت أن كل رؤيتها تنطلق من قراءتها الخاصة بالنص الديني، واجتهادات سلفية تراها صحيحة، وكان مفادها أنها تعادي الجميع، وليس فقط الكفرة “مسيحيين وعلويين ووو”، بل كذلك تعادي أي فصيل إسلامي آخر، ولندقق في الخلافات، بين “أحرار الشام” و”جيش الإسلام” و”جبهة النصرة”.. وطبعًا (داعش) الأسوأ. طبعًا الشعب “المسلم” جاهل، ويجب تصحيح إسلامه الخاطئ! وهو ما رأينا أمثلة عنه، في كل منطقة ظهرت فيها “الفطور” الإسلامية، وأقصد أنها لا أرض لها، وأنها استغلت مظالم الشعب والدعم الخارجي، لفرض سلطتها على الثورة، وتخريبها وتخريب إسلامها الشعبي.

داعبت الحركات الإسلامية الفاشلة جمهورَ الثورة، ولعبت على قضية الطائفية، التي عزّزها النظام طويلًا بسياساته، وتحديدًا منذ انتصاره في الثمانينيات على الإخوان المسلمين، حيث رُبطت أجهزة الأمن بشكل خاص بالطائفة العلوية، وعززها كذلك من خلال سياساته التطييفية، عبر تسييس قضية الطوائف من خلال المناصب الحكومية، وتوزيعها وفقًا للاعتبارات الطائفية، وتركيز التوظيف “الهامشي” في أبناء الطائفة العلوية بشكل كبير، وكذلك الاختلال في القطاع العسكري، حيث الأغلبية من ضباط الجيش علويون، وكذلك المناصب الحساسة فيه. ويمكن إضافة الدعم الكبير للنظام لمراكز دينية سنّية خاصة في دمشق، وكذلك إشادة آلاف الجوامع في كل سورية، وهو ما همش الوعي المدني لدى كافة السوريين، وسوّد الوعي الديني وخلق هويات دينية، شكلت مرجعية للسوريين، بعد أن كانوا، طوال عقود متتالية، يحاولون تشكيل هوية وطنية أو قومية، ولنقل حداثية.

الإسلاميون لعبوا على هذه القضية، واستغلوا وعي الناس البسيط هذا. والنظام بدوره لم يرحم الشعب، ومنذ بداية الثورة، مارس كل أشكال الاجتثاث للناشطين؛ ما أدى إلى تشكل وعي خلاصي، يقبل أيّ تشكيل يُنادي بإسقاط النظام، وهو ما فعلته الحركات الإسلامية، ولا سيما بعد أن أطلق النظام قادتها ومجموعات جهادية من سجن صيدنايا ومعتقلاته. وكذلك استفادت الدول الإقليمية والعالمية من مناخ سورية المفتوح هذا؛ فالنظام يريد إغراق الثورة بالسلفيين والجهاديين، والمعارضة أيضًا لم تتبنَ موقفًا رافضًا بشكل حاسم، لقضية الوافدين الجهاديين من الخارج أو الداخل، وهل يمكن أن ننسى الترحيب اللامعقول من قبل معاذ الخطيب وجورج صبرا وميشيل كيلو وكثر، بـ “جبهة النصرة”. تلك الجبهة التي قاتلت (داعش) و”أحرار الشام” و”جيش الإسلام”، وطبعًا كل فصائل الجيش الحر، وغير الحر ولا سيما في إدلب؛ أليس أمرًا عبثيًا ما فعلته قيادات محسوبة على المعارضة، ونسبت نفسها إلى الثورة، بخصوص تأييدها للإسلاميين الرافضين للثورة الشعبية ولكل قيم حديثة ومعاصرة؟!

انتهى تنظيم (داعش) كدولة، وأصبح مجموعات مطاردة هنا وهناك، ومُوظفة لدى الدول الداعمة لها، للإغارة وفقًا للطلب، وحينما تحدث الخلافات العميقة بينها على الأرض السورية، يتمّ الضغط عبر تحريك (داعش). النصرة أيضًا تهمشت بشكل كبير في كل من القلمون ودرعا، وانتهت في الغوطة وفي الرقة ودير الزور، وسيتم القضاء عليها في إدلب لاحقًا. الأمر ذاته يخص “جيش الإسلام” و”أحرار الشام”.

السؤال: ماذا استفادت الحركات الإسلامية من المساهمة في أسلمة الثورة؟ ألم تخربها، وساعدت النظام في إنقاذ نفسه، واستجلاب إيران وروسيا. الأنكى أنهم لم يتوحدوا البتة، وبالتالي ألا توضح مسيرة الإسلاميين أنهم ليسوا متفقين بخصوص الديمقراطية وقيم الحداثة والعصر، وكذلك ليس من مشروع إسلامي موحد. الفشل الذي رافق الحركات الإسلامية والدول “الإسلامية” يؤكد بدوره، ضرورة عودة الدين إلى صدور المؤمنين، وتبني سياسات عامة للمجتمع وللدولة، حداثية بامتياز.

انهزم المشروع الإسلامي في سورية، وساهمت كل أسلمة في تخريب الثورة، وفي تحويل سورية إلى مكان للصراعات الإقليمية والدولية ولتصفية الحسابات العالمية على أرض السوريين. إذًا، هناك تناقض كامل بين الإسلاميين وبين الثورات الشعبية، وأهدافها في الحرية والكرامة والعدالة الاجتماعية.

مقالات ذات صلة

إغلاق