كلمة جيرون

الطغاة يجلبون الغزاة

يترقب السوريون ساعة الصفر، معتقدين أن دونالد ترامب سيفعلها هذه المرة، ويُعاقب النظام الكيمياوي، نظام البراميل والأفران البشرية، صاحب السجل الأسوأ والأكثر شرًا في التاريخ الحديث، ويأمل ملايين السوريين المعذبين أن تكون هذه الضربة موجعة جدًا للنظام، إن لم تكن قاضية.

في هذه “المعمعة” اختلف المُنظّرون، بين من يؤيد مثل هذه الضربة بشدّة، عسى أن تُنهي نظامًا دمّر سورية وشرّد أهلها وأثكل نساءها ويتّم أطفالها، وأن تقتلع نظامًا لا يُقتلع إلا بالقوة، نظامًا سيستمر في جرائمه طالما ظلّ فيه رمق، وبين من اعترض عليها، من منطلق أن الولايات المتحدة دولة غازية، ستنتهك “السيادة” السورية، وتُدمّر منشآت هي ملك للشعب، وتستبيح الوطن.

لا يمكن لعاقل أن يقبل أن ينتهك وطنَه غازٍ، أو تنتهك سيادة وطنه دولة، قريبة كانت أم غريبة، ولا يمكن لعاقل أن يقبل أن تُحرق شجرة واحدة من أشجار الوطن، أو يُصاب حجر من حجارتها، أو يُدكّ بناء من أبنيتها، فالوطن رمز وأيقونة ومفهوم مُقدّس. لكن للبعض مفهومًا ملتبسًا أعوج عن الوطن، لا يستقيم، وهو مرتبط بالنظام السوري الذي جلب الغزاة واستباح البلاد وشرّد العباد.

يتحدث البعض عن الوطن، ويتناسون أن النظام السوري حوّله من مفهوم مُقدّس إلى بيئة طاردة مخيفة مرعبة، حوّل الوطن إلى سجن تدمر وصيدنايا وعدرا، وإلى أقبية فرع فلسطين وأمن الدولة والجوية، ومئات الفروع الأخرى المنتشرة في أرض “الوطن”، وحوّله إلى براميل بارود وأسلحة كيميائية وصواريخ ارتجاجية وانشطارية وحارقة، وإلى مرتع للطائفية، ووطن للمرتزقة العابرين للحدود، ومستورد للعصابات ومُصدِّر لها، وإلى أنقاض بيوت، حلالٌ استباحتها، وحوّله إلى سوق للصوص والمُعفّشين، وأرض بور محروق محصولها.

يتحدث البعض عن الوطن، ويتناسون أن النظام السوري حوّله إلى ميدان للقتلة: أفغان ولبنانيين وعراقيين وباكستانيين ويمنيين وشيشانيين، مرتزقة (فاغنر) ومرتزقة (حزب الله) و(فاطميون) و(زينبيون) و(الدفاع الوطني) و(كتائب البعث) و(اللجان الشعبية) و(نسور الزوبعة) و(جيش المهدي) و(لواء القدس) و(قوات رديفة). كما يتناسون أن النظام السوري حوّله إلى (جمعية البستان)، والشبيحة، وسرايا الدفاع، والصراع، وإلى ملف قيصر، ومئات المجازر والقبور الجماعية، وحوّله إلى مؤسسات معامل الدفاع، والإسكان العسكري، وآلاف الشركات المنهوبة، والمعامل المسلوبة من قِبل عائلة وحاشيتها.

الوطن ليس جغرافيا ميّتة، ولا هو طائرات حربية ومدرعات تَقصف، هو البيت، الأم، الحبيبة، الوطن هو الأخ والصديق والجار والإنسان، وهو الأمن والأمان والاستقرار، وهو الانتماء والهوية والثقافة والشخصية، الروح والجذور، الشعب والقانون والدستور، وآمال ملايين الثكالى والأرامل والأيتام، والمُهجّرين والمنفيين قسرًا، والمغيبين في عتمة المعتقلات، وهو الكرامة والحرية والعدالة والمساواة. ذلك فقط هو الوطن الذي يدافع عنه كل سوري وطني، ودون ذلك؛ لا علاقة لأي وطني سوري بالضربة الأميركية، هي قضية بين طاغية وغازٍ… فالطغاة يجلبون الغزاة.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً

إغلاق
إغلاق